د.محمد الصوفي: البصمة الكربونية لبطولة كأس العالم 2026
خبير ومدرب دولي في البصمة الكربونية والتنمية المستدامة- عضو الاتحاد الدولي لمديري المرافق
قراءة في البصمة الكربونية، والانبعاثات المتوقعة
هل تسجل البطولة الأكبر في التاريخ هدفًا لصالح الاستدامة؟
مع بداية صيف عام 2026، توقف العالم مرة أخرى لمتابعة الحدث الرياضي الأكثر شعبية على وجه الأرض. اتجهت أنظار أكثر من خمسة مليارات مشاهد إلى الملاعب الأمريكية والكندية والمكسيكية لمتابعة كأس العالم لكرة القدم، بينما ملأ أكثر من ستة ملايين مشجع المدرجات، ونقلت آلاف الطائرات ملايين المسافرين عبر القارات. لكن بعيدًا عن الأهداف والبطولات، سيكون هناك سباق آخر أكثر تعقيدًا يدور في الخلفية… سباق بين كرة القدم وتغير المناخ.
لأول مرة في تاريخ البطولة، تستضيف ثلاث دول كأس العالم معًا، ولأول مرة يرتفع عدد المنتخبات من 32 إلى 48 منتخبًا، ولأول مرة أيضًا تقام 104 مباريات بدلاً من 64 مباراة، أي بزيادة تبلغ نحو 63%. وعلى الرغم من أن هذه التوسعات تعكس النمو الاقتصادي والجماهيري لكرة القدم، فإنها تعني أيضًا زيادة غير مسبوقة في استهلاك الطاقة والوقود والموارد الطبيعية.
من أين تأتي الانبعاثات؟
كل مباراة إضافية تعني مزيدًا من الجماهير، ومزيدًا من الرحلات الجوية، ومزيدًا من الإقامة الفندقية، ومزيدًا من استهلاك الكهرباء والمياه، وهو ما يجعل نسخة 2026 مرشحة لأن تكون الأعلى انبعاثًا للكربون في تاريخ كأس العالم.
وتشير التقديرات إلى أن البطولة ستستقبل أكثر من 6.5 ملايين متفرج داخل الملاعب، أي ما يقارب ضعف عدد الحضور في بطولة قطر 2022، التي بلغ عدد جماهيرها نحو 3.4 ملايين متفرج. كما يُتوقع أن يسافر أكثر من مليوني مشجع من خارج الدول المستضيفة، وهو ما يمثل حركة جوية هائلة لم يشهدها تاريخ البطولة من قبل.
ورغم أن كثيرين يعتقدون أن الملاعب هي المصدر الرئيسي للانبعاثات، فإن الواقع مختلف تمامًا. فالدراسات تشير إلى أن النقل الجوي وحده مسؤول عن ما بين 80 و87% من إجمالي البصمة الكربونية للبطولة، بينما لا تتجاوز مساهمة تشغيل الملاعب والإقامة الفندقية وإدارة النفايات مجتمعة خمس إجمالي الانبعاثات تقريبًا.
مصادر الانبعاثات الكربونية
لإدراك حجم المشكلة، يكفي أن نتخيل مشجعًا يبدأ رحلته من مكسيكو سيتي لمشاهدة مباراة في فانكوفر؛ إذ سيقطع ما يقرب من 4000 كيلومتر في رحلة واحدة. وإذا انتقل بعد ذلك إلى نيويورك أو لوس أنجلوس لمتابعة مباريات أخرى، فإن آلاف الكيلومترات الإضافية ستترجم مباشرة إلى انبعاثات كربونية ناتجة عن احتراق وقود الطائرات، وهو أحد أكثر وسائل النقل تأثيرًا على المناخ.
وتقدر مؤسسة Greenly أن البصمة الكربونية للبطولة قد تصل إلى 7.8 ملايين طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، بينما ترى مؤسسات بحثية أخرى أن الرقم قد يتجاوز 9 ملايين طن. ولتقريب الصورة، فإن هذه الكمية تعادل تقريبًا الانبعاثات السنوية لأكثر من 1.7 مليون سيارة ركاب، أو ما تنتجه دولة صغيرة خلال عام كامل من انبعاثات مرتبطة بالطاقة.
وعند العودة إلى تاريخ البطولة، تظهر الزيادة بصورة أكثر وضوحًا. فقد بلغت الانبعاثات التقديرية لكأس العالم في البرازيل عام 2014 حوالي 2.72 مليون طن، وانخفضت في روسيا عام 2018 إلى 2.16 مليون طن، ثم ارتفعت في قطر 2022 إلى نحو 3.63 ملايين طن وفق تقديرات الاتحاد الدولي لكرة القدم. أما في 2026، فإن الانبعاثات قد تتجاوز ضعفي انبعاثات قطر، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول مستقبل استدامة البطولات الرياضية العملاقة.
تحديات بيئية اخري
لا تقتصر الآثار البيئية على الانبعاثات الكربونية وحدها، فاستضافة أكثر من ستة ملايين متفرج تعني استهلاكًا هائلًا للكهرباء والمياه. فالملاعب الحديثة تعتمد على أنظمة إضاءة وتكييف متطورة، كما تستهلك الفنادق والمطاعم ووسائل النقل كميات كبيرة من الطاقة. وإلى جانب ذلك، يتوقع الخبراء إنتاج مئات الآلاف من الأطنان من النفايات، معظمها من العبوات البلاستيكية، ومخلفات الأغذية، والمواد الدعائية، وهو ما يفرض تحديات إضافية أمام أنظمة إدارة المخلفات في المدن المستضيفة.
ومن المفارقات أن البطولة قد تكون في الوقت نفسه جزءًا من المشكلة وجزءًا من الحل. فقد أعلنت FIFA استراتيجية للاستدامة تستهدف تقليل الأثر البيئي للبطولة من خلال الاعتماد على الملاعب القائمة بدلًا من إنشاء منشآت جديدة كلما أمكن، وزيادة استخدام الطاقة المتجددة، وتحسين كفاءة استهلاك المياه والطاقة، وتعزيز النقل الجماعي، وتشجيع إعادة التدوير، وتقليل استخدام البلاستيك أحادي الاستخدام، بالإضافة إلى الالتزام بهدف الوصول إلى صافي انبعاثات صفري بحلول عام 2040.
استراتيجية الفيفا FIFAوالتأثير على أهداف التنمية المستدامة (SDGs)
من المفارقات أن البطولة قد تكون في الوقت نفسه جزءًا من المشكلة وجزءًا من الحل. فقد أعلنت FIFA استراتيجية للاستدامة تستهدف تقليل الأثر البيئي للبطولة من خلال الاعتماد على الملاعب القائمة بدلًا من إنشاء منشآت جديدة كلما أمكن، وزيادة استخدام الطاقة المتجددة، وتحسين كفاءة استهلاك المياه والطاقة، وتعزيز النقل الجماعي، وتشجيع إعادة التدوير، وتقليل استخدام البلاستيك أحادي الاستخدام، بالإضافة إلى الالتزام بهدف الوصول إلى صافي انبعاثات صفري بحلول عام 2040.
كما تنسجم هذه الجهود مع أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، وعلى رأسها الهدف الثالث عشر الخاص بالعمل المناخي، والهدف الحادي عشر الخاص بالمدن المستدامة، والهدف الثاني عشر المتعلق بالاستهلاك والإنتاج المسؤولين. ويرى خبراء الاستدامة أن نجاح البطولة لن يُقاس فقط بعدد الأهداف المسجلة أو حجم الإيرادات الاقتصادية، بل أيضًا بقدرتها على تقليل انبعاثاتها وتحويل ملايين المشجعين إلى سفراء للوعي البيئي.
لقد أصبحت الرياضة اليوم صناعة تتجاوز قيمتها مئات المليارات من الدولارات، وأصبحت بطولاتها الكبرى قادرة على التأثير في الاقتصاد والمجتمع والبيئة في آن واحد. ولذلك فإن كأس العالم 2026 لا يمثل مجرد منافسة كروية، بل يمثل اختبارًا عالميًا لقدرة البشرية على تنظيم أحداث ضخمة دون أن يكون ثمنها مزيدًا من الانبعاثات والضغوط على المناخ.
وعندما يرفع المنتخب الفائز كأس العالم في يوليو 2026، سيظل هناك سؤال آخر لا يقل أهمية عن نتيجة المباراة النهائية: هل نجحت كرة القدم في إحراز هدف حقيقي لصالح كوكب الأرض، أم أضافت ملايين الأطنان الجديدة إلى أزمة المناخ العالمية؟ ربما تكون الإجابة عن هذا السؤال هي الإرث الحقيقي الذي ستتركه هذه البطولة للأجيال القادمة.





