أخبارالتنوع البيولوجيالزراعة

الحرارة وحدها تُجهد النباتات حتى مع توافر المياه.. والعلماء يرصدون الدليل

بصمة خفية في السكريات تكشف معاناة النباتات من تغير المناخ

كشفت دراسة حديثة، أن النباتات التي تتعرض لدرجات حرارة مرتفعة تُظهر علامات إجهاد واضحة على المستوى الكيميائي، حتى عندما تتوافر لها المياه بشكل كافٍ، ما يغيّر الفهم التقليدي لتأثير موجات الحر على الأشجار والمحاصيل.

وأوضح الباحثون، أن النباتات تترك “بصمة كيميائية” مميزة داخل السكريات الموجودة في أوراقها عند تعرضها للحرارة الشديدة، وهو ما قد يساعد العلماء مستقبلًا على تتبع آثار الإجهاد الحراري عبر حلقات الأشجار ودراسة تأثير تغير المناخ على الغابات والمحاصيل الزراعية.

الحرارة وحدها قد تضر النباتات

نمو النباتات
النباتات

ونُشرت الدراسة في دورية npj Science of Plants العلمية، طالما اعتقد العلماء أن موجات الحر تصبح خطيرة على الأشجار والنباتات أساسًا عندما تترافق مع الجفاف ونقص المياه، وأن النباتات تستطيع تحمل الحرارة نسبيًا إذا ظلت التربة رطبة.

لكن فريقًا من المعهد الفيدرالي السويسري لأبحاث الغابات والثلوج والمناظر الطبيعية، قرر اختبار تأثير الحرارة وحدها بمعزل عن الجفاف.

واختار الباحثون، سبعة أنواع نباتية جرى تزويدها بالمياه باستمرار، ثم رفعوا درجات الحرارة تدريجيًا من 10 درجات مئوية إلى 40 درجة مئوية، مع الحفاظ على مستوى الرطوبة ثابتًا.

ورغم بقاء النباتات حية، كشفت التحاليل الكيميائية عن تغيرات داخلية تشير إلى تعرضها لإجهاد أيضي واضح.

تغيّرات داخل السكريات

بعد خمسة أيام من تعريض النباتات لكل مستوى حراري، أخذ الباحثون عينات من الأوراق وراقبوا عمليات البناء الضوئي والتنفس.

وأظهرت النتائج أن نباتات “C3”، وهي الفئة التي تضم معظم الأشجار ومحاصيل مثل القمح والأرز والشعير، بدأت تواجه مشكلات واضحة عند تجاوز الحرارة 30 درجة مئوية.

فقد انخفضت كفاءة البناء الضوئي، بينما ارتفعت معدلات التنفس، وهي العملية التي تحرق فيها النباتات السكريات لإنتاج الطاقة اللازمة للبقاء.

كما بدأت الآليات الخلوية المسؤولة عن تحويل ضوء الشمس إلى طاقة بالتدهور في معظم النباتات التي خضعت للتجربة.

استنزاف مخزون الطاقة

في درجات الحرارة المعتدلة، خزنت الأوراق نحو 14% من وزنها الجاف على هيئة كربوهيدرات، كان أكثر من نصفها في صورة نشا، وهو بمثابة مخزون الطاقة للنبات.

لكن عند ارتفاع الحرارة، انخفض هذا المخزون إلى أقل من 8%، وتراجع نصيب النشا بشكل كبير بعدما تحلل إلى سكريات بسيطة تستخدمها النباتات بسرعة لتلبية احتياجاتها المتزايدة من الطاقة تحت الضغط الحراري.

وأشار الباحثون إلى أن النباتات بدت وكأنها “تحرق وقودها الداخلي” بوتيرة أعلى من المعتاد لمواجهة الحرارة.

بصمة نظائر كيميائية

ركزت الدراسة على نسب النظائر الثقيلة والخفيفة للهيدروجين والأكسجين داخل السكريات النباتية.

وفي الظروف الطبيعية، تبقى هذه النسب مستقرة نسبيًا، لكن الحرارة المرتفعة غيّرت هذا التوازن بشكل واضح.

فمع تجاوز الحرارة 30 درجة مئوية، أصبحت السكريات غنية بالهيدروجين الثقيل وفقيرة بالأكسجين الثقيل، وهو ما اعتبره الباحثون بصمة كيميائية مباشرة للإجهاد الحراري.

ويرجح العلماء، أن النباتات أثناء التنفس السريع تستهلك السكريات الأخف أولًا، ما يترك الأنواع الأثقل متراكمة داخل الأوراق.

نباتات أكثر مقاومة

من بين الأنواع السبعة، برز نبات السورغم، وهو من نباتات “C4”، باعتباره الأكثر قدرة على تحمل الحرارة.

وتختلف نباتات “C4” عن “C3” في طريقة البناء الضوئي، ما يجعلها أكثر مقاومة للحرارة المرتفعة.

وتشمل هذه الفئة محاصيل مثل الذرة وقصب السكر وبعض الحشائش المدارية.

وأظهرت النتائج، أن السورجم حافظ على استقرار عملية البناء الضوئي حتى عند درجات حرارة تجاوزت 35 درجة مئوية، كما لم تتغير بصمته الكيميائية بشكل ملحوظ.

ما الذي تخبرنا به حلقات الأشجار؟

حلقات الأشجار

أوضح الباحثون، أن السكريات التي تنتجها الأوراق تتحول لاحقًا إلى خشب، ما يعني أن حلقات الأشجار السنوية قد تحتفظ بسجل كيميائي طويل الأمد للإجهاد الحراري الذي تعرضت له النباتات.

وكانت أبحاث سابقة، قد أشارت إلى أن نسب الهيدروجين داخل حلقات الأشجار ترتفع عندما تتعرض الأشجار لضغوط بيئية، لكن الدراسة الجديدة توضح للمرة الأولى الآلية الكيميائية المحتملة وراء هذه الظاهرة.

ويرى العلماء، أن هذه النتائج قد تمنح الباحثين أداة جديدة لتحليل تأثير موجات الحر القديمة وإعادة قراءة التاريخ المناخي للأشجار والغابات بدقة أكبر.

أداة جديدة لفهم تغير المناخ

قدرة النباتات على التكيف مع تغير المناخ
تغير المناخ

لطالما استخدم العلماء كيمياء حلقات الأشجار لإعادة بناء بيانات درجات الحرارة والأمطار في الماضي.

لكن الدراسة الحالية تشير إلى أن الحرارة المرتفعة تغيّر العمليات الكيميائية داخل النبات أكثر مما كان يُعتقد سابقًا، خاصة بعد تجاوز 30 درجة مئوية.

ويرى الباحثون أن البصمة الكيميائية المكتشفة قد تساعد مستقبلًا في تحديد الأشجار والمحاصيل التي تعاني من اختلال في توازن الطاقة بسبب الحرارة، حتى قبل ظهور علامات الذبول أو التلف الخارجي.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة