دلتا الأنهار تغرق أسرع من قدرة البشر على التكيف.. مصر ضمن دائرة الخطر
مئات الملايين مهددون.. هبوط الأرض أخطر من ارتفاع البحر.. البشر يعجلون غرق دلتا الأنهار عالميًا
لطالما كانت دلتا الأنهار مناطق متحركة بطبيعتها، تبني اليابسة حين تحمل الأنهار الرواسب، وتفقدها عندما يرتفع مستوى البحر أو تنضغط التربة.
لكن دراسة علمية جديدة تشير إلى أن هذا التوازن اختل بشكل حاد، وأن الأرض في كثير من دلتا العالم تهبط الآن بوتيرة أسرع بكثير من قدرة المجتمعات على التكيف.
تشير النتائج إلى أن عشرات من أكبر دلتا الأنهار في العالم تفقد ارتفاعها بمعدلات ترفع خطر الفيضانات على مئات الملايين من البشر، وأن العامل الرئيسي وراء ذلك ليس قوى الطبيعة وحدها، بل الأنشطة البشرية، وعلى رأسها ضخ المياه الجوفية.
الدراسة قادها باحثون من جامعة إيست أنجليا البريطانية وجامعة كاليفورنيا في إيرفاين، وخلصت إلى أن الهبوط الأرضي الناتج عن الأنشطة البشرية أصبح السبب الأساسي لفقدان الارتفاع في كثير من الدلتا. ويقدّر الباحثون أن هذه الظاهرة ستدفع أكثر من 236 مليون شخص إلى مواجهة مخاطر فيضانات أعلى في المستقبل القريب.
الدراسة نُشرت في دورية Nature العلمية.

لماذا تُعد الدلتا مناطق شديدة الهشاشة؟
تتكون دلتا الأنهار من الطمي والرمال والغرَينات، ما يجعلها مناطق خصبة ومسطحة وجاذبة للمدن والزراعة والموانئ والصناعة، لكنها في الوقت ذاته شديدة الهشاشة.
رواسب الدلتا لينة وقابلة للانضغاط، وعند سحب المياه من الطبقات الجوفية، تنضغط هذه الطبقات وينخفض سطح الأرض.
كما أن السدود والحواجز التي تعيق وصول الرواسب إلى الدلتا تحرمها من المواد التي تحتاجها للحفاظ على ارتفاعها الطبيعي، بينما يضيف التوسع العمراني والبنية التحتية الثقيلة ضغطًا إضافيًا على أرض رخوة بطبيعتها.
ورغم أن ارتفاع مستوى سطح البحر عامل مهم، تؤكد الدراسة أن الخطر الحقيقي يكمن في تزامن ارتفاع البحر مع هبوط الأرض، ما يؤدي إلى مضاعفة التأثير وزيادة مستوى المياه النسبي بسرعة أكبر.

الأقمار الصناعية تكشف الصورة الكاملة
اعتمد الباحثون على تقنيات الرادار عبر الأقمار الصناعية لرصد تغيرات دقيقة في سطح الأرض عبر 40 نظامًا رئيسيًا من دلتا الأنهار حول العالم.
وأتاحت هذه التقنية رسم خريطة عالية الدقة لمناطق الهبوط ومعدلاته، وربطها بعوامل مثل استخراج المياه الجوفية، ونقص الرواسب، والتوسع العمراني.
وقال الباحث الرئيسي في الدراسة، ليونارد أوهينهن، الأستاذ المساعد في علوم نظم الأرض بجامعة كاليفورنيا في إيرفاين، إن الدراسة توفر لأول مرة قياسات شاملة وعالية الدقة لهبوط الدلتا، وتوضح ليس فقط أين تهبط الأرض، بل وبأي سرعة.

الهبوط يتفوق على ارتفاع البحر
من أبرز نتائج الدراسة أن الهبوط الأرضي يتجاوز في كثير من الحالات معدلات ارتفاع مستوى البحر.
ففي جميع الدلتا التي جرى رصدها، وُجدت مناطق تهبط أسرع من ارتفاع سطح البحر.
وأوضح روبرت نيكولز، أستاذ بجامعة إيست أنجليا وجامعة ساوثهامبتون، أن هذا التفوق اللافت للهبوط الأرضي يعني أن ملايين السكان في دلتا مكتظة مثل دلتا النيل والميكونج وتشاو فرايا يواجهون خطرًا متزايدًا.

تفاوت كبير في معدلات الهبوط
كشفت الدراسة عن تباين واسع بين الدلتا؛ إذ تتراوح معدلات الهبوط من أقل من مليمتر واحد سنويًا في دلتا نهر فريزر بكندا، إلى أكثر من سنتيمتر سنويًا في دلتا النهر الأصفر في الصين، وتسجل كثير من الدلتا معدلات هبوط تفوق ضعف المعدل الحالي لارتفاع مستوى سطح البحر عالميًا.

استنزاف المياه الجوفية هو المتهم الأول
خلص الباحثون إلى أن استخراج المياه الجوفية هو العامل الرئيسي وراء الهبوط في 35% من الدلتا التي شملتها الدراسة.
وعندما تُسحب المياه من الطبقات الجوفية، تفقد الرواسب الضغط الذي يدعمها، فتنهار بنيتها وتفقد الأرض ارتفاعها، وغالبًا ما يكون هذا التغير غير قابل للعكس.
دلتا المسيسيبي نموذج تحذيري
أكدت الدراسة أن دلتا نهر المسيسيبي لا تزال من المناطق الأكثر تأثرًا، حيث يبلغ متوسط معدل الهبوط 3.3 مليمتر سنويًا، مع وجود مناطق تشهد معدلات أعلى بكثير، ما يفاقم فقدان الأراضي وزحف المياه المالحة وزيادة مخاطر العواصف.

رسالة الدراسة للمجتمعات
تشدد الدراسة على أن مخاطر الفيضانات في الدلتا ليست مسألة مستقبلية بعيدة، بل أزمة جارية اليوم.
وترى أن تحسين إدارة المياه الجوفية، وإعادة توصيل الدلتا بالرواسب، والتخطيط العمراني الذكي، يمكن أن يحد من المخاطر في المدى القريب، بالتوازي مع التكيف مع ارتفاع مستوى البحار على المدى الطويل.






