أخبارالاقتصاد الأخضرابتكارات ومبادرات

هل يبدأ عصر الكمبيوترات الحية من عيش الغراب؟.. الفطر يدخل عالم الشرائح الإلكترونية

علماء يختبرون ذاكرة إلكترونية حية قابلة للجفاف وإعادة التشغيل.. فتح بابًا جديدًا بعد عصر السيليكون

في واحدة من أكثر التجارب غرابة عند تقاطع علم الأحياء والإلكترونيات، نجح باحثون في جامعة ولاية أوهايو الأمريكية في تطوير مكونات ذاكرة إلكترونية باستخدام فطر الشيتاكي، مستفيدين من الخصائص الكهربائية لشبكة الخيوط الفطرية المعروفة باسم «الميسيليوم».

التجربة لا تعني أن أجهزة الكمبيوتر المصنوعة من الفطر أصبحت جاهزة لتحل محل السيليكون، لكنها تقدم دليلًا عمليًا على إمكانية استخدام كائنات حية كمواد إلكترونية قادرة على معالجة الإشارات وتخزين المعلومات.

وتكتسب الفكرة أهمية إضافية في ظل تصاعد استهلاك الطاقة المرتبط بالحوسبة والذكاء الاصطناعي، بالتزامن مع النمو المتسارع للنفايات الإلكترونية والبحث عن مواد جديدة يمكن تصنيعها واستخدامها ثم التخلص منها بصورة أكثر توافقًا مع البيئة.

ونُشرت الدراسة العلمية الكاملة في مجلة PLOS ONE.

الفطر يدخل عالم الشرائح الإلكترونية

من فكرة على الورق إلى مكون إلكتروني

تعود جذور الفكرة إلى عام 1971، عندما طرح المهندس الأمريكي ليون تشوا مفهوم «الميمريستور» Memristor، وهو عنصر إلكتروني أطلق عليه اسم «مقاومة الذاكرة».

كان تشوا يرى أن نظرية الدوائر الكهربائية تفتقد عنصرًا أساسيًا إلى جانب المقاومة والمكثف والملف، واقترح عنصرًا يستطيع أن تتأثر حالته الحالية بتاريخ التيار الكهربائي الذي مر به.

وظلت الفكرة نظرية لعقود، إلى أن نشر فريق بقيادة ستانلي وليامز في مختبرات HP بحثًا عام 2008 أظهر أن أغشية نانوية من ثاني أكسيد التيتانيوم يمكن أن تتصرف بطريقة تتوافق مع خصائص الميمريستور.

ومن هنا بدأ اهتمام متزايد بهذه المكونات باعتبارها أحد المسارات المحتملة لتطوير الحوسبة العصبية، وهي أنظمة تحاول محاكاة بعض مبادئ عمل الدماغ، خصوصًا من خلال الجمع بين تخزين المعلومات ومعالجتها في مكونات متقاربة بدل الفصل التقليدي بين الذاكرة والمعالج.

الفطر يدخل عالم الشرائح الإلكترونية

لماذا دخل الفطر إلى عالم الكمبيوتر؟

الفكرة ليست وليدة تجربة جامعة ولاية أوهايو وحدها.

فقد درس الباحثون خلال السنوات الماضية قدرة الفطريات على إنتاج إشارات كهربائية والتفاعل مع البيئة ونقل الإشارات عبر شبكة الميسيليوم، وهي شبكة معقدة من الخيوط الدقيقة التي تشكل الجزء الأكبر من الكائن الفطري.

وفي عام 2018، نشر الباحث أندرو أداماتسكي دراسة اقترحت استخدام الميسيليوم باعتباره وسطًا حاسوبيًا غير تقليدي، بعد تسجيل إشارات كهربائية في الفطريات باستخدام أقطاب دقيقة.

وأظهرت أبحاث لاحقة إمكانية استخدام هذه الإشارات لتنفيذ عمليات منطقية بسيطة والاستجابة لمحفزات مثل الضوء والضغط.

هذا المسار فتح الباب أمام مفهوم مختلف جذريًا عن الإلكترونيات التقليدية: بدل تصنيع كل مكون من مواد غير حية داخل المصانع، يمكن في بعض التطبيقات استخدام أنظمة بيولوجية تمتلك بالفعل شبكات داخلية لنقل الإشارات والاستجابة للمؤثرات.

ماذا فعل فريق جامعة ولاية أوهايو؟

في الدراسة الجديدة، استخدم الباحث الرئيسي جون لاروك وزملاؤه الميسيليوم الخاص بفطر الشيتاكي وفطر عش الغراب الأبيض لتطوير مكونات ذات سلوك ميمريستوري.

وأفاد الباحثون بأن المكونات الفطرية حققت دقة تقارب 90% في عمليات التبديل، عند سرعات وصلت إلى نحو 5850 هرتز.

كما أظهرت التجارب خاصية لافتة أخرى: فقد استطاعت المكونات الاحتفاظ ببرمجتها بعد تعرضها للجفاف.

وهذه النتيجة مهمة من الناحية التطبيقية، لأنها تطرح احتمال التعامل مع هذه المواد في صورة جافة ثم إعادة ترطيبها عند الحاجة، وإن كان تحويل هذه الفكرة إلى نظام إلكتروني عملي واسع الاستخدام لا يزال يحتاج إلى كثير من التطوير.

لماذا يهم ذلك في عصر الذكاء الاصطناعي؟

تأتي هذه الأبحاث في وقت تتزايد فيه الضغوط على البنية التحتية للحوسبة.

وبحسب بيانات وزارة الطاقة الأمريكية، استهلكت مراكز البيانات نحو 4.4% من الكهرباء في الولايات المتحدة خلال عام 2023، مع توقعات بأن ترتفع النسبة إلى ما بين 6.7% و12% بحلول عام 2028، وفق تحليل مختبر لورنس بيركلي الوطني.

وفي الوقت نفسه، تتزايد مشكلة النفايات الإلكترونية عالميًا.

فقد بلغ حجم النفايات الإلكترونية عالميًا نحو 62 مليون طن متري في عام 2022، بينما لا تزال معدلات استرداد بعض المواد المهمة من الأجهزة الإلكترونية منخفضة للغاية.

وهنا تظهر أهمية الإلكترونيات الحيوية: ليس لأنها ستنهي مشكلة استهلاك الطاقة أو النفايات الإلكترونية بمفردها، وإنما لأنها تفتح مجالًا للبحث عن مواد إلكترونية مختلفة عن المواد التقليدية، بعضها يمكن أن يكون قابلًا للتحلل الحيوي أو إنتاجه بطرق أقل اعتمادًا على عمليات التصنيع الصناعية المعقدة.

الفطر يدخل عالم الشرائح الإلكترونية

الفطر لا يحتاج إلى مصنع أشباه موصلات

من أكثر الجوانب إثارة في الفكرة أن الميسيليوم كائن حي ينمو بدل أن يُصنَّع بالطريقة التقليدية.

وبحسب الدراسة، يمكن تنمية الفطر باستخدام مواد عضوية بسيطة، ما يختلف جذريًا عن تصنيع الشرائح الإلكترونية التقليدية التي تعتمد على سلاسل إنتاج شديدة التعقيد ومواد وعمليات صناعية دقيقة.

لكن هذه المقارنة تحتاج إلى قدر من الحذر.

فكون المادة الفطرية قابلة للنمو والتحلل الحيوي لا يعني تلقائيًا أن الجهاز الإلكتروني الكامل سيكون صديقًا للبيئة؛ إذ تظل الأقطاب والتوصيلات وعمليات التصنيع والتغليف والطاقة المستخدمة في تشغيل النظام عوامل يجب احتسابها في أي تقييم حقيقي للبصمة البيئية.

العقبة الكبرى: الحجم والاعتمادية

رغم النتائج المثيرة، فإن الطريق من نموذج مختبري إلى شريحة كمبيوتر عملية لا يزال طويلًا.

النماذج التي اختبرها الباحثون كانت عبارة عن أقراص فطرية كبيرة نسبيًا مقارنة بالمكونات الإلكترونية الحديثة، بينما تعتمد صناعة أشباه الموصلات على هياكل بالغة الصغر يمكن إنتاجها بأعداد ضخمة وبدرجة عالية جدًا من التجانس.

وهنا تظهر عدة أسئلة لم تُحسم بعد:

  • هل يمكن تصغير المكونات الفطرية بدرجة كافية؟
  • هل تستطيع الثقافات المختلفة إنتاج خصائص كهربائية متطابقة تقريبًا؟
  • كيف يمكن التحكم في نمو الميسيليوم وتخزينه ودمجه مع مكونات إلكترونية تقليدية؟
  • وهل يمكن أن تعمل هذه المواد لفترات طويلة في ظروف تشغيل حقيقية؟

هذه التحديات تجعل الحديث عن «كمبيوتر من الفطر» سابقًا لأوانه.

ليس نهاية السيليكون.. بل بداية مسار جديد

القيمة الحقيقية للتجربة ربما لا تكمن في استبدال السيليكون غدًا، وإنما في إثبات أن المواد الحية نفسها يمكن أن تدخل في تصميم مكونات إلكترونية تؤدي وظائف حقيقية.

فالفطر يمتلك شبكة بيولوجية معقدة، ويمكنه استقبال المؤثرات وإنتاج إشارات كهربائية والتفاعل معها. وعندما ينجح العلماء في تحويل هذه الخصائص إلى سلوك يمكن التحكم فيه وقياسه، يصبح الكائن الحي نفسه جزءًا من الدائرة الإلكترونية.

وهذا يفتح مجالًا أوسع يسمى الحوسبة غير التقليدية، حيث لا يكون السيليكون والطريقة التقليدية لبناء المعالجات والذاكرة هي الخيار الوحيد.

وقد تمتد التطبيقات المستقبلية المحتملة إلى أجهزة استشعار حيوية، وأنظمة روبوتية، وحوسبة عصبية، وأجهزة تعمل في بيئات يصعب فيها استخدام الإلكترونيات التقليدية.

من المختبر إلى الفضاء؟

وتزيد قدرة الميسيليوم على تحمل الجفاف من اهتمام بعض الباحثين بإمكان استخدام المواد الفطرية في البيئات القاسية، بما في ذلك تطبيقات فضائية مستقبلية.

لكن هذا أيضًا مجال بحثي، وليس تقنية جاهزة لبناء مساكن أو أجهزة كمبيوتر على القمر أو المريخ.

وبالتالي، فإن أهمية الدراسة الحالية تكمن في إثبات المبدأ أكثر من تقديم منتج تجاري.

بعد أكثر من خمسة عقود على طرح فكرة الميمريستور، تقدم الفطريات اليوم منصة غير مألوفة لاختبار إمكانات هذه المكونات في مادة حية.

وقد لا يكون الكمبيوتر القادم مصنوعًا من الفطر، لكن التجربة تطرح سؤالًا أكثر إثارة: هل يمكن أن تصبح الكائنات الحية نفسها جزءًا من البنية التحتية للحوسبة؟

هذا السؤال، وليس استبدال السيليكون بالشيتاكي بين عشية وضحاها، هو ما يجعل هذه التجربة واحدة من أكثر الاتجاهات إثارة عند تقاطع التكنولوجيا والبيولوجيا والاستدامة.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة