التكلفة الحقيقية لمناجم الفحم على الإنسان والكوكب.. كيف تتجاوز الخسائر قيمة التعويضات بمراحل؟
من الأرض والماشية إلى الدخل والصحة.. التكلفة الحقيقية لمناجم الفحم على المجتمعات
كلما تأخر العالم في التحول بعيدًا عن الوقود الأحفوري، ومنه الفحم، تتراكم تكاليف إضافية مع تسارع تغير المناخ، ولا تقتصر هذه التكلفة على الانبعاثات الناتجة عن حرق الوقود، بل تمتد إلى المجتمعات التي تعيش بالقرب من المناجم وتفقد الأراضي ومصادر الدخل والموارد الطبيعية.
ويشير برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن تغير المناخ تسبب في تكاليف عالمية لا تقل عن 2.8 تريليون دولار بين عامي 2000 و2019، فيما يُعرف باسم «الخسائر والأضرار».
ويشمل مفهوم الخسائر والأضرار الأضرار الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية التي تتعرض لها المجتمعات نتيجة أحداث أو عمليات مدمرة، ومنها بعض الآثار المرتبطة بالتعدين.
وفي سياق تغير المناخ، يشير المصطلح بصورة أكثر تحديدًا إلى الأضرار التي لا يمكن تجنبها أو الحد منها بصورة كافية، والتي يُفترض في بعض الحالات أن تكون محل تعويض.
وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن تكاليف الخسائر والأضرار في البلدان النامية وحدها قد تصل إلى 290–580 مليار دولار سنويًا بحلول عام 2030.
من يدفع تكلفة تعدين الفحم؟

يركز بحث مستمر على كيفية تأثير افتتاح مناجم الفحم الجديدة في استمرار اعتماد الاقتصاد العالمي على الوقود الأحفوري، مع دراسة كيفية حساب الخسائر والأضرار التي تتحملها المجتمعات المتضررة من التعدين، ومن يتحمل تكلفتها فعليًا.
وتستخدم كثير من حسابات التعويضات في قطاع التعدين نموذجًا يقوم على سعر الاستبدال في السوق.
وبموجب هذا الأسلوب، يحصل مالك الأرض أو الماشية أو المحاصيل المتضررة، في أفضل الحالات، على القيمة السوقية المحلية للشيء الذي فُقد وقت وقوع الخسارة.
كما تستخدم بعض النماذج الاقتصادية مقاربات الدخل والإنتاج، التي تضيف التغيرات في تدفقات الدخل المستقبلية أو وظائف الإنتاج بهدف تقدير الآثار الاقتصادية الإجمالية.
لكن الباحثين يقترحون منهجية أكثر شمولًا، تنظر إلى الأصول التي يعتمد عليها الناس في كسب دخلهم باعتبارها مصدرًا مستمرًا للدخل، وليس مجرد أشياء يمكن استبدالها بسعر السوق في لحظة معينة.
التكلفة تبدأ مع إنشاء المنجم ولا تنتهي بإغلاقه

يمر كل أصل من أصول الوقود الأحفوري بدورة حياة تبدأ بالإنشاء، ثم التشغيل، وتنتهي بالتفكيك والإغلاق.
وخلال هذه المراحل يمكن أن تتولد خسائر وأضرار على المجتمعات والبيئة، قبل إضافة الآثار الأوسع الناتجة عن مساهمة الوقود الأحفوري في تغير المناخ.
وتُحسب بعض هذه الآثار المناخية باستخدام ما يعرف بـالتكلفة الاجتماعية لانبعاثات الكربون، وهي تقدير للأضرار الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بإضافة كميات من ثاني أكسيد الكربون إلى الغلاف الجوي.
ويرى الباحثون أن تحميل مالكي مناجم الفحم التكلفة الكاملة للخسائر والأضرار الناتجة عن دورة حياة المنجم، بما في ذلك الإنشاء والتشغيل والإغلاق، يمكن أن يغير بصورة كبيرة حسابات الجدوى الاقتصادية لهذه المشروعات مقارنة بمصادر الطاقة المتجددة.
نموذج من جنوب أفريقيا يكشف الفجوة
اختبر الباحثون منهجية جديدة لحساب الخسائر في مجتمع يعيش بالقرب من منجم فحم سطحي في سومخيلي (Somkhele) بإقليم كوازولو ناتال شمالي جنوب أفريقيا، ويعمل المنجم منذ عام 2007.
واعتمدت الدراسة على مسوح أجرتها منظمة All Rise عام 2018، وهي منظمة للمحامين تعمل دون مقابل لتمثيل المجتمع المحلي، وشملت تقدير الخسائر التي تكبدتها الأسر بين عامي 2007 و2018.
وبناءً على هذه البيانات، قدر الباحثون أن الأسر المتضررة فقدت أكثر من 80 مليون راند جنوب أفريقي، أي نحو 3.7 مليون جنيه إسترليني، في الأراضي والمحاصيل والماشية.
لكن 22% فقط من أصل 115 أسرة متضررة شملتها المقابلات قالت إنها تلقت أي تعويض على الإطلاق.
وبلغ إجمالي التعويضات التي أبلغت عنها الأسر نحو 3.6 مليون راند، أي ما يعادل نحو 4.7% فقط من قيمة الخسائر التي جرى احتسابها.
لماذا تتسع فجوة التعويضات؟
يرتبط جزء كبير من الفجوة بين ما تدفعه شركات التعدين وما تعتبره الأسر تعويضًا عادلًا باختلاف طريقة تقييم الخسائر.
فعندما تقدر شركة تعدين التعويضات، قد تنظر إلى القيمة السوقية لما دُمّر بصورة مباشرة من أجل فتح المنجم في وقت معين: منزل أزيل، أو قطعة أرض استولت عليها عمليات التعدين، أو حيوان فقده صاحبه.
لكن هذا الحساب لا يشمل بالضرورة الخسائر المستقبلية في الدخل أو بعض التكاليف الصحية والإنسانية المرتبطة بالتلوث.
أما المنهجية التي استخدمها الباحثون فتتعامل مع الأسر باعتبارها وحدات اقتصادية مستمرة، تمتلك أصولًا تستخدمها لإنتاج الدخل على مدى سنوات.
فالبقرة، على سبيل المثال، ليست مجرد حيوان يمكن تعويض صاحبه بسعر شرائها الحالي؛ إذ يمكن أن تنتج عجولًا وحليبًا ودخلًا من البيع على مدى سنوات طويلة.
وبالتالي فإن فقدان عدد من الماشية لا يعني فقط فقدان قيمتها الحالية، بل فقدان سلسلة من الإيرادات المستقبلية المرتبطة بها.
75% من الأراضي اختفت من حيازة الأسر
تكشف الأرقام التي توصل إليها الباحثون عن حجم التحول الذي أصاب الأسر التي شملتها الدراسة.
فقد كانت الأسر تمتلك قبل بدء التعدين نحو 270 هكتارًا من الأراضي، أي ما يعادل 667 فدانًا تقريبًا.
وبعد بدء عمليات التعدين، انخفضت المساحة المتبقية إلى 68 هكتارًا فقط، أي تراجع بنحو 75%، وقدرت قيمة هذه الخسارة بنحو 60.6 مليون راند.
كما انهارت إنتاجية المحاصيل بمتوسط 94%، بينما تراجع إنتاج الذرة، وهي المحصول الأساسي في المنطقة، بنحو 97%.
وتراجعت أعداد الماشية، التي تشمل الأبقار والماعز والخنازير والأغنام والدجاج، من 7574 حيوانًا إلى 2643 حيوانًا.
كما فُقد أكثر من 200 منزل ومبنى دائري تقليدي مسقوف بالقش، واضطر السكان إلى شراء المياه بعدما كانت متاحة لهم مجانًا.
وبلغت قيمة الأصول والدخل الذي فُقد منذ افتتاح المنجم عام 2007 وحتى إجراء المسوح الأصلية في 2018 نحو 80 مليون راند.
الخسائر قد تصل إلى 157 مليون راند بحلول 2038
لم يقتصر الحساب على الخسائر التي وقعت بالفعل حتى عام 2018، فقد استخدم الباحثون نموذجًا لتوقع نمو قطعان الماشية، يعتمد على عوامل مثل الخصوبة ومعدلات النفوق ونفوق صغار الماشية ومعدلات إخراج الحيوانات من القطيع، سواء من خلال البيع أو الذبح أو الهبات أو النقل.
كما أضافوا تقديرات للدخل الذي كان يمكن أن تحققه الأسر من زراعة الذرة حتى عام 2028، باستخدام أسعار السوق والتوقعات المتاحة.
وبعد عام 2028، اعتبر الباحثون أن التنبؤ بأسعار الذرة يصبح أقل موثوقية، ولذلك لم يمدوا هذه التقديرات إلى ما بعد ذلك التاريخ.
وبناءً على هذه الحسابات، قد تصل قيمة الدخل المفقود إلى 157 مليون راند بحلول عام 2038.
وبالمقارنة مع هذا الرقم، لا تمثل المدفوعات التي قدمها المنجم سوى نحو 2.3% من إجمالي الخسائر والأضرار المقدرة وفق هذا النموذج.
بعض الخسائر لا يمكن اختزالها في المال
حتى هذا النموذج الأكثر شمولًا لا يستطيع قياس جميع الخسائر، ويؤكد الباحثون أن تقييم القيمة ليس عملية محايدة بالكامل، لأن بعض الأضرار لا يمكن تحويلها بسهولة إلى رقم مالي.
ومن أمثلة ذلك نقل قبور الأجداد، وفقدان 15 نوعًا من النباتات المحلية التي كان السكان يستخدمونها للغذاء والطب، إضافة إلى الأضرار الصحية والصدمات النفسية التي تعرض لها السكان، وهذه الخسائر المستمرة لا يمكن ببساطة وضع سعر محدد لها.
لذلك فإن تقدير 157 مليون راند لا يمثل بالضرورة القيمة الكاملة لكل ما فقدته المجتمعات، وإنما يمثل محاولة لحساب جزء من الخسائر الاقتصادية المرتبطة بالأصول والدخل المستقبلي.
لماذا تختلف تكلفة الفحم عن سعره؟
تكشف دراسة سومخيلي مشكلة أوسع في تقييم مشروعات الوقود الأحفوري، فعندما ينظر المستثمر إلى تكلفة إنشاء منجم الفحم وتشغيله، قد تظهر بعض التكاليف بصورة مباشرة في الحسابات، مثل شراء المعدات والأراضي والعمالة والطاقة والنقل.
لكن بعض التكاليف الأخرى قد تقع خارج ميزانية المشروع، وتتحملها الأسر والمجتمعات والأنظمة الصحية والبيئية، ثم المجتمع الأوسع لاحقًا.
وتشمل هذه التكاليف فقدان مصادر الدخل، وتدهور الأراضي والمياه، والآثار الصحية للتلوث، إضافة إلى الانبعاثات التي تسهم في تغير المناخ.
وهذا يعني أن السعر الاقتصادي الظاهر للفحم قد لا يعكس بالضرورة جميع التكاليف التي تنشأ خلال دورة حياته.
نحو حساب أكثر عدالة للخسائر
يرى الباحثون، أن المنهجية الجديدة يمكن أن تساعد المجتمعات والحكومات على تقديم مطالبات أكثر دقة بشأن الخسائر والأضرار المستقبلية المرتبطة بالتعدين.
وتقوم الفكرة الأساسية على النظر إلى الأرض والماشية والمحاصيل وغيرها من الموارد باعتبارها أصولًا توفر سبل العيش والدخل مستقبلًا، وليس مجرد ممتلكات لها سعر استبدال لحظي.
وفي حالة سومخيلي، أظهر هذا النهج فارقًا كبيرًا بين قيمة ما فقدته الأسر وبين ما حصلت عليه من تعويضات.
كما يسلط الضوء على أن تكلفة مناجم الفحم لا تتوقف عند لحظة اقتلاع الأرض أو إزالة منزل أو فقدان حيوان، بل يمكن أن تمتد لعقود من خلال الدخل المفقود والآثار الاجتماعية والبيئية والصحية، فضلًا عن التكاليف الأوسع المرتبطة بتغير المناخ.





