أخبارالمدن الذكيةالتنمية المستدامة

دراسة تحذر: جسيمات البلاستيك النانوية تعقّد تنقية مياه الشرب

خطر غير مرئي في الصنابير.. كيف تغيّر اللدائن النانوية سلوك البكتيريا

غالبًا ما يُناقش التلوث البلاستيكي باعتباره نفايات مرئية في البيئة، أو من خلال القلق المتزايد بشأن دخول الجسيمات البلاستيكية الدقيقة إلى الغذاء والمياه. هذه الصور مألوفة وسهلة التصور بالنسبة للجمهور.

لكن بعض أخطر تأثيرات النفايات البلاستيكية تظل خفية. إذ تمر كميات كبيرة من هذا التلوث بهدوء داخل أنظمة مياه الشرب، عبر الأنابيب والخزانات ومحطات المعالجة.

ومع تحلل البلاستيك، تتكوّن جسيمات متناهية الصغر تُعرف باللدائن النانوية. تتميز هذه الجسيمات بقدرتها العالية على الحركة داخل أنظمة المياه، كما تتفاعل مباشرة مع الكائنات الدقيقة، مسببة تغييرات يصعب رصدها ويصعب عكسها.

فعّلت البكتيريا الناجية أنظمة دفاعية قائمة على تقنية كريسبر لاستهداف المواد الوراثية للفيروسات

اللدائن النانوية وتحولات خفية في المخاطر

يثير التعرض المباشر لللدائن النانوية قلق الباحثين منذ سنوات، لكن خطرًا جديدًا بدأ في الظهور. فهذه الجسيمات لا تكتفي بالوجود قرب البكتيريا، بل تغيّر سلوكها بشكل فعلي.

وتشير أبحاث حديثة إلى أن اللدائن النانوية تعزز قوة المجتمعات الميكروبية داخل أنظمة المياه. فمن خلال تفاعلها الوثيق مع الخلايا البكتيرية، تغيّر أنماط البقاء وتمنح بعض السلالات أفضلية على غيرها.

جسيمات بلاستيكية نانوية تتفاعل مع البكتيريا داخل أنابيب مياه الشرب

وقد نُشرت الدراسة في دورية Water Research العلمية.

وقالت جينجتشيو لياو، الأستاذة المساعدة في الهندسة المدنية والبيئية:  «من المهم للغاية فهم التأثيرات السلبية لللدائن النانوية على صحة الإنسان، ليس فقط بشكل مباشر، بل أيضًا من خلال تأثيرها البيئي غير المباشر الذي ينعكس على الصحة العامة».

وأضافت: «اللدائن النانوية قد تساعد مسببات الأمراض المقاومة للمضادات الحيوية على البقاء، وهو ما يشكل خطرًا بيئيًا وتداعيات محتملة على الصحة العامة».

وتكتسب هذه التحولات أهمية خاصة، لأن أنظمة مياه الشرب تبذل جهودًا كبيرة للسيطرة على النمو الميكروبي. وأي عامل يساعد البكتيريا الضارة على الاستمرار يمثل خطرًا طويل الأمد على البنية التحتية وصحة السكان.

كيف تتعامل أنظمة المياه مع التحديات

تعتمد أنظمة معالجة مياه الشرب الحديثة على عدة طبقات من الحماية، تشمل الترشيح لإزالة الجسيمات، واستخدام المطهرات الكيميائية لتقليل الحمل الميكروبي، إلى جانب المراقبة المستمرة لجودة المياه. وفي معظم الحالات، تنجح هذه الإجراءات.

ومع ذلك، لا تختفي البكتيريا بالكامل. إذ تلتصق بعض الكائنات الدقيقة بالأسطح داخل الأنابيب ومعدات المعالجة، ومع مرور الوقت تُشكّل مجتمعات منظمة تُعرف بالأغشية الحيوية.

وتعمل هذه الأغشية كدرع واقٍ، يحمي البكتيريا من الضغوط البيئية ويقلل من فعالية المطهرات. وعندما تنضج هذه الأغشية، يصبح التخلص منها صعبًا ويتطلب موارد كبيرة.

اللدائن النانوية والأغشية الحيوية

تكشف الأبحاث الحديثة أن اللدائن النانوية تجعل الأغشية الحيوية أكثر صلابة ومقاومة. فعندما تتفاعل هذه الجسيمات مع البكتيريا، تعزز البنية الكلية للمجتمع الميكروبي.

وتقول لياو: «عندما تتفاعل اللدائن النانوية مع الأغشية الحيوية والبكتيريا داخلها، فإنها تقوي هذه الأغشية وتجعلها أكثر مقاومة للإجراءات الهادفة إلى الحفاظ على نظافة المياه».

وتحدث هذه التغيرات تدريجيًا، لكن الارتفاع المستمر في التلوث البلاستيكي يزيد من احتمالية مواجهة أنظمة المياه تحديات أكبر مع مرور الوقت.

الجسيمات البلاستيكية الدقيقة

لماذا يُحدث الحجم فرقًا؟

تنتمي اللدائن النانوية إلى فئة البلاستيك الدقيق، لكنها أصغر بكثير ولا يمكن رؤيتها بالعين المجردة. ويُعد الحجم عاملًا حاسمًا، إذ يسمح هذا الصغر بالتلامس المباشر مع الخلايا الميكروبية، حيث تتكثف الإشارات الكيميائية والتفاعلات البيولوجية.

ويعمل الباحثون حاليًا على دراسة كيفية تأثير هذا التفاعل القريب في تكوين الأغشية الحيوية داخل أنظمة مياه الشرب.

فعلى عكس الشظايا البلاستيكية الأكبر حجمًا، التي تبقى خارج البنى الميكروبية، تستطيع اللدائن النانوية الاندماج داخل الأغشية الحيوية، لتصبح جزءًا من البيئة الميكروبية نفسها.

وبمجرد اندماجها، تغيّر هذه الجسيمات طرق تواصل الخلايا ونمو المجتمعات البكتيرية، وهو ما يفسر تأثيرها الأقوى مقارنة بالبلاستيك الأكبر حجمًا، رغم صعوبة اكتشافها.

الأغشية الحيوية كملاجئ للميكروبات

تتكوّن الأغشية الحيوية عندما تلتصق البكتيريا بالأسطح وتبني طبقة واقية حول نفسها. وتُعد الأنابيب والخزانات وأسطح الترشيح أماكن مثالية لتشكل هذه الأغشية.

وداخل هذه البيئات، تكون البكتيريا محمية من المطهرات والإجهاد الفيزيائي. وبينما تلعب الأغشية الحيوية دورًا إيجابيًا في النظم الطبيعية، فإنها تمثل خطرًا واضحًا داخل أنظمة مياه الشرب.

إذ يمكن للبكتيريا الممرِضة أن تختبئ داخل هذه الأغشية وتستمر لفترات طويلة داخل البنية التحتية.

وأشارت لياو إلى أن الفيروسات المعروفة بالعاثيات البكتيرية تضيف طبقة إضافية من التعقيد، إذ تصيب البكتيريا وتؤثر في بقائها وتكاثرها.

وقالت: «العملية الأساسية التي ركزنا عليها هي كيفية تفاعل البكتيريا والعاثيات معًا عندما تؤثر اللدائن النانوية في الأغشية الحيوية ككل».

المواد البلاستيكية الدقيقة

استجابات بكتيرية تحت الضغط

لدراسة هذه التفاعلات، فحص الباحثون أغشية حيوية مكوّنة من بكتيريا الإشريكية القولونية والزائفة الزنجارية. وأدى التعرض لللدائن النانوية إلى سلسلة من الاستجابات المتداخلة.

فقد زادت الإشارات الكيميائية، ما دفع البكتيريا إلى إفراز مواد أكثر كثافة عززت سماكة الأغشية الحيوية. كما تنشطت فيروسات كامنة داخل الخلايا البكتيرية، فدمرت بعض الخلايا وانتشرت داخل المجتمع الميكروبي.

وفي المقابل، فعّلت البكتيريا الناجية أنظمة دفاعية قائمة على تقنية كريسبر لاستهداف المواد الوراثية للفيروسات. وأسفرت هذه التفاعلات مجتمعة عن أغشية حيوية أكثر كثافة ووزنًا، وأكثر مقاومة للتفكك.

ويمثل ذلك تحديًا حقيقيًا لأنظمة معالجة المياه، حيث تقل فعالية المطهرات وتزداد صعوبة عمليات التنظيف الروتينية.

الحاجة إلى مزيد من البحث

وأشار مؤلفو الدراسة إلى أن «زيادة القوة الميكانيكية للأغشية الحيوية ومقاومتها للمطهرات تسلط الضوء على تحدٍ محتمل لأنظمة معالجة وتوزيع المياه».

وأكدت لياو أهمية إجراء مزيد من الأبحاث لفهم العمليات الجزيئية التي تقود هذه التغيرات، معتبرة أن هذه المعرفة ستكون ضرورية لتجهيز أنظمة مياه الشرب لمواجهة التحديات المستقبلية.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading