أخبارالتنمية المستدامةالزراعة

من ملوث يسبب ازدهار الطحالب إلى سماد.. حيلة نباتية تقود إلى تفكيك النترات

من تلوث المياه إلى الأسمدة.. تقنية كيميائية جديدة تعيد استخدام النترات

تصل كميات كبيرة من النيتروجين الذي يستخدمه المزارعون في حقولهم إلى خارج الأراضي الزراعية، ومع وصول النترات إلى الأنهار أو المياه الجوفية، يمكن أن تتحول إلى وقود لظاهرة الازدهار الطحلبي، بما يترتب عليها من إغلاق الشواطئ وتلويث مصادر مياه الشرب.

وتزداد المشكلة صعوبة لأن النترات مركب مستقر كيميائيًا، ما يجعل تفكيكه يحتاج إلى طاقة أكبر مما تستطيع معظم طرق المعالجة الحالية تحمله اقتصاديًا.

لكن فريقًا من الكيميائيين طور طريقة مخبرية جديدة مستوحاة من آلية تستخدمها النباتات للتعامل مع النترات، بالاعتماد على مركب حديدي تحيط به روابط هيدروجينية.

ونُشرت الدراسة كاملة في مجلة Nature Chemistry.

وعند تسخين المركب، تمكن الباحثون من إزالة ذرة أكسجين واحدة من النترات، لتكوين أكسيد النيتريك.

وعند استخدام الضوء الأزرق بدلًا من الحرارة، تمكن التفاعل من إزالة الأكسجينات الثلاثة وتحويل النترات إلى أمونيا، وهي مادة أساسية في صناعة الأسمدة النيتروجينية.

وبذلك يصبح الملوث والمادة المستخدمة في صناعة السماد عبارة عن ذرة النيتروجين نفسها، ولكن في حالتين كيميائيتين مختلفتين.

وأُجريت جميع التجارب حتى الآن على نطاق المختبر، داخل أوعية صغيرة تحتوي على مذيبات عضوية.

وقاد العمل ناثانيال زيمتشاك، أستاذ الكيمياء في جامعة ميشيجان.

وقال زيمتشاك إن المزارعين يميلون حاليًا إلى الإفراط في استخدام الأسمدة، وإن الجزء الأكبر من السماد المستخدم يتسرب مع الجريان السطحي إلى الجداول والمياه الجوفية والبحيرات والمحيطات.

تقنية كيميائية جديدة تعيد استخدام النترات
تقنية كيميائية جديدة تعيد استخدام النترات

لماذا يصعب تفكيك النترات؟

تتكون النترات من ذرة نيتروجين مرتبطة بثلاث ذرات من الأكسجين، وتتميز هذه الروابط بقوة كبيرة.

لكن المشكلة الأكبر أن معظم المعادن القادرة على انتزاع ذرة أكسجين من الجزيئات لا ترتبط بالنترات بقوة كافية للقيام بهذه المهمة.

ولهذا أمضى الكيميائيون عقودًا في محاولة تحقيق الخطوة الأولى، أي إزالة ذرة الأكسجين الأولى، لأن بقية التفاعلات لا يمكن أن تبدأ قبل حدوثها.

وتوجد بالفعل تقنيات مثل التبادل الأيوني والتناضح العكسي لإزالة النترات من المياه، لكنها لا تدمر الملوث، بل تنقله إلى صورة أخرى وتترك وراءها مخلفات مركزة تحتاج إلى معالجة.

وفي الوقت نفسه، يمكن للنترات التي تتسرب من الأراضي الزراعية أن تنتقل لمسافات طويلة عبر المياه، وتغذي ظاهرة ازدهار الطحالب في الأنهار والبحيرات والمياه الساحلية، بعيدًا عن المكان الذي استخدمت فيه الأسمدة في الأصل.

كما تعد النترات الموجودة في المياه الجوفية من أكثر الملوثات شيوعًا في مياه الآبار بالولايات المتحدة.

النباتات تقدم نموذجًا للحل

لجأت مجموعة زيمتشاك إلى النباتات بحثًا عن طريقة مختلفة للتعامل مع النترات.

فالنباتات تتعامل مع النترات منذ ملايين السنين، وتنقلها إلى داخل خلاياها باستخدام بروتينات قادرة على الإمساك بها من خلال روابط هيدروجينية، وهي تجاذبات ضعيفة تنشأ بين الأحماض الأمينية المحيطة بموقع الارتباط.

ويلعب حمضان أمينيان دورًا رئيسيًا في هذه العملية.

وفي أبحاث سابقة على ناقل نباتي عالي القدرة على الارتباط بالنترات، أدى استبدال هذين الحمضين الأمينيين بمانح متعادل للروابط الهيدروجينية إلى خفض قدرة البروتين على الإمساك بالنترات بنحو 100 مرة.

واعتبر زيمتشاك أن علم الأحياء قدم نموذجًا واضحًا للتفاصيل الجزيئية المطلوبة لاختزال النترات.

وحاول فريقه نسخ بعض هذه المبادئ بما يكفي لدفع النترات في سلسلة من التفاعلات وصولًا إلى الأمونيا.

وقال الباحث إن الفريق اكتشف أن وجود روابط هيدروجينية موضوعة في المواقع المناسبة يمكن أن يغير بنية الروابط داخل النترات ويدفعها نحو خطوة الاختزال التالية.

تقنية كيميائية جديدة تعيد استخدام النترات

الزنك كشف تأثير الروابط الهيدروجينية

صمم فريق زيمتشاك هيكلًا كيميائيًا ثلاثي الأذرع يلتف حول ذرة معدن، مع وجود مانح للرابطة الهيدروجينية على كل ذراع.

واستخدم الباحثون الزنك أولًا، باعتباره عنصرًا ضابطًا للتجربة، لأنه لا يقوم بعمليات تبادل الإلكترونات التي يستطيع الحديد القيام بها.

وبالتالي، فإن أي تغير في سلوك النترات يمكن ربطه بالروابط الهيدروجينية وليس بالتفاعل الكيميائي للزنك نفسه.

وأظهرت النسخ التي تحتوي على مانحات الروابط الهيدروجينية قدرة على الاحتفاظ بالنترات بقوة تصل إلى 10 ملايين مرة مقارنة بالنسخ التي تفتقر إلى هذه الروابط.

كما أدت هذه الروابط إلى شد الرابطة الكيميائية نفسها التي يجب كسرها في الخطوة الأولى من التفاعل.

وقال زيمتشاك إنه فوجئ بدرجة تنشيط الرابطة التي أحدثتها الروابط الهيدروجينية، مشيرًا إلى أن الاعتقاد السائد بين المتخصصين كان أن مواقع المعادن شديدة التفاعل ضرورية لتنشيط هذا النوع من الروابط، بينما أظهر العمل أن الروابط الهيدروجينية الموضوعة بدقة يمكنها إعادة توزيع بيئة الترابط في النترات وتهيئتها للاختزال.

الحديد ينتزع الأكسجين الأول

عندما استبدل الباحثون الزنك بالحديد، تحول موقع الارتباط إلى محفز كيميائي، وعند تسخين المركب الحديدي إلى 176 درجة فهرنهايت، أو 80 درجة مئوية داخل مذيب، مع إضافة حمض ومصدر للهيدروجين، تمكن المحفز من انتزاع ذرة أكسجين واحدة من النترات.

وكان الناتج هو أكسيد النيتريك، وفي أفضل تجربة، تمكن كل جزيء من المحفز من تحويل 87 جزيئًا من النترات.

وكان محفز حديدي سابق يعتمد على الفكرة نفسها للروابط الهيدروجينية قد تمكن من تحويل نحو 3.5 جزيء فقط لكل جزيء من المحفز.

ثم أجرى الباحثون تجربة ضابطة مهمة، فاستبدلوا مانحات الروابط الهيدروجينية بمجموعة ميثيل، ثم أزالوا مانحات الروابط الهيدروجينية بالكامل.

وفي الحالتين، انهارت نسبة التحويل إلى 2% فقط، وهي نسبة لا تتجاوز تقريبًا ما حدث عند عدم استخدام محفز.

وبالتالي، لم يكن المعدن وحده كافيًا لإحداث التفاعل؛ فقد لعبت الروابط الهيدروجينية دورًا أساسيًا في تنشيط النترات.

تقنية كيميائية جديدة تعيد استخدام النترات

الضوء يكمل التفاعل حتى الأمونيا

توقف التفاعل الحراري عند إنتاج أكسيد النيتريك، ولإكمال العملية، استخدم الفريق مركبًا مختزلًا حساسًا للضوء يسمى إستر هانتش Hantzsch ester، وسلط ضوءًا أزرق من مصباح LED على الوعاء عند درجة حرارة الغرفة، التي بلغت 77 درجة فهرنهايت، أو 25 درجة مئوية.

وتحت الضوء، تمكن المحفز من دفع النترات عبر التفاعل حتى إنتاج الأمونيا، بنسبة مردود بلغت 85%.

وعندما خُفّض تركيز المحفز إلى جزيء واحد لكل 100 ألف جزيء من النترات، ظل كل جزيء من المحفز قادرًا على تحويل 5000 جزيء من النترات.

وقال مؤلفو الدراسة إن هذا الرقم يتجاوز أي محفز جزيئي سبق الإبلاغ عنه في هذا السياق.

لكن النسخة المعتمدة على الضوء كانت أكثر تعقيدًا من النسخة الحرارية، واعترف الباحثون بذلك.

فالضوء وإستر هانتش يستطيعان إنتاج نحو 13% من الأمونيا من تلقاء نفسيهما، ولذلك فإن نسب التحويل المذكورة تعكس ما أضافه المحفز إلى هذا التفاعل الأساسي.

من المختبر إلى محطة معالجة المياه.. الطريق لا يزال طويلًا

تقنية كيميائية جديدة تعيد استخدام النترات

رغم النتائج اللافتة، لا تمثل هذه الطريقة حتى الآن نظامًا لمعالجة المياه.

ويؤكد الباحثون أن جميع التفاعلات أجريت باستخدام النترات الموزونة في صورة ملح، داخل مذيبات لا تستخدمها محطات معالجة المياه.

كما أن إمكانية توسيع العملية على نطاق أكبر لا تزال غير محسومة.

فعند استخدام أقل تركيز للمحفز، لم يتمكن الفريق من قياس كمية الأمونيا إلا بعد إجراء التفاعل بحجم أكبر 10 مرات.

وقال زيمتشاك إن تطبيق هذه الطريقة على نطاق واسع في محطة لمعالجة مياه الصرف سيكون صعبًا في الوقت الحالي، بسبب مشكلات التوافق مع المركبات والمواد الأخرى الموجودة في مياه الصرف.

وأضاف أن تطوير استراتيجية اختزال كيميائية جديدة قد يستغرق سنوات، إلى جانب عدة دورات من تطوير المحفز وتحسينه، قبل أن تتحول إلى حل هندسي قابل للتطبيق.

تحويل النترات إلى مواد كيميائية أخرى

ولا تقتصر اهتمامات الفريق على تحويل النترات إلى الأمونيا، وقال زيمتشاك إن الباحثين مهتمون أيضًا بما يسمونه “إعادة تدوير النترات” Upcycling، أي إعادة استخدام هذه النفايات وتحويلها إلى كاشف يمكن الاستفادة منه في تفاعلات الأكسدة العضوية.

ويبقى السؤال الأساسي الذي لم تجب عنه الدراسة حتى الآن: هل تستطيع الروابط الهيدروجينية الاحتفاظ بالنترات بالطريقة نفسها داخل الماء، وبالتراكيز المنخفضة التي توجد بها عادة في الآبار الملوثة؟

هذه هي الخطوة التي لم يختبرها العمل الحالي، وهي أيضًا الحلقة التي تفصل بين نجاح التفاعل داخل دورق مختبري وبين إمكانية استخدامه يومًا ما في محطة لمعالجة المياه.

وبالتالي، تقدم الدراسة طريقة كيميائية جديدة للتعامل مع النترات، وتوضح كيف يمكن استلهام آليات النباتات لتعديل تفاعلات كيميائية صعبة، لكنها لا تمثل بعد تقنية جاهزة لتنقية المياه أو إزالة النترات من مصادر مياه الشرب.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة