أخبارالتنمية المستدامةالزراعة

السارجاسوم بين فائض خانق على الشواطئ ونقص يهدد الحياة البحرية

مفارقة بيئية: السارجاسوم يغزو السواحل ويختفي من أهم موائله الطبيعية

تشهد السواحل في منطقة الكاريبي وخليج المكسيك منذ سنوات وصول كميات هائلة من السارجاسوم، حيث تمتد تجمعات الطحالب لمسافات طويلة، وتتكدس على الشواطئ، وتتحلل تحت أشعة الشمس مسببة روائح نفاذة، وتكبد المدن الساحلية تكلفة كبيرة لإزالتها.

ورغم هذا التدفق المستمر الذي يشبه قوة غازية، تكشف أحدث الدراسات عن مفاجأة غير متوقعة: فبينما تتسع ظاهرة السارجاسوم عند الشواطئ، فإن هذا النبات البحري يتراجع في واحد من أهم الموائل الطبيعية في المحيط الأطلسي.

فقد كشفت دراسة حديثة عن انخفاض حاد في كمية السارجاسوم الصحي في شمال بحر سارجاسو مقارنة بما كان عليه قبل نحو عقد من الزمن، ما أثار قلق الباحثين، إذ تمثل هذه الغابات الطافية بيئة حيوية لعدد كبير من الكائنات البحرية، من السلاحف الصغيرة والأسماك اليافعة إلى السرطانات والطيور البحرية.

وعندما يضعف هذا الموطن، تتأثر السلسلة الغذائية بأكملها.

وأجرى الدراسة باحثون في كلية علوم البحار التابعة لجامعة جنوب فلوريدا، إلى جانب شركاء من مؤسسات بحثية أخرى. وأظهرت النتائج أن التراجع بدأ تقريبًا في عام 2015، كما انخفضت الكميات القادمة من خليج المكسيك، التي كانت عادة تغذي بحر سارجاسو سنويًا.

وقال تشوانمين هو، أستاذ علم المحيطات والمشرف الرئيس على الدراسة، إن المحيط الأطلسي يشهد “نمطين متعاكسين؛ فبينما يزداد السارجاسوم بكثافة كبيرة في المناطق المدارية، يتراجع في بحر سارجاسو بصورة مقلقة”.

وتشبه هذه التجمعات البحرية الغابات الأرضية في قدرتها على توفير ملاذ واسع للكائنات، لكن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تصل إلى الشواطئ وتتحلل مطلقة غازات تؤثر على الحياة الساحلية، وتشكل عبئًا على المدن السياحية.

قصة السارجاسوم تتجاوز مشاهد الشواطئ المتكدسة والجهود المكلفة لإزالة الطحالب
قصة السارجاسوم تتجاوز مشاهد الشواطئ المتكدسة والجهود المكلفة لإزالة الطحالب

“الحزام الأطلسي العظيم للسارجاسوم”

اعتمد فريق هو في أبحاثه على مراقبة السارجاسوم عبر الأقمار الصناعية منذ عام 2006، وساهم في تحديد “الحزام الأطلسي العظيم للسارجاسوم” عام 2019.

ولأغراض الدراسة الحالية، اعتمد الباحثون على صور الأقمار الصناعية التابعة لوكالة ناسا، إلى جانب عينات ميدانية من مؤسستين بحثيتين، أتاحت فهمًا أعمق للأنواع المختلفة من السارجاسوم، وقدرتها على تحمل التغيرات الموسمية ودرجات الحرارة.

وأوضحت النتائج أن خليج المكسيك يشهد عادة زهرة نمو كبيرة في الربيع تتحرك شمالًا وتبلغ ذروتها في بحر سارجاسو خلال أواخر الخريف أو بدايات الشتاء.

وعندما ينتج الخليج كميات أقل من السارجاسوم الصحي، ينعكس ذلك مباشرة على بحر سارجاسو.

ووصفت الباحثة يينغجون تشانج، من معهد سكريبس لعلوم المحيطات، ما يحدث بأنه “مؤشر مبكر على تحول واسع في توزيع السارجاسوم عبر حوض الأطلسي”، الأمر الذي يهدد النظم البيئية المعتمدة على هذه الطحالب العائمة.

كما أدى هذا التحول إلى تغير موسمي ملحوظ، إذ حلت ذروة الصيف في شمال بحر سارجاسو محل قمم الخريف والشتاء التقليدية.

وأشارت الدراسة إلى أن درجة الحرارة قد تكون العامل الأكثر تأثيرًا، إذ ارتفعت حرارة مياه الخليج بنحو 0.34 درجة فهرنهايت لكل عقد بين 1970 و2020، بينما يفضل السارجاسوم درجات تتراوح بين 68 و82 فهرنهايت، فيما تجاوزت حرارة المياه في السنوات الأخيرة 86 فهرنهايت، ما يسبب إجهادًا للنبات ويضعف مقاومته للرحلات الطويلة نحو الشمال.

قصة السارجاسوم تتجاوز مشاهد الشواطئ المتكدسة والجهود المكلفة لإزالة الطحالب

“الحزام الأطلسي العظيم”

وترجح البيانات كذلك أن السارجاسوم القادم من “الحزام الأطلسي العظيم” قد ينافس النباتات القادمة من الخليج على المغذيات، ما يضيف ضغطًا إضافيًا. ورغم ضخامة هذا الحزام الذي يمتد نحو خمسة آلاف ميل، إلا أنه لا يعوض النقص في بحر سارجاسو، وربما لا يتكيف بسهولة مع برودة المياه في الشمال.

وقالت ديب جودوين، كبيرة العلماء في جمعية التعليم البحري، إن القصة “معقدة وصعبة التفسير؛ نظرًا لاتساع المنطقة وتشعب العوامل البيئية المؤثرة، واختلاف استجابة كل نوع من أنواع السارجاسوم لظروف المحيط”.

وتحذر الدراسة من أن التراجع المستمر قد يهدد التنوع الحيوي في المنطقة، إذ تعتمد كائنات عديدة على هذه الغابات الطافية التي توفر غذاءً وغطاءً ومساحات آمنة للنمو. ويبحث الفريق العلمي حاليًا في تأثير المنافسة بين تجمعات السارجاسوم المختلفة، وما إذا كانت الأنماط المتغيرة للإنتاج قد تسهم في تراجع إضافي.

وتخلص الدراسة إلى أن قصة السارجاسوم تتجاوز مشاهد الشواطئ المتكدسة والجهود المكلفة لإزالة الطحالب، فهي تعبر المحيط بأكمله وتشكل جزءًا جوهريًا من حياة ملايين الكائنات البحرية. وقد نُشرت الدراسة كاملة في دورية “نيتشر جيوساينس”.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading