وجهات نظر

د. معتز محمد أبوزيد: العدالة المناخية والعدالة العرقية.. ترابط ضروري لمواجهة تحديات التغير المناخي

قاض– محاضر مواد القانون العام - خبير تشريعات حقوق الإنسان

يعد الوصول لتحقيق العدالة المناخية هدفا رئيسيا من أهداف طرح و دراسة موضوعات التغير المناخية و مناقشة قضاياه ، اذ أن مفاهيم التغير المناخي لا تنظر الى العدالة المناخية على انها فكرة التشاركية في تحمل المسئولية و مواجهة مشكلات التغير المناخي و أن تضمن الدول مساهمتها الفعالة في هذه الاجراءات و المسئوليات ، و انما تقتضي العدالة المناخية تحقيق الاستفادة الناجمة عن حل مشكلات التغير المناخي لتعم دول العالم و شعوب الدول جميعا دون تفرقة أو تمييز .

و يعتبر التمييز من المفاهيم الأساسية في سياقات العدالة المناخية نظرا لفكرة الكونية و العمومية التي تقتضيها دراسة قضايا التغير المناخي و من ناحية أخرى فان تنظيم مكافحة التمييز و القضاء عليه قد ورد من خلال نصوص و مواثيق دولية تتفق مع عالمية مشكلة التغير المناخي و قد أسست لفكرة مكافحة التمييز اتفاقية الأمم المتحدة للقضاء على أشكال التمييز العنصري التي اعتمدتها الجمعية العامة بالأمم المتحدة عام 1965 و التي دخلت حيز النفاذ عام 1969 والتي قامت على مواجهة و القضاء على أي تمييز أو استثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم علي أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الاثني.

ويستهدف أو يستتبع تعطيل أو عرقلة الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو التمتع بها أو ممارستها، و وجوب أن يتم كفالة هذه الحقوق علي قدم المساواة لجميع البشر على حد سواء ، في الميدان السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي أو في أي ميدان آخر من ميادين الحياة العامة و يعد المجال البيئي و المناخي من هذه المجالات بلا شك .

طرق التعامل مع المواطنين وغير المواطنين

وقررت هذه الاتفاقية طرق التعامل مع المواطنين وغير المواطنين في كل دولة وما يعد تمييزا عنصريا في ذلك، وما لا يعد تمييزا عنصريا ولا يستتبع تطبيق هذه الاتفاقية بجانب ما ذكرته الاتفاقية من التدابير اتخاذها تأمين التقدم الكافي لبعض الجماعات العرقية أو الاثنية المحتاجة أو لبعض الأفراد المحتاجين إلي الحماية التي قد تكون لازمة لتلك الجماعات وهؤلاء الأفراد لتضمن لها ولهم المساواة في التمتع بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو ممارساتها، و ما يعد في ذلك تمييزا عنصريا يتعين مواجهته و ما لا يعد كذلك .

و تزامن صدور العهد الدولي للحقوق المدنية و السياسية الصادر عن الأمم المتحدة عام 1966 مع اتفاقية الأمم المتحدة للقضاء على أشكال التمييز العنصري و قد تصدرت مواد هذا العهد المادة الثانية و التي قررت بأن تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد باحترام الحقوق المعترف بها فيه، وبكفالة هذه الحقوق لجميع الأفراد الموجودين في إقليمها والداخلين في ولايتها، دون أي تمييز بسبب العرق، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي سياسيا أو غير سياسي، أو الأصل القومي أو الاجتماعي، أو الثروة، أو النسب، أو غير ذلك من الأسباب.

و على سبيل الاستثناء المحدود ذكرت المادة الرابعة في ذلك العهد أنه في حالات الطوارئ الاستثنائية التي تتهدد حياة الأمة، والمعلن قيامها رسميا، يجوز للدول الأطراف في هذا العهد أن تتخذ، في أضيق الحدود التي يتطلبها الوضع، تدابير لا تتقيد بالالتزامات المترتبة عليها بمقتضى هذا العهد، شريطة عدم منافاة هذه التدابير للالتزامات الأخرى المترتبة عليها بمقتضى القانون الدولي وعدم انطوائها على تمييز يكون مبرره الوحيد هو العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الأصل الاجتماعي.

أما عن العلاقة بين التمييز العنصري و فكرة العدالة المناخية فان من النقاط الهامة التي تتعرض لها مفاهيم العدالة المناخية هي عدم تساوي المناطق الاقليمية التي تواجه مشكلات التغير المناخي في قدر هذه المشكلات و الأضرار الناجمة عنها ، بل و ان النطاقات الجغرافية على مستوى العالم لا تواجه ذات المشكلات المناخية فالبعض يعاني من هذه المشكلات في اطار الحد من التنوع البيولوجي و زيادة عدد الكائنات المهددة بالانقراض و بعض المناطق تواجه مشكلات التغير المناخي من خلال نقص و محدودية مصادر الطاقة و التوفير الآمن لها و هناك بعض المناطق التي تتصدى لمشكلات تهديد الأمن المائي و الغذائي و بعض المناطق تؤثر عليها مشكلات التغير الجيولوجي الناتجة عن مشكلات التغير المناخي ، و هذا الاختلاف في مشكلات التغير المناخي قد ينتج عنه كذلك اختلاف في آليات مواجهة هذه المشكلات من خلال حركات اعادة الاعمار و توفير المناطق و التجمعات السكنية البديلة أو ظهور حركات النزوح البيئي و هو ما ينشئ تجمعات سكنية و بشرية نتيجة لهذه المشكلات البيئية على اختلاف هذه التجمعات البشرية في الأصل و العرق و الجنس و اللغة بل و المشكلة المناخية التي عانوا منها بما يستدعي من جديد مبدأ المساواة في هده التكوينات أو ما يعرف بمفهوم بالعدالة العرقية .

ان المعنى الحديث للعدالة العرقية و التي كانت تقضي بالمساواة في الحقوق و الواجبات في المجال الاجتماعي و الاقتصادي و السياسي و الديني أصبحت بناء على ما ظهر من أهمية في المجال البيئي تتضمن كذلك المساواة في المجال البيئي و تحقيق العدالة في هذا المجال دون تمييز مع اختلاف مشكلات التغير البيئي التي أدت الى وجوب تطبيق العدالة العرقية في هذا المجال ، خاصة و بعد أن ظهر البعد البيئي كمعيار عالمي من معايير التنمية المستدامة و التي تجتهد الدول حاليا بالعديد من الاستراتيجيات لتحقيقها من خلال أجندات زمنية محددة .

و ترتبط العدالة المناخية بالعدالة العرقية كذلك ارتباطا سببيا حيث يعد يعد التمييز العنصري سببا في وجوب تطبيق العدالة المناخية و ما يترتب عليه من اجراءات و تدابير الابعاد و اللجوء و الاقصاء و النزوح انما يعتمد على اختلافات عنصرية في البيئات و التجمعات السكنية بما يجبر الأشخاص الذين يواجهون هذه التدابير على الاقامة في أقاليم معينة و التمتع بامكانيات معينة و مصادر طاقة و نظم غذائية معينة مختلفة عن باقي سكان هذه الدول سببا ريسيا في وجوب تطبيق العدالة المناخية عرقيا بين هؤلاء المقيمين في هذه الأقاليم .

و بمفهوم المخالفة فان تحقيق العدالة المناخية قد يكون سببا في اجراءات تمييزية تنتهك فكرة العدالة العرقية فان مواجهة مشكلات التغير المناخي قد تفرض اتخاذ تدابير في مناطق معينة أو في مواجهة أشخاص بذواتهم أو سكان بعض الأقاليم تحديدا و هو ما ينتج عنه ملامح التمييز العنصري بلا أدنى خلاف حتى و ان كان ذلك لمواجهة مشكلات التغير المناخي و تحقي قالعدالة المناخية .

لا يعتمد تحقيق العدالة الرقمية فقط على تطبيق عادل و مطلق لمبدأ المساواة فقط و انما هو تطبيق حي لمبدأ الكونية و العالمية التي ترتكز عليها مفاهيم العدالة المناخية و من ثم فانها وجه جديد من أوجه تطبيق العدالة المناخية و اطار جديد يؤكد مبدأ التشاركية في تحقيق العدالة العرقية كما هو ثابت و مقرر في مجال العدالة المناخية و من ثم فان العدالة المناخية ترتبط بفكرة العدالة العرقية و تدور معها حيث دارت بل و تتسع العدالة المناخية لتقدم حلولا لمشكلات متراكمة من العدالة العرقية .

ان التعامل مع قضايا التغير المناخي من منظور العدالة المناخية و التي يتعين أن يكون عاما و شاملا و مشتركا لا يعد من قبيل التفرد و التخصص بما يصنع نوعا من التمييز و التفضيل بين الأشخاص و الشعوب أو بين النطاقات الجغرافية و ساكنيها انما يتعين ألا يبتعد عن نطاق العدالة العرقية فهي قديم يذكر و جديد يعاد و أن المجال البيئي و قضايا التغير المناخي قد صدرت فكرة العدالة العرقية و مواجهات التمييز العنصري الى صدارة المشهد نظرا لاختلاف مشكلات التغير المناخي و أبعاد قضايا العدالوة المناخية الا أن مبادئ المساواة و التشاركية و العمومية المقرر في المواثيق الدولية و رددته الدساتير و التشريعات الوطنية يظل دائما أساسا لمنطق العدالة العرقية التي لا تنفصل عن العدالة المناخية بل هي داعم رئيسي للعدالة المناخية و سبيل أكيد لمواجهة مشكلات التغير المناخي .

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading