د.ضحي عبد الحميد: من هرمز إلى جبل طارق.. سيناريو الخطر الكامل على قناة السويس
الخبير الاقتصادي الدولي
كان الكابتن يقف على جسر ناقلته النفطية في خليج عُمان، ينظر بقلق إلى شاشة الرادار. أمامه مضيق هرمز — ثلاثة وثلاثون كيلومتراً تفصل بين إيران وسلطنة عُمان — وخلفه حمولة من النفط تكفي لتشغيل مدينة بأكملها لأسابيع. أما قرار العبور من عدمه فلم يعد قراراً بحرياً بحتاً؛ بل بات قرار حرب وسلام، يتحكم فيه الجنرالات لا الربابنة.
على بُعد آلاف الكيلومترات، في القاهرة، كان مسؤول في وزارة المالية يُحدّق في أرقام تتراجع أمام عينيه: إيرادات قناة السويس انهارت من 9.4 مليار دولار عام 2023 إلى ما يقارب 5.6 مليار دولار عام 2024 ؛ ليست أرقاماً مجردة — بل هي رواتب ودعم وطموحات تتبخر.
هذه هي حكاية حرب المضايق، وما تعنيه لمصر تحديداً.
المضيق الأول: هرمز — حيث يبدأ الخوف
إذا أردت أن تُشلّ الاقتصاد العالمي في لحظة واحدة، فما عليك إلا أن تُغلق مضيق هرمز. هذا الممر الضيق البالغ عرضه 33 كيلومتراً بين إيران وعُمان هو الوريد الرئيسي للنفط في عالمنا؛ يعبر منه يومياً قرابة 21 مليون برميل من النفط والغاز المسال، تُعادل ما بين 20 و21% من إجمالي تجارة الطاقة العالمية .
مصر لا تطل على هرمز، لكنها تشعر بكل رعشة تحدث فيه. فكل ارتفاع في أسعار النفط العالمية يعني: فاتورة دعم أثقل، وكلفة إنتاج صناعي أعلى، وتضخماً يضرب محافظ المصريين قبل أن يصل إلى أرقام البنك المركزي. وقد بلغ التضخم ذروته في 2023 عند 33.9% ، وكان للتوترات حول هرمز نصيب غير قليل في هذه المعادلة.
المضيق الثاني: باب المندب — الطعنة في الظهر
إذا كان هرمز بعيداً عن مصر جغرافياً، فإن باب المندب— ذلك الممر الذي يفصل اليمن عن جيبوتي وإريتريا بـ29 كيلومتراً فقط — هو طعنة مباشرة في قلب الاقتصاد المصري.
قبل أحداث 2023-2024، كانت تعبر من هذا الباب 17,000 سفينة سنوياً، معظمها متجه شمالاً إلى قناة السويس. حين بدأت قوات الحوثيين في اليمن استهداف السفن التجارية، لم يكن الأمر مجرد حادثة بحرية — بل كان قراراً جيوسياسياً أصاب مصر في مقتل. أعادت أكثر من 108 ناقلة وسفينة مساراتها للالتفاف حول رأس الرجاء الصالح ، متجنبةً البحر الأحمر ومعه قناة السويس.
النتيجة؟ خسارة صافية في الإيرادات المصرية تبلغ 2.2 مليار دولار شهرياً في سيناريو الإغلاق الكامل. وما حدث فعلياً لم يكن أقل إيلاماً: تراجع حركة السفن بنسبة تتراوح بين 250 و300 % في بعض أشهر الأزمة ، وانهيار الإيرادات بما يقارب 40% خلال عام واحد.
لكن الأمر لا يتوقف عند الأرقام. خلف كل ناقلة تلتفّ حول أفريقيا، ثمة مصانع مصرية تدفع أكثر لاستيراد موادها الخام، وسائح أوروبي يتردد في حجز رحلته، ومزارع يجد أن أسعار الأسمدة المستوردة قد قفزت من جديد.
المضيق الثالث: جبل طارق — حين يشتعل الغرب
في الطرف الآخر من الخريطة، عند تلك النقطة التي تتنفس منها البحر الأبيض المتوسط نسماتها الأطلسية، يقف مضيق جبل طارق — 14 كيلومتراً تفصل المغرب عن إسبانيا، تعبر منها نحو 100,000 سفينة سنوياً. إنه البوابة الغربية لكل ما تستورده أوروبا وتصدّره، وهو الشريان الذي يربط صادرات مصر بأسواق القارة العجوز.
اليوم، ومع التوترات المتصاعدة في منطقة الساحل الأفريقي، وتمدد النفوذ الروسي في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وتقاطع المصالح الإيرانية مع بعض أطراف في شمال غرب أفريقيا — بات السؤال مطروحاً بجدية: هل يمكن أن تمتد جذوة الصراع لتطال هذا الطرف أيضاً وتُربك حركة الملاحة في المتوسط؟ الإجابة لا أحد يجزم بها، لكن صانع القرار الحكيم لا ينتظر وقوع الكارثة ليسأل.
المثلث المحاصِر: ثلاثة مضايق وقلب مصري يدق بقلق
حين تجمع هرمز وباب المندب وجبل طارق في خريطة واحدة، تجد مصر في القلب منها — مُحاطةً من الشرق والجنوب والغرب بأبواب قد تُوصَد في آنٍ واحد. وهو ما يجعل الوضع الجيوسياسي لمصر استثنائياً في درجة خطورته:
- من الشرق: توترات هرمز ترفع فاتورة الطاقة وتُذكي التضخم.
- من الجنوب: اضطرابات باب المندب تُجفّف إيرادات قناة السويس.
- من الغرب: تقلبات المتوسط والمغرب العربي تُهدد خطوط التجارة مع أوروبا.
- من الجنوب الغربي: الفوضى في السودان وليبيا والساحل تفرض عبئاً ديموغرافياً وأمنياً إضافياً.
هذا التطويق الجغرافي هو ما يجعل حرب المضايق تهديداً وجودياً بمعنى حرفي لاقتصاد يعتمد على 4 مصادر ريعية هشّة — قناة السويس والسياحة والتحويلات والمساعدات — لتأمين غالبية إيراداته الدولارية .
طريق الحرير يغيّر مساره: من يكسب ومن يخسر؟
بينما تشتعل المضايق البحرية، يجلس صانعو القرار في بيجين ويبتسمون بهدوء. فالاضطرابات في البحر الأحمر وخليج عدن ومضيق هرمز تدفع دفعاً بالغاً نحو تسريع مبادرة الحزام والطريق البرية — الطرق التي تتجاوز كل هذه الاختناقات البحرية وتمر عبر آسيا الوسطى وإيران وتركيا.
ما يبدو فرصة صينية يحمل في طياته تهديداً استراتيجياً لمصر : إذا نجحت سلاسل التوريد العالمية في إعادة رسم نفسها برياً على المدى البعيد، فإن قيمة قناة السويس تتراجع تدريجياً. لن يكون الانتقال مفاجئاً ولا كاملاً — القناة ستظل تجتذب الشحن لعقود — لكن أي تراجع في حصتها من التجارة العالمية يعني تراجعاً موازياً في سلاح مصر الجيوسياسي الأهم.
في المقابل، تمتلك مصر فرصة نادرة لم تستثمرها بعد: أن تكون نقطة التقاء البر بالبحر— مركزاً لوجستياً يربط ممرات الحزام والطريق بالمتوسط والبحر الأحمر. الإسكندرية والعين السخنة وبورسعيد يمكن أن تتحول إلى منصات لوجستية عالمية إذا توافرت البنية التحتية الحديثة وبيئة الأعمال التنافسية .
مصر وأفريقيا: الجنوب الذي لم يُستثمَر بعد
ثمة حقيقة لافتة يغفل عنها كثيرون: بينما تنشغل مصر بمراقبة المضايق من الشمال والشرق، تمتد أمامها إلى الجنوب قارة بأكملها تعجّ بالفرص — أفريقيا بـ1.4 مليار نسمة وسوق تجارية موحّدة في طور التشكّل بموجب اتفاقية التجارة الحرة البينية الأفريقية AfCFTA، يمكنها أن تُدرّ على الصادرات المصرية ما يزيد على 500 مليار دولار سنوياً. حصة مصر الراهنة من هذا الكنز لا تتجاوز 8-10% من إجمالي صادراتها.
والأكثر من ذلك: موجات إعادة الإعمار المرتقبة في غزة ولبنان والسودان التي قد تلوح في الأفق — والتي تُقدّر تكاليفها الإجمالية بـ 100 مليار دولار أو أكثر —تُشكّل سوقاً طبيعية للشركات المصرية في مواد البناء والخدمات اللوجستية والبنية التحتية. مصر الأقرب جغرافياً، والأوفر خبرةً، والأجدر بأن تكون في قلب هذا المشهد — شرط أن تُعدّ نفسها مسبقاً.
مصر وأوروبا: شراكة تحتاج إلى أجنحة جديدة
لا تقتصر علاقة مصر بأوروبا على الشحن عبر المتوسط. فأوروبا هي المستورد الأكبر للغاز المصري، والمستثمر الرئيسي المرتقب في مشروعات الطاقة المتجددة، والشريك الذي وقّع في مارس 2024 حزمة دعم بقيمة 8 مليارات يورو للاقتصاد المصري .
غير أن هذه الشراكة تحتاج إلى ترقية استراتيجية جوهرية في ظل حرب المضايق: من مجرد ممر شحن وسوق للغاز إلى شراكة صناعية حقيقية تشمل تصدير الطاقة الشمسية والكهرباء الخضراء، وتطوير صناعات تحويلية مصرية تخدم الأسواق الأوروبية. مصر تملك ما تحتاجه أوروبا: شمساً وريحاً ومساحة وعمالة — وأوروبا تملك ما تحتاجه مصر: تمويلاً وتكنولوجيا ومنافذ أسواق.
وكالة الطاقة المتجددة الدولية تُقدّر أن مصر يمكنها تصدير 10+ جيجاوات من الكهرباء الخضراء لأوروبا عبر كابلات الربط، بعائد يتجاوز 5 مليارات دولار سنوياً بحلول 2030. هذا هو الطريق: من مصر موصل للبضائع، إلى مصر مُنتِجة للطاقة ومُصدِّرة للقيمة.
ماذا تفعل مصر إذن؟ خمسة مفاتيح للنجاة
أولاً: الأمن الغذائي — بناء الخزّان قبل العطش
تستورد مصر 70-80% من احتياجاتها من القمح ، وكان نصف هذا الاستيراد يأتي من روسيا وأوكرانيا قبل 2022. حين اشتعلت تلك الحرب، ارتفعت أسعار القمح العالمية أكثر من 70%، وتكشّف عمق الهشاشة. المخزون الاستراتيجي الراهن لا يتعدى 5-6 أشهر — يجب رفعه إلى 9 أشهر فوراً، مع تنويع مصادر الاستيراد حتى لا يُشكّل أي مصدر أكثر من 20% من الإجمالي.
لكن الحل الجذري هو في زيادة الإنتاج الزراعي المحلي: استثمار جاد في تقنيات الري الحديث، وتوسيع رقعة الأرض المزروعة في سيناء والساحل الشمالي الغربي والوادي الجديد. مصر تملك الأرض والشمس والنيل — ما تحتاجه في هذا الظرف هو إرادة سياسية مستمرة.
ثانياً: الطاقة — كنز تحت القدمين لا يُنتظَر
مصر تجلس فوق ثروات طاقة استثنائية: غاز البحر المتوسط، وإمكانات الطاقة الشمسية في الصحراء من خلال مشروعات الطاقة الشمسية المركزة خصيصا والتي تعتبر طوق نجاة، وطاقة الرياح على الساحل الأحمر وجبل الزيت. مضاعفة الاستثمار في هذه الموارد ليست رفاهية مستقبلية — بل هي خط الدفاع الأول ضد ارتفاعات أسعار الطاقة الناجمة عن توترات هرمز. كل ميجاواط يُنتَج محلياً هو دولار لا يُدفع للخارج، وهامش أمان يقلّص أثر المضايق على الفاتورة الطاقوية.
وزارة الكهرباء تستهدف رفع حصة الطاقة المتجددة إلى 42% من مزيج الطاقة بحلول 2030 — هدف طموح يحتاج تسارعاً في التنفيذ لا في الإعلان.
ثالثاً: الصناعة والتعدين — ما تحت الأقدام ثروة
تمتلك مصر احتياطيات معدنية ضخمة لم تُستثمَر بعد بكفاءتها الكاملة: ذهب الصحراء الشرقية، ومنجنيز سيناء، وسيليكا الصحراء الغربية، وحديد أسوان، ورمال سوداء على الشاطئ الشمالي تحوي تيتانيوماً وزيركوناً. الاستثمار في هذه الثروات وتحويلها إلى صناعات تحويلية ذات قيمة مضافة — لا مجرد تصدير خام — يفتح مورداً جديداً من النقد الأجنبي لا يمر في أي مضيق ولا يخشى أي صراع.
إنتاج الذهب وحده يمكن مضاعفته عدة مرات إذا أُحسن الاستثمار في مناجم الصحراء الشرقية. والسيليكا المصرية البالغة النقاء يمكن أن تدخل في صناعة الرقائق الإلكترونية والألواح الشمسية بدلاً من أن تُباع برخص كمادة خام .
رابعاً: الإنسان المصري — أكبر المضايق وأهمها
ثمة مضيق رابع لا يذكره أحد في حروب الجغرافيا: مضيق رأس المال البشري. مصر بـ105 ملايين نسمة، أكثر من نصفهم دون الثلاثين، تمتلك كنزاً بشرياً لا تملكه أقطار النفط. الكفاءة المصرية تُدير مستشفيات الخليج وتبني مدارس أفريقيا وتطوّر برمجيات في أوروبا — لكنها تفعل ذلك خارج حدودها.
الاستثمار في التعليم النوعي والتدريب الفني وتكنولوجيا المعلومات يُبني احتياطياً بشرياً استراتيجياً يُعوّض في أوقات الأزمات عن أي تراجع في إيرادات القناة أو السياحة. الكفاءات الرقمية التي تعمل عن بُعد لأسواق عالمية لا تحتاج لعبور باب المندب ولا هرمز لتقدم قيمة مضافة لوطنها في وقت الشدائد.
خامساً: التنويع قبل أن تُغلق الأبواب
لا يمكن لاقتصاد يعتمد على 4 مصادر ريعية هشّة فقط أن يصمد في وجه حرب مضايق شاملة. التنويع ليس خياراً ترفاً بل ضرورة وجودية: رفع الصادرات غير البترولية من نحو 12 مليار دولار إلى 25 مليار دولار بحلول 2027 ، وتفعيل الشراكة التجارية الأفريقية عبراتفاقية التجارة الحرة البينية الأفريقية AfCFTA، واقتناص عقود إعادة الإعمار الإقليمية والقارية قبل أن يسبق الآخرون.
الخاتمة: درس المضايق الثلاثة
في نهاية هذه الحكاية المتشابكة، يتضح أن حرب المضايق ليست عن السفن ولا عن النفط ولا حتى عن الصواريخ الحوثية — بل هي اختبار عميق لقدرة الدول على بناء حصانتها الاقتصادية الداخلية في مواجهة بيئة خارجية لا يمكن التحكم فيها.
مصر لا تستطيع أن تُغلق هرمز أو تفتحه، ولا أن تُهدئ اليمن أو تُشعله، ولا أن تتحكم في ما يجري عند جبل طارق ولا الجزر المغربية الأسبانية ولا سلسلة القواعد الحربية للقوي العظمي أو جبهة البوليساريو. لكنها تستطيع — وهذا هو الرهان الحقيقي — أن تبني من الداخل ما يجعل الخارج المضطرب أقل تأثيراً فيها.
تستطيع أن تُغذّي شعبها من أرضها، وتُنير بيوتها من شمسها وريحها، وتصنع بأيدي أبنائها ما كانت تستورده، وتبيع لأفريقيا وأوروبا ما تملكه من ثروة طبيعية وبشرية .
الدول التي تصمد أمام حروب المضايق هي الدول التي قرّرت — قبل وقوع الحرب بسنوات — ألّا تجعل من الماء وحده طريقها الوحيد إلى الحياة.





