أهم الموضوعاتأخبارتغير المناخ

سواحل العالم في مرمى المناخ.. يهدد عصب الاقتصاد الساحلي.. والحل في خرائط المخاطر

من الإعصار إلى الميناء.. كيف تنقذ تقييمات المخاطر البنية التحتية من الانهيار؟

توجد على السواحل أكثر تجمعات البنية التحتية الحيوية كثافةً في العالم، ما يجعل هذه المناطق في الخطوط الأمامية لتأثيرات تغيّر المناخ.
فتعطّل شبكات النقل، واضطراب سلاسل الإمداد، وتزايد مخاطر الفيضانات، كلها تهديدات باتت ملموسة.
ولمواجهة ذلك، لا بد من امتلاك صورة أوضح وأكثر دقة لنقاط الضعف، تتيح استباق التداعيات قبل وقوعها، غير أن نقص البيانات، وتباين المنهجيات، وغياب إطار موحد لتقييم المخاطر، لا يزال يعرقل فهم الحجم الحقيقي للخطر.

في أواخر أكتوبر، اجتاح إعصار «ميليسا» منطقة البحر الكاريبي، وهو نوع من العواصف تضاعف احتمال حدوثه أربع مرات بفعل تغيّر المناخ، بحسب أبحاث معهد «جرانثام» في كلية إمبريال بلندن.
وأسفر الإعصار عن أكثر من 40 حالة وفاة، وخسائر أولية قُدّرت بنحو 50 مليار دولار، كاشفًا بوضوح هشاشة المناطق الساحلية أمام الكوارث المناخية.

40% من سكان العالم يعيشون على السواحل

وتستضيف السواحل نسبة غير متناسبة من كبريات مدن العالم، ومناطقه الصناعية، وموانئه، ومرافقه الحيوية.
إذ يعيش نحو 40% من سكان العالم على بُعد أقل من 100 كيلومتر من السواحل، بينما يقيم 11% منهم في مناطق ساحلية منخفضة لا يتجاوز ارتفاعها 10 أمتار فوق مستوى سطح البحر.
ويعود هذا التركز إلى مزايا التجارة البحرية، وتوافر الموارد الطبيعية، مثل المياه والثروات السمكية، فضلًا عن الجاذبية الاقتصادية للسياحة.
ومع ارتفاع منسوب البحار واشتداد العواصف، تصبح هذه الأصول الساحلية في مرمى التغيّر المناخي المباشر. ومن هنا، تبرز أهمية قياس هشاشة الأصول لتوقّع الآثار الاقتصادية والبيئية والاجتماعية، والأهم من ذلك، منع تعطّلها.

متوسط ​​شدة الطاقة المحتملة في المناطق
متوسط ​​شدة الطاقة المحتملة في المناطق

التكلفة المتصاعدة للكوارث المناخية

يدفع تغيّر المناخ بمستويات البحار إلى الارتفاع، ويُسرّع من وتيرة تآكل السواحل، ما يزيد هشاشة الشواطئ.
ونتيجة لذلك، تتزايد شدّة العواصف والأعاصير والفيضانات الساحلية وتكرارها.
وتتحمّل البنية التحتية الساحلية، وهي الأكثر تعرضًا، الخسائر البشرية والاقتصادية الأكبر.
في عام 2005، غمر إعصار «كاترينا» نحو 80% من مدينة نيو أورلينز، متسببًا في وفاة أكثر من 1800 شخص، وخسائر تجاوزت 125 مليار دولار.
كما دمّر مئات منصات النفط والغاز وأكثر من 500 خط أنابيب.
وبعد 14 عامًا، ضرب إعصار «إيداي» موزمبيق، موديًا بحياة 1200 شخص، ومخلّفًا خسائر بنحو 2 مليار دولار، وشللًا كاملًا لميناء بيرا.
وفي عام 2021، أدت فيضانات كارثية في ألمانيا وبلجيكا وهولندا إلى غمر مدن وحقول، وقطع طرق، وتدمير سكك حديدية، وتعطيل شبكات المياه، وتوقّف النقل لأسابيع.
ولا تقتصر آثار هذه الكوارث على الدمار المباشر، بل تمتد إلى تعطّل الخدمات الأساسية، وتقليص فترات إعادة الإعمار بسبب تسارع تكرار الأحداث المتطرفة.
والأخطر من ذلك هو التأثير المتسلسل عبر القطاعات المرتبطة ببعضها، حيث يمكن لعطل موضعي واحد أن يتحول إلى أزمة واسعة النطاق. وتشير التقديرات إلى أن خسائر الفيضانات الساحلية قد تتضاعف حتى 150 مرة بحلول عام 2080 إذا لم تُتخذ إجراءات حاسمة.

سرعة الرياح عند وصولها إلى اليابسة في جامايكا مقابل فترة العودة
سرعة الرياح عند وصولها إلى اليابسة في جامايكا مقابل فترة العودة

نحو لغة موحدة لتقييم المخاطر

يمثل تقدير نقاط الفشل المحتملة في البنية التحتية الساحلية تحديًا كبيرًا، في ظل فجوات البيانات، وتباين المنهجيات، واختلاف معايير التقييم، وغياب إطار موحد، وهو ما يعيق اتخاذ القرار الرشيد ويؤخر الاستثمارات المستهدفة.
أحد الحلول المقترحة هو تقييم المخاطر وفق معيار «الأهمية المالية»، أي قياس الخسائر المباشرة، وتكاليف الإصلاح، وانقطاعات النشاط الاقتصادي.
وتعتمد وكالة «التصنيفات المناخية العلمية» هذا النهج على نطاق واسع، بالتعاون مع معهد «إيديك» للمناخ، لتقديم إطار علمي مرجعي لتقييم انكشاف الأصول للمخاطر المناخية.
ويرتكز هذا الإطار على نظام «تصنيف التعرّض المناخي»، الذي يمنح الأصول درجات من A (أقل خطر) إلى G (أعلى خطر).
وتُظهر النتائج أن الأصول الساحلية تتركّز بدرجة أكبر في فئات المخاطر المرتفعة، مقارنة بالأصول الواقعة في المناطق الداخلية، ما يؤكد الحاجة إلى استراتيجيات خاصة لإدارة المخاطر الساحلية.

معدل هطول الأمطار على جدار العين (أقصى متوسط ​​سمتي) عند وصول الإعصار إلى اليابسة في جامايكا
معدل هطول الأمطار على جدار العين (أقصى متوسط ​​سمتي) عند وصول الإعصار إلى اليابسة في جامايكا

من تقييم المخاطر إلى قرارات استثمارية واعية

يعتمد منهج معهد «إيديك» على الربط بين احتمال وقوع الخطر وشدته المتوقعة، ثم استخدام دوال الضرر لربط السيناريوهات المناخية بالخسائر المحتملة، وفق نوع الأصل وموقعه.
فعلى سبيل المثال، قد يؤدي فيضان يُتوقّع حدوثه مرة كل 100 عام إلى ارتفاع منسوب المياه مترين، وهو ما قد يُفقد أكثر من 50% من قيمة العقار السكني في بعض المناطق الأوروبية.
كما يشمل التقييم «مخاطر التحول»، مثل القوانين الجديدة، وتسعير الكربون، والتحولات التكنولوجية.
فقد يتحول ميناء غاز إلى أصل معزول غير قابل للتشغيل مستقبلًا، بينما تعزز إجراءات التكيّف الاستباقية من قيمة الأصول وتزيد من قدرتها على الصمود.

مطار بريزبن.. نموذج للتكيّف الناجح

تشير تجربة مطار بريزبن، الواقع بين نهر والمحيط، إلى إمكانية تحقيق حماية فعّالة.
فبعد إنشاء حواجز للفيضانات ورفع مستوى المدارج، نجح المطار في تقليص مخاطر الفيضانات التي تحدث مرة كل 100 عام بنسبة 80%، ما سمح له بالارتقاء درجتين كاملتين في التصنيف المناخي، وزاد من جاذبيته الاستثمارية.
ويؤكد هذا النموذج أن الاستثمار في مرونة البنية التحتية الساحلية ليس رفاهية، بل خيار اقتصادي ذكي، شرط الاعتماد على تقييمات مخاطر دقيقة وشفافة.
وفي ظل تصاعد التحديات، تقف البنية التحتية الساحلية عند مفترق طرق حاسم. فحمايتها تستلزم دمج التوقعات المناخية مع الحسابات الاقتصادية، لتمكين صُنّاع القرار من توجيه الاستثمارات نحو الحلول الأكثر جدوى. إن جعل المخاطر مرئية هو الخطوة الأولى نحو احتوائها.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading