كيف أثرت فترات الجفاف والتقلب المناخي على تطور الحضارات المبكرة في الشرق الأوسط
دراسة تكشف كيف شكل المناخ نشوء المجتمعات الأولى في الهلال الخصيب
صواعد قديمة تكشف سر البقاء والمرونة لدى المجتمعات الأولى في الهلال الخصيب
الهلال الخصيب، المنطقة المنحنية الشكل التي تمتد عبر دول الشرق الأوسط الحديثة، يُعتبر مهد الحضارة حيث نشأت الزراعة لأول مرة.
لكن قليلًا ما يُعرف عن تأثير تغير المناخ على المجتمعات المبكرة في هذا الجزء من العالم.
الآن، تُلقي دراسة جديدة الضوء على كيفية بدء الزراعة والحضارة من خلال تحليل صاعدة كهفية في كهف بمنطقة كردستان.
تتكون الصواعد من تراكمات بطيئة على أرضيات الكهوف على مدى آلاف السنين، حيث تتسرب مياه الأمطار عبر التربة والصخور الكلسية، لتترسب طبقات من الكالسيت.
وتحوي هذه الطبقات آثارًا كيميائية تعكس درجات الحرارة وهطول الأمطار في الماضي.

نهاية العصر الجليدي الأخير
فحصت الدراسة الفترة الفاصلة بين 18,000 و7,500 سنة مضت، التي شملت نهاية العصر الجليدي الأخير والانتقال إلى دفء العصر الهولوسيني الحديث.
تتزامن هذه الفترة مع التحول من الصيد والتنقل إلى الزراعة المستقرة، ما أدى إلى نشوء القرى ومن ثم المدن، وأظهرت تقنيات التأريخ باليوريوم-الثوريوم أن الصاعدة تشكلت بشكل مستمر خلال هذه الحقبة، موفرة سجلًا كاملاً للمناخ المحلي.

اليوميات المناخية
للوصول إلى هذا السجل، حلل الفريق التركيب الكيميائي للطبقات، مع التركيز على نظائر الأكسجين والكربون والعناصر النزرة مثل المغنيسيوم والباريوم.
تشير نظائر الأكسجين-18 بشكل رئيسي إلى هطول الأمطار، حيث تعكس القيم المنخفضة فترات أكثر رطوبة، أما نظائر الكربون فتعكس صحة الغطاء النباتي والتربة، إذ تعزز الظروف الدافئة والرطبة نمو النباتات.
تُستخدم العناصر النزرة بشكل رئيسي للكشف عن فترات الجفاف الشديد والأيام التي حملت فيها الرياح الغبار إلى المنطقة، ومن خلال دمج هذه البيانات، بنى العلماء صورة للبيئة القديمة في شرق الهلال الخصيب.

بيئة صعبة
كشفت التحليلات أن أنماط هطول الأمطار المحلية كانت متماشية مع تغييرات درجات الحرارة العالمية المسجلة في نوى الجليد في جرينلاند.
وأظهرت الصاعدة أن فترة يانجر دراياس، المعروفة عالميًا، ضربت منطقة كردستان مسببة جفافًا شديدًا وعواصف غبارية وانخفاض الغطاء النباتي.
يفسر ذلك لماذا تطورت المجتمعات في الشرق بشكل مختلف عن المجتمعات الغربية التي استقرت قبل الجفاف.
كانت الظروف المناخية المتقلبة والقاسية في شرق الهلال الخصيب تجعل الاعتماد على إمدادات غذائية منتظمة أمرًا صعبًا، ما دفع الناس للبقاء صيادين-جامعين متنقلين لفترة أطول، ومع ذلك، ربما أعدت هذه الفترة الصعبة المجتمع لاحقًا.
وأشار الباحثون: “لقد ساعدت التقلبات المناخية القوية خلال فترة بولينج-أليرود، إلى جانب التنوع البيئي الجوهري لنظام الزاجروس، على تراكم خبرة واسعة ودقيقة حول كيفية التكيف مع التغيرات في توزيع الموارد وتوافرها على المستوى الصغير.”
بمعنى آخر، إن الحاجة المستمرة للتكيف مع بيئة غير مستقرة جعلت هذه المجتمعات الشرقية مرنة للغاية وقدرتها على العثور على الغذاء والموارد حتى في ظل تغير الظروف بسرعة.





