ملفات خاصةأخبارالتنمية المستدامةالتنوع البيولوجي

الأغنام والخيول قد تساعد المراعي على تخزين المزيد من الكربون تحت الأرض

عكس المتوقع.. المراعي التي ترعى فيها الأغنام والخيول تخزن كربونًا أكثر

لطالما اعتُبرت إزالة الماشية من المراعي وسيلة بسيطة ومنخفضة التكلفة لتعزيز تخزين الكربون في التربة، لكن دراسة جديدة من آيسلندا تقدم نتيجة مختلفة؛ إذ وجد باحثون أن المراعي التي استمر فيها رعي الأغنام والخيول احتوت على كميات أكبر من الكربون في الطبقات السطحية للتربة مقارنة بأراضٍ أُغلقت أمام الحيوانات لعقود.

وأظهرت الدراسة أن الرعي المستمر منخفض الكثافة قد يساعد التربة على الاحتفاظ بالكربون، إذ احتوت الطبقات الأربع الأولى من التربة، بعمق 10 سنتيمترات، على نحو 8% كربون أكثر في الأراضي التي استمر فيها الرعي مقارنة بالأراضي التي أزيلت منها الحيوانات.

ونُشرت الدراسة كاملة في دورية Global Change Biology Communications.

لكن هذا الفارق لم يظهر في الطبقات الأعمق، كما أن النتائج تستند إلى الأراضي الآيسلندية، ولذلك لا يمكن تعميمها بالضرورة على جميع أنواع المراعي والترب حول العالم.

قاد الدراسة كريستيان كلوبش، ضمن أبحاث الدكتوراه في جامعة آيسلندا، تحت إشراف آنا غودرون ثورهالدسدوتير، الأستاذة في جامعة آيسلندا في هولار، بمشاركة باحثين من الجامعة السويدية للعلوم الزراعية وجامعة لانكستر البريطانية.

وقالت ثورهالدسدوتير إن حيوانات الرعي غالبًا ما تُهمل عند دراسة العوامل التي تشكل تربة المراعي وتحدد تركيبها.

أسوار قديمة تحولت إلى تجربة طبيعية

خلال القرن الماضي، أقيمت أسوار في مناطق واسعة من آيسلندا لمنع الماشية من الوصول إلى أجزاء من الأراضي التي كانت تستخدم للرعي.

وبمرور الوقت، وفرت هذه الأسوار فرصة فريدة للباحثين؛ إذ أصبحت هناك مساحات متجاورة تشترك في التربة والانحدار والظروف المناخية نفسها تقريبًا، لكنها تختلف في وجود الحيوانات من عدمه.

وتمكن فريق البحث من العثور على 34 زوجًا من المواقع في الأراضي المنخفضة في آيسلندا، تفصل بينها أسوار مضى على إنشائها ما بين 20 و83 عامًا.

وخلال أواخر صيف عامي 2022 و2023، حفر الباحثون قطوعًا في التربة بعمق نحو 60 سنتيمترًا على جانبي كل سياج، ثم أخذوا عينات من طبقات التربة المختلفة، كما قاسوا كميات النباتات والجذور الموجودة في الطبقات السطحية.

معظم الكربون موجود تحت الأرض

أظهرت القياسات أن الطبقات العليا من التربة حتى عمق 60 سنتيمترًا تحتوي في المتوسط على نحو 58 طنًا من الكربون لكل فدان، أو 130 طنًا متريًا لكل هكتار.

وتعادل هذه الكمية نحو عشرة أضعاف كمية الكربون الموجودة في النباتات نفسها، بما في ذلك الجذور والأوراق الميتة.

وهذا يعني أن تغيرًا صغيرًا في كمية الكربون الموجودة في التربة يمكن أن يفوق بكثير التغيرات التي تطرأ على كمية الكربون المخزنة في الغطاء النباتي فوق سطح الأرض.

وتتميز ترب آيسلندا بأنها تتكون على مواد بركانية تتحلل سريعًا لتكوين معادن طينية قادرة على الارتباط بالكربون والاحتفاظ به داخل التربة.

الأراضي المسوّرة فقدت جزءًا من كربون الطبقة السطحية

عندما توقف الرعي، احتوت الطبقة العليا من التربة، بعمق 10 سنتيمترات، على كمية من الكربون أقل بنحو 8% في المتوسط مقارنة بالأراضي المجاورة التي استمر فيها الرعي.

وتحمل هذه الطبقة الرقيقة وحدها نحو ثلث كمية الكربون الموجودة في التربة حتى عمق 60 سنتيمترًا.

وكان الفرق أكثر وضوحًا عند فحص جذور النباتات؛ إذ احتوت جذور الطبقات السطحية في الأراضي غير المرعية على كربون أقل بنحو 29% مقارنة بالأراضي التي استمر فيها الرعي، بينما بلغت الفجوة في المراعي العشبية نحو 40%.

كما انخفضت كمية النيتروجين، وهو عنصر غذائي أساسي لنمو النباتات، بنحو 9% في الطبقة السطحية للتربة بعد توقف الرعي.

لكن الصورة فوق سطح الأرض كانت مختلفة.

فقد احتوت الأراضي المسوّرة على كمية أكبر من المادة النباتية، مع زيادة بلغت نحو 45% في الكربون الموجود في السيقان والأوراق والمواد النباتية المتساقطة.

ولا تشمل هذه النسبة النباتات التي تناولتها الحيوانات في الأراضي المرعية، إذ لم يقس الباحثون هذه الكمية، كما توقفت الزيادة في المادة النباتية بعد نحو 20 إلى 30 عامًا من غياب الرعي.

ليست كل الأراضي غير المرعية أقل تخزينًا للكربون

لم تُظهر جميع الأراضي المسوّرة انخفاضًا في الكربون، ففي بعض المواقع، استمرت المراعي في كونها أراضي عشبية لأكثر من 50 عامًا بعد منع الحيوانات من الوصول إليها، وظلت مستويات الكربون في الطبقة السطحية من التربة مماثلة تقريبًا لتلك الموجودة في الأراضي المرعية.

ويربط الباحثون ذلك بوجود كميات متبقية من النيتروجين في التربة نتيجة الرعي الكثيف الذي كانت تتعرض له هذه الأراضي في الماضي.

وهذا يشير إلى أن تأثير إزالة الحيوانات ليس موحدًا، وأن تاريخ استخدام الأرض والغطاء النباتي ونوع التربة يمكن أن يؤدي أدوارًا مهمة في تحديد كمية الكربون التي تحتفظ بها التربة.

كيف يمكن للرعي أن يدفع الكربون إلى التربة؟

يرى الباحثون أن الرعي قد يغير طريقة نمو الأعشاب وتوزيع الكربون داخل النبات، فعندما تتغذى الحيوانات على الأعشاب، تعيد النباتات نموها، وقد يؤدي ذلك إلى تكوين أنظمة جذرية كثيفة في المراعي التي تتعرض للرعي.

وتنمو الجذور وتموت وتتجدد بوتيرة سريعة، ما قد يؤدي إلى نقل المزيد من الكربون إلى التربة.

كما تعيد الحيوانات جزءًا من العناصر الغذائية، خصوصًا النيتروجين، إلى التربة من خلال الروث.

وتتغذى الكائنات الحية الدقيقة في التربة على بقايا النباتات والروث، وقد تتحول بعض المواد الناتجة عن هذه العملية إلى مركبات ترتبط بالمعادن الموجودة في التربة وتبقى مخزنة فيها لفترات طويلة.

وتشير دراسة أخرى عن رعي البيسون في متنزه يلوستون الوطني إلى أن الرعي يمكن أن يدفع نسبة أكبر من كربون النباتات إلى أسفل، باتجاه التربة.

وفي المقابل، عندما تُترك المراعي دون رعي، يتراكم جزء أكبر من الكربون في السيقان الطويلة وبقايا النباتات فوق سطح الأرض.

وقد تحجب هذه الطبقة من المخلفات الضوء عن النمو الجديد، بينما يتحلل جزء من الكربون الموجود فيها ويعود إلى الغلاف الجوي بدلًا من انتقاله إلى التربة.

لكن الباحثين لم يقيسوا هذه العمليات بصورة مباشرة، ولذلك تبقى هذه التفسيرات فرضيات محتملة لشرح النتائج.

الشجيرات والبتولا تحل محل الأعشاب

لا يقتصر تأثير توقف الرعي على كمية الكربون الموجودة في التربة، بل يمكن أن يغير طبيعة الغطاء النباتي نفسه.

ففي المناطق الشمالية، تساعد حيوانات الرعي عادة على إبقاء الأراضي مفتوحة والحفاظ عليها كمراعي عشبية.

وفي 9 مواقع من أصل 34، تغير المشهد النباتي بعد اختفاء الحيوانات، تحولت المراعي إلى مناطق يغلب عليها غطاء من الشجيرات منخفضة الارتفاع في سبعة مواقع، بينما تحولت إلى غابات من أشجار البتولا في موقعين.

ويربط الباحثون هذا التحول بنقص النيتروجين في التربة بعد توقف الحيوانات عن إضافة الروث إليها.

وقد تتمكن الشجيرات، التي تنمو بوتيرة أبطأ، من منافسة الأعشاب التي تحتاج إلى كميات أكبر من النيتروجين.

وكان لنوع الغطاء النباتي تأثير أكبر في كمية الكربون الموجودة في التربة مقارنة بتأثير الرعي نفسه.

فقد احتوت تربة المراعي العشبية على نحو 43 طنًا من الكربون لكل فدان في الطبقة العليا بعمق 30 سنتيمترًا، مقابل نحو 35 طنًا في الأراضي التي يغطيها الغطاء الشجيري، ونحو 25 طنًا تحت غابات البتولا الناضجة.

هل تكون المراعي أفضل من زراعة الأشجار في الشمال؟

تكتسب هذه النتائج أهمية خاصة مع تزايد الاهتمام باستخدام النظم البيئية الطبيعية كوسيلة لمواجهة تغير المناخ.

وقد ركزت العديد من المبادرات على زراعة الأشجار باعتبارها وسيلة لزيادة تخزين الكربون، لكن العلماء يطرحون بصورة متزايدة تساؤلات حول ملاءمة هذا النهج للمناطق الشمالية شديدة البرودة.

وفي الأراضي العشبية، يبدو أن جزءًا كبيرًا من الكربون مخزن أصلًا تحت سطح الأرض، حيث يمكن أن يكون أقل تعرضًا لبعض الاضطرابات مثل الجفاف والحرائق.

وترى ثورهالدسدوتير أن المراعي العشبية التي تتعرض للرعي قد تكون مرشحًا مناسبًا ضمن الحلول المناخية القائمة على الطبيعة، خصوصًا عندما يكون معظم الكربون مخزنًا في التربة.

غياب خط أساس قديم يحد من دقة النتائج

رغم أهمية النتائج، توجد قيود مهمة على الدراسة، فالأسوار لم تُنشأ أصلًا بهدف إجراء تجربة علمية، ولم يكن الباحثون موجودين قبل إنشائها لقياس كمية الكربون في التربة.

ولهذا، لم يتمكن الفريق من تحديد معدل تراكم الكربون في التربة سنة بعد أخرى، وإنما قارن فقط الاختلاف الموجود حاليًا بين جانبي الأسوار.

وفي الأراضي العشبية، يعادل الفرق المسجل نحو 130 رطلًا أقل من الكربون لكل فدان، أو 0.15 طن متري لكل هكتار، عن كل عام دون رعي، وفق طريقة الحساب المستخدمة في الدراسة.

كما تراوح مستوى الرعي في المواقع من الاستخدام المستمر للأراضي إلى الرعي الصيفي الخفيف، إلا أن الدراسة تعاملت مع هذه الأنماط المختلفة بصورة عامة باعتبارها رعيًا.

وهذا مهم لأن الرعي ليس نمطًا واحدًا؛ إذ يمكن أن تختلف نتائجه وفق نوع العشب، ونوع الحيوان، وكمية الرطوبة، ومدة الرعي وشدته.

كذلك تتميز الترب البركانية في آيسلندا بقدرتها على الارتباط بالكربون، وهو ما يعني أن النتائج قد لا تنطبق بالطريقة نفسها على أنواع التربة في مناطق شمالية أخرى.

كما أظهرت بعض الدراسات التي أجريت على المراعي المعتدلة عدم حدوث تغير كبير في كربون التربة بعد عقود من غياب الحيوانات.

هل يمكن إعادة الكربون المفقود بإعادة الرعي؟

تبقى إحدى أهم الأسئلة التي لم تحسمها الدراسة هي ما إذا كانت إعادة الحيوانات إلى الأراضي التي فقدت جزءًا من كربونها يمكن أن تعيد هذا الكربون إلى التربة.

ويرى الباحثون أن ذلك ممكن، لكن الأمر قد يكون أكثر تعقيدًا عندما تكون الأراضي قد تحولت بالفعل إلى مناطق يغلب عليها الغطاء الشجيري.

وتشير نمذجة حاسوبية لأراضٍ رعوية جافة إلى أن عودة الأراضي التي تحولت إلى غطاء شجيري إلى حالتها العشبية قد تستغرق وقتًا أطول بكثير من الفترة التي استغرقها تحولها من المراعي إلى الغطاء الشجيري.

ولذلك يدعو الباحثون إلى إجراء دراسات مستقبلية تتابع تكرار الرعي وتوقيته ومدته وشدته، بدلًا من التعامل مع الرعي كعامل واحد.

وقد أتاح الفريق بيانات الدراسة للباحثين بهدف دعم المزيد من الأبحاث حول العلاقة بين الرعي وتخزين الكربون في التربة.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة