العالم “غير مستعد” لجائحة جديدة.. فشل دولي في الاتفاق على تبادل البيانات واللقاحات
منظمة الصحة العالمية تحذر: العالم مهدد بجائحة قادمة دون استعداد كافٍ
في وقتٍ تتزايد فيه التحذيرات من احتمالية ظهور جائحة جديدة في أي لحظة، يجد العالم نفسه أمام حقيقة مقلقة: لا يزال غير مستعد بشكل كافٍ لمواجهة وباء عالمي جديد، رغم الدروس القاسية التي خلفتها جائحة كوفيد-19.
فقد فشلت الدول، حتى الآن، في التوصل إلى اتفاق دولي حاسم بشأن واحدة من أكثر القضايا حساسية في منظومة الأمن الصحي العالمي، وهي آلية “الوصول إلى مسببات الأمراض وتقاسم المنافع”، المعروفة اختصارًا بـ PABS، والتي يفترض أن تنظم كيفية تبادل المعلومات الجينية حول الفيروسات والبكتيريا الخطرة، مقابل ضمان حصول الدول على نصيب عادل من اللقاحات والعلاجات والتقنيات الطبية الناتجة عنها.
هذا التعثر لم يكن مجرد تأجيل تقني، بل كشف عن انقسام عميق بين الدول الغنية والنامية، وأعاد إلى الواجهة سؤالًا جوهريًا: من يملك المعرفة البيولوجية في عالم يهدده الوباء القادم؟
تحذيرات دولية: “الجائحة القادمة مسألة وقت”
المسؤولون والخبراء الدوليون لم يخفوا قلقهم. فقد أكدت لجنة مستقلة شكلتها منظمة الصحة العالمية بعد مراجعة استجابة العالم لكوفيد-19، أن ملايين الأرواح كان يمكن إنقاذها لو توفرت استجابة أسرع وأكثر تنسيقًا بين الدول.
الرئيسة السابقة لليبريا إيلين جونسون سيرليف، ورئيسة وزراء نيوزيلندا السابقة هيلين كلارك، شددتا في بيان حديث على أن فشل الدول في الاتفاق على الإطار النهائي للتعامل مع الجوائح “يمثل تقصيرًا خطيرًا في حق الإنسانية”، محذرتين من أن “العالم سيواجه خطرًا حقيقيًا إذا ظهر ممرض جديد اليوم، في ظل غياب منظومة جاهزة وفعّالة”.
أما المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم جيبريسوس، فذهب أبعد من ذلك حين أكد أن “الجائحة القادمة ليست احتمالًا نظريًا، بل مسألة وقت فقط”.

جذور الأزمة: انقسام بين الشمال والجنوب العالمي
تعثر المفاوضات لم يكن مفاجئًا للخبراء، إذ تعود جذوره إلى انقسام تقليدي بين الدول المتقدمة والنامية.
الدول النامية، وعلى رأسها مجموعات تفاوضية مثل “مجموعة العدالة” و”المجموعة الإفريقية”، تطالب بنظام إلزامي يضمن أن الشركات الدوائية التي تستفيد من العينات البيولوجية التي تقدمها الدول، يجب أن تعيد جزءًا من فوائدها في شكل لقاحات وأدوية وتقنيات علاجية بأسعار عادلة ومضمونة.
في المقابل، ترى دول أوروبية وعدد من الدول الصناعية أن فرض التزامات صارمة على شركات الأدوية قد يعيق الابتكار العلمي ويبطئ وتيرة البحث والتطوير، وتقترح بدلاً من ذلك نموذجًا مرنًا يجمع بين الالتزام الطوعي والإلزام الجزئي.
هذا الخلاف لم يعد تقنيًا فقط، بل أصبح يعكس صراعًا أوسع حول العدالة الصحية في النظام العالمي، ومن يملك حق الوصول إلى المعرفة الطبية وقت الأزمات.
من كوفيد-19 إلى المعاهدة المؤجلة
تعود جذور فكرة المعاهدة الدولية للجوائح إلى مارس 2021، عندما اتفقت الدول على ضرورة عدم تكرار الفوضى التي صاحبت جائحة كوفيد-19، والتي كشفت عن فجوات هائلة في التنسيق الدولي، وسلاسل الإمداد، وتوزيع اللقاحات.
وفي مايو 2025، تم اعتماد الاتفاق العام داخل منظمة الصحة العالمية، في خطوة وُصفت بأنها “تاريخية” و”انتصار للصحة العامة العالمية”، خاصة في ظل تراجع التعاون الدولي وتصاعد النزعات الانعزالية، بما في ذلك انسحاب الولايات المتحدة من المنظمة في تلك الفترة.
لكن رغم هذا الإنجاز الظاهري، بقيت العقدة الحقيقية دون حل، حيث تم ترحيل ملف “تقاسم المنافع” إلى ملحق منفصل، ما جعله شرطًا غير مكتمل لتفعيل الاتفاق.

مخاطر التأخير: عالم بلا جاهزية وبنية صحية هشة
التأخير في التوصل إلى اتفاق نهائي لا يُنظر إليه كخلاف سياسي فقط، بل كتهديد مباشر للأمن الصحي العالمي.
فبحسب خبراء الصحة، فإن غياب نظام عالمي ملزم لتبادل البيانات حول مسببات الأمراض يعني أن اكتشاف الفيروسات الجديدة قد لا يُترجم سريعًا إلى لقاحات أو علاجات، ما يخلق فجوة زمنية خطيرة بين ظهور المرض والاستجابة له.
كما أن استمرار الخلافات حول تقاسم اللقاحات قد يؤدي إلى تكرار مشهد “تكديس اللقاحات” في الدول الغنية، مقابل نقص حاد في الدول الفقيرة، وهو ما حدث بالفعل خلال جائحة كوفيد-19.
التحدي القادم: 2027 كموعد مؤجل.. ولكن هل العالم قادر على الانتظار؟
بعد فشل التوصل إلى اتفاق خلال الموعد المحدد في جنيف، تقرر تأجيل الحسم إلى اجتماع جمعية الصحة العالمية في عام 2027، وهو ما أثار مخاوف واسعة من أن العالم قد يدخل الفترة المقبلة دون إطار قانوني فعال لمواجهة أي وباء جديد.
لكن السؤال الأهم الذي يطرحه الخبراء اليوم لم يعد: هل سيتم الاتفاق؟
بل: ماذا لو ظهر الوباء قبل الاتفاق؟
خلاصة: نظام صحي عالمي على حافة الاختبار
الأزمة الحالية تكشف أن العالم، رغم التقدم العلمي الكبير، لا يزال يعاني من ضعف في الحوكمة الصحية الدولية.
فبينما تتطور التكنولوجيا الطبية بوتيرة سريعة، تبقى السياسات العالمية عالقة في خلافات تقليدية حول النفوذ والمصالح والعدالة.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو الرسالة الأوضح من تحذيرات منظمة الصحة العالمية واللجان الدولية:
الجائحة القادمة ليست احتمالًا بعيدًا… بل اختبار قادم لمنظومة عالمية لم تكتمل بعد.





