د.فوزي يونس: كيف يمكن تقليل انبعاثات الأبقار والأغنام؟ اكتشافات جديدة تمهد لثورة في الإنتاج الحيواني المستدام
أستاذ بمركز بحوث الصحراء- خبير العمل المناخي والاستدامة
“آليات خفض انبعاثات الميثان في المجترات: من التنظيم الوراثي إلى برامج التغذية المستدامة”
بداية تمثل انبعاثات الميثان المعوي الناتج عن المجترات تحديا بيئيا كبيرا إذ تساهم بشكل ملموس في الاحتباس الحراري، كما تؤدي إلى فقدان ما بين 2% إلى 12% من الطاقة الغذائية الممتصة مما ينعكس سلبا على كفاءة الإنتاج.
تنتج غازات الميثان في الكرش كنتيجة طبيعية لعملية التخمر الميكروبي، حيث تقوم العتائق المولدة للميثان (Methanogenic archaea) باختزال ثاني أكسيد الكربون باستخدام الهيدروجين الناتج عن تفكيك الكربوهيدرات المعقدة إلى أحماض دهنية طيارة.
مع تزايد الضغوط البيئية والحاجة إلى نظم إنتاج حيواني منخفضة البصمة الكربونية تزايد الاهتمام بالبحث عن استراتيجيات فعالة ومستدامة للحد من هذه الانبعاثات.
وقد كشفت الأبحاث الحديثة عن آليات دقيقة تتفاعل فيها العوامل الوراثية للعائل مع الميكروبيوم الكرشي للتحكم في كميات الميثان المنتجة مما يفتح آفاقا جديدة لتطوير برامج تغذية وتربية متكاملة.
الآليات البيولوجية لخفض الميثان
التنظيم الوراثي لإنتاج الميثان
أظهرت دراسة متعددة الوسائط (multi-omics) أجريت على 304 بقرة حلابة أن الاختلافات في انبعاثات الميثان تتأثر بشكل كبير بالعوامل الوراثية للعائل (h² = 0.42) مقارنة بتأثير الميكروبيوم (m² = 0.19) .
هذا يشير إلى أن الوراثة تلعب دورا محوريا في تحديد كمية الميثان التي تنتجها الحيوانات، مما يجعل الانتخاب الوراثي أداة قوية للحد من الانبعاثات.
مسار 6-هيدروكسي ميلاتونين
كشفت الدراسة عن مسار بيولوجي دقيق يبدأ في كبد الحيوان حيث يؤدي خفض التعبير الجيني لجين ITFG2 إلى تنشيط مسار الإشارة mTORC1 الذي يزيد بدوره من تخليق المستقلب 6-هيدروكسي ميلاتونين في الكبد.
ينتقل هذا المستقلب عبر الدم إلى الكرش، حيث يعمل كمنظم رئيسي لزيادة وفرة بكتيريا Prevotella وخاصة النوع Prevotella_bryantii .
آلية خفض الميثان بواسطة Prevotella
تمتلك بكتيريا Prevotella قدرة استثنائية على تخمير الكربوهيدرات المعقدة وإنتاج البروبيونات عبر مسار السكسينات، وهو مسار يستهلك الهيدروجين .
تتميز P. bryantii بامتلاكها إنزيما (هيدروجيناز [NiFe]_Group_1d) يمكنها من التنافس مع العتائق المولدة للميثان على جزيئات الهيدروجين مما يحول مسار الهيدروجين من إنتاج الميثان إلى إنتاج البروبيونات.
وقد أكدت تجارب التخمر المعملي وزراعة البكتيريا النقية هذا التأثير المثبط للميثان.
التأثيرات المترتبة على بيئة الكرش
يؤدي زيادة تركيز 6-هيدروكسي ميلاتونين إلى زيادة وفرة Prevotella مما يعزز فعالية التحلل الميكروبي للألياف وارتفاع إنتاج البروبيونات وهو حمض دهني طيار يستهلك الهيدروجين في مسار تخليقه، مما يقلل توافره للميثانوجينات.
كما يحسن كفاءة التخمر من خلال إعادة توجيه تدفق الهيدروجين نحو مسارات أكثر فائدة للحيوان وينخفض إنتاج الميثان كنتيجة مباشرة لانخفاض توافر الهيدروجين للعتائق، مع الحفاظ على أعدادها النسبية.
انعكاسات النتائج على برامج التغذية وإدارة قطعان المجترات
1. برامج التغذية المدعومة بالبروبيوتيك
تشير الدراسات إلى أن إضافة سلالات معينة من بكتيريا Prevotella كمواد علفية مباشرة (Direct-Fed Microbials) يمكن أن تعزز إنتاج البروبيونات وتخفض الميثان.
يجب أن تركز برامج التغذية على إدخال سلالات Prevotella مثل P. bryantii التي أظهرت فعالية في خفض الميثان معمليا ودمجها مع مركبات حيوية مثل الأحماض الدهنية طويلة السلسلة لتحقيق تأثير تآزري في خفض الميثان دون التأثير سلبا على قابلية هضم العلف.
2. البرمجة الغذائية المبكرة (ELP)
تعد البرمجة الغذائية في مراحل عمرية مبكرة استراتيجية واعدة لتحقيق تأثيرات دائمة وطويلة الأمد في خفض الميثان، حيث تتشكل ميكروبيوم الكرش بشكل أكبر قابلية للتعديل مقارنة بالحيوانات البالغة التي تميل ميكروبيوماتها إلى المقاومة للتغيير.
اهم الاستراتيجيات المقترحة
الإضافة المبكرة لمثبطات الميثان: أظهرت الدراسات أن إضافة مركبات مثل 3-NOP للعجول حتى ثلاثة أسابيع بعد الفطام أدى إلى انخفاض مستدام في إنتاج الميثان لمدة عام حتى بعد التوقف عن الإضافة، حيث أظهرت مجموعة من الحيوانات الصغيرة انخفاضا ملحوظا في الميثان بنسبة 15% مقارنة بالحيوانات التي لم تتلق العلاج خلال مرحلتها اليافعة.
انتقال الميكروبيوم (Transfaunation)
نقل محتوى الكرش من حيوانات منخفضة الانبعاثات إلى عجول صغيرة لتأسيس ميكروبيوم مفيد مبكرا.
3. الإضافات العلفية النباتية والطبيعية
يمكن الاعتماد على مصادر طبيعية غنية بمركبات نشطة بيولوجيا لخفض الميثان مثل المركبات النباتية (الزيوت، التانينات، السابونينات) التي لها تأثيرات مباشرة وغير مباشرة على العتائق المولدة للميثان، كما تخفض أعداد البروتوزوا التي تلعب دورا مهما في نقل الهيدروجين الجزيئي المستخدم في توليد الميثان.
كما أظهرت المركبات النباتية فعالية في تحسين ملف الأحماض الدهنية الطيارة وتقليل إنتاج الميثان.
4. الانتخاب الوراثي للحيوانات منخفضة الانبعاثات
يمكن الاستفادة من المؤشرات الوراثية مثل التعدد الشكلي للنيوكليوتيدات المفردة (SNP) المرتبط بجين ITFG2 (مثل 5:106926534) كعلامة انتخاب لتربية أبقار منخفضة الميثان.
أظهرت الأبقار حاملة الطراز الوراثي TA انخفاضا واضحا في الميثان المقاس والمتوقع.
يمكن دمج هذه العلامات في برامج التربية لتعزيز الصفات الوراثية المرتبطة بانخفاض الانبعاثات.
5. تحسين كفاءة استخدام الأعلاف البديلة
يمكن تقليل البصمة الكربونية الإجمالية من خلال استخدام أعلاف لا تنافس البشر على الغذاء مثل مخلفات المحاصيل والمنتجات الثانوية الزراعية مع الانتباه إلى تقييم كامل دورة الحياة لضمان عدم زيادة الانبعاثات بشكل غير مباشر نتيجة تغير استخدام الأراضي.
نموذج مقترح لبرنامج تغذية منخفض الكربون
بناء على المعطيات العلمية المتاحة يُقترح نموذج متكامل لبرنامج تغذية المجترات يهدف إلى خفض انبعاثات الميثان مع الحفاظ على الإنتاجية:
1. المرحلة المبكرة (العجول حتى الفطام):
· تقديم أعلاف صلبة غنية بالألياف اعتبارا من الأسبوع الثاني من العمر لتحفيز تطور الكرش.
· إضافة سلالات بروبيوتيكية من Prevotella في مياه الشرب أو العلف المركز.
· استخدام نظام فطام تدريجي لمدة 3-4 أسابيع لتقليل الإجهاد.
· إضافة مثبطات الميثان مثل 3-NOP في المراحل المبكرة لتحقيق تأثير دائم.
2. مرحلة النمو والإنتاج:
· استبدال جزء من العلف المركز بمخلفات زراعية غنية بالمركبات النباتية النشطة كمصدر للألياف والبوليفينولات.
· إدراج الإضافات العلفية النباتية التي أثبتت فعاليتها في خفض الميثان.
3. برنامج الانتخاب الوراثي:
· إجراء مسح وراثي للقطيع لتحديد الحيوانات حاملة العلامات الوراثية المنخفضة الميثان (مثل SNP 5:106926534) .
· استخدام الثيران حاملة الطراز المرغوب في برامج التلقيح الاصطناعي لنشر الصفة في الأجيال القادمة.
4. المراقبة والتقييم:
· استخدام أنظمة تقييم انبعاثات الميثان (مثل GreenFeed) لرصد فعالية البرنامج .
· تعديل نسب الإضافات حسب استجابة كل حيوان أو مجموعة.
التأثير المباشر على مجتمع الميثانوجينات وتوافر الهيدروجين
يرتبط إنتاج الميثان في الكرش ارتباطا جوهريا بوجود ونشاط مجموعة العتائق المولدة للميثان (Methanogenic archaea) والتي تستخدم الهيدروجين الجزيئي (H₂) وثاني أكسيد الكربون (CO₂) كركائز أساسية لتوليد الميثان عبر مسار اختزال ثاني أكسيد الكربون (hydrogenotrophic methanogenesis) .
في هذا السياق، تُشير المعطيات التجريبية إلى أن إضافة 6-هيدروكسي ميلاتونين (6-HMEL) لا يقتصر تأثيره على إعادة توجيه تدفق الهيدروجين فحسب بل يمتد ليؤثر بشكل مباشر على تعداد الميثانوجينات نفسها داخل بيئة الكرش.
فقد أظهرت التحاليل الميكروبية انخفاضا واضحا في الأعداد النسبية لهذه العتائق عند مقارنتها بالمجموعة الضابطة (بدون 6-HMEL) مما يشير إلى أن هذا المستقلب يمارس تأثيرا مثبطا على نمو أو بقاء الميثانوجينات في الكرش.
يتكامل هذا التأثير مع الآلية الأساسية المعتمدة على تعزيز بكتيريا Prevotella؛ فمن ناحية يؤدي تنشيط مسار إنتاج البروبيونات (عبر مسار السكسينات) إلى استهلاك كميات كبيرة من الهيدروجين الحيوي مما يحدث نقصا في الركيزة الأساسية اللازمة للميثانوجينات.
وبالتالي يُثبط نشاطها الأيضي حتى في حال بقائها حية. ومن ناحية أخرى يسهم الانخفاض العددي المباشر في أعداد الميثانوجينات في تقليل القدرة الإجمالية للمجتمع الميكروبي على إنتاج الميثان مما يُضاعف الأثر الإيجابي في خفض الانبعاثات، وبذلك يحدث 6-HMEL تأثيرا مزدوجا: تأثير نوعي عبر التنافس على الهيدروجين وتحويله نحو مسار البروبيونات الأكثر فائدة للحيوان وتأثير كمي عبر تقليل حجم الجماعة الميكروبية المنتجة للميثان ذاتها.
تؤدي هذه المعادلة الأيضية الدقيقة إلى خفض ملحوظ في انبعاثات غاز الميثان وبالتالي انخفاض البصمة الكربونية للإنتاج الحيواني مع تحسين كفاءة استهلاك الطاقة في الكرش من خلال تعزيز مسارات التخمر التي تُنتج أحماضاً دهنية طيارة أعلى قيمة غذائية للعائل .
ومما سبق يتضح أن الميثان المنتج في الكرش خلال عمليات الهضم الميكروبي يشكل مصدرا رئيسيا للغازات الدفيئة في قطاع الإنتاج الحيواني إضافة إلى كونه فقداناً كبيراً للطاقة الغذائية.
يستعرض هذا المقال الآليات البيولوجية الحديثة التي تربط بين المستقلب الكبدي 6-هيدروكسي ميلاتونين وبكتيريا Prevotella وبين خفض انبعاثات الميثان استنادا إلى دراسات رائدة نشرت مؤخرا في دورية PNAS ومجلات علمية محكمة أخرى.
كما يناقش المقال انعكاسات هذه الاكتشافات على برامج التغذية، ويقترح نماذج عملية قابلة للتنفيذ لخفض البصمة الكربونية في مزارع المجترات، تشمل التدخلات الغذائية المستهدفة البرمجة الغذائية المبكرة، والاستفادة من التنوع الوراثي في برامج التربية والانتخاب.
وفي النهاية يمكننا القول بأن دمج المعرفة الحديثة حول التنظيم الوراثي للميثان مع استراتيجيات التغذية المبتكرة يمثل نهجا واعدا لتحقيق تخفيضات كبيرة ومستدامة في انبعاثات غازات الدفيئة من قطاع المجترات.
إن استهداف مسار 6-هيدروكسي ميلاتونين وتعزيز بكتيريا Prevotella من خلال التدخلات الغذائية والوراثية المتكاملة يمكن أن يحقق فوائد بيئية واقتصادية مزدوجة مع تحسين كفاءة التحويل الغذائي وتقليل الفاقد الطاقي.
يتطلب نجاح هذه البرامج تبني رؤية شاملة تجمع بين علوم التغذية، الوراثة والميكروبيوم مع مراعاة الظروف المحلية وتوافر الموارد لضمان قابلية التنفيذ والاستدامة على المدى الطويل.
أهم المراجع العلمية:
1. Zhang, C., Liu, Y., et al. (2026). Host genetic regulation of rumen 6-hydroxymelatonin reduces methane emissions in dairy cattle. Proceedings of the National Academy of Sciences, 123(25), e2604454123. https://www.pnas.org/doi/abs/10.1073/pnas.2604454123 2. Cañete Jr., R. N. (2025). Methanogenesis and Its Strategic Mitigation through Dietary Intervention and Rumen Manipulation: a Review. Philippine Journal of Science, 154(1), 109-121. https://doi.org/10.56899/154.01.11 3. Martinez-Fernandez, G., Denman, S. E., Walker, N., Kindermann, M., & McSweeney, C. S. (2024). Programming rumen microbiome development in calves with the anti-methanogenic compound 3-NOP. Animal Microbiome, 6, 60. https://doi.org/10.1186/s42523-024-00343-2
2. Kitade, Y., et al. (2024). Strategies to Mitigate Enteric Methane Emissions from Ruminant Animals. Korean Journal of Agricultural Science.
3. Bature, I., Wu, X., & Ding, X. (2024). The roles of phytogenic feed additives, trees, shrubs, and forages on mitigating ruminant methane emission. Frontiers in Veterinary Science, 11. https://doi.org/10.3389/fvets.2024.
4. Kittelmann, S., et al. (2014). Two Different Bacterial Community Types Are Linked with the Low-Methane Emission Trait in Sheep. PLOS ONE, 9(7), e103171. https://doi.org/10.1371/journal.pone.0103171





