“الشمس الاصطناعية” الصينية تكسر قاعدة الفيزياء القديمة وتقترب من الطاقة النظيفة
ارتفاع كثافة البلازما دون انهيار.. تقدم صيني تاريخي في الطاقة الاندماجية
حققت الصين خطوة كبيرة نحو الطاقة النظيفة عبر الاندماج النووي، بتجاوز قاعدة قديمة في فيزياء البلازما. فقد أظهرت التجارب على “الشمس الاصطناعية” أن البلازما يمكن أن تبقى مستقرة حتى عند كثافة عالية جدًا.
لطالما تسبب ارتفاع الكثافة في فشل تجارب الاندماج. لكن النتائج الجديدة توضح طريقًا لتجاوز هذا الحاجز.
تعتمد الطاقة الاندماجية على دمج ذرات خفيفة، كما يحدث داخل الشمس، ويأمل العلماء في أن توفر الطاقة الاندماجية مصدرًا نظيفًا وغير محدود للكهرباء، لتحقيق ذلك، يجب أن تبقى البلازما ساخنة وكثيفة ومستقرة لفترات طويلة.
لطالما شكلت الكثافة مشكلة، إذ أن ارتفاعها يؤدي عادةً إلى انهيار البلازما. غير أن التجارب الحديثة على مفاعل EAST تشير إلى أن هذه المشكلة لم تعد دائمة.
قاد البحث كل من جياكسينج ليو والبروفيسور بينج تشو من جامعة هوازونج للعلوم والتكنولوجيا وجامعة ويسكونسن ماديسون، ونُشرت الدراسة في مجلة Science Advances.

مفاعل الشمس الاصطناعية في الصين
يقع مفاعل الاندماج المتقدم فائق التوصيل EAST في معهد فيزياء البلازما التابع للأكاديمية الصينية للعلوم في هيفي. ويستخدم المفاعل حقولًا مغناطيسية قوية للحفاظ على البلازما في مكانها وتسخينها لدرجات حرارة قصوى. تحيط بالبلازما جدران معدنية كاملة مصنوعة من التنجستن، على عكس المفاعلات القديمة التي كانت تستخدم الكربون.

أهمية الكثافة العالية
تزداد قوة تفاعلات الاندماج مع ارتفاع كثافة البلازما، وعندما تتضاعف الكثافة، يرتفع إنتاج الطاقة بشكل أسرع. تساهم الكثافة العالية في الوصول إلى نقطة الاشتعال، حيث تصبح التفاعلات ذاتية التشغيل.
ورغم هذه الفائدة، تواجه المفاعلات سقفًا للكثافة يُعرف باسم حد جرينوالد، إذ يؤدي تجاوزه غالبًا إلى انهيار البلازما.
تفسر نظرية تنظيم البلازما الذاتي (PWSO) حدود الكثافة من خلال دراسة تفاعلات البلازما مع جدران المفاعل. فعندما تصطدم البلازما بالجدران المعدنية، تتحرر جزيئات دقيقة تدخل البلازما وتشع الطاقة بعيدًا، ما يؤدي إلى تبريدها وفشل التجربة.
تُظهر النظرية أن توازن الطاقة بين التسخين والإشعاع يحدد أقصى كثافة يمكن تحقيقها. وتشير إلى مسارين: أحدهما يؤدي إلى الحد التقليدي للكثافة، والآخر إلى حالة “خالية من الحدود”، حيث تبقى البلازما مستقرة حتى مع زيادة الكثافة.

أهمية جدران التنجستن
تلعب المواد الجدارية دورًا رئيسيًا، فالجدران الكربونية تطلق شوائب عبر تفاعلات كيميائية، بينما تطلق جدران التنجستن جزيئات بفعل الصدمات الفيزيائية، وهو سلوك أكثر توقعًا عند درجات حرارة منخفضة. يوفر EAST جدران تنجستين كاملة، مما خلق ظروفًا مثالية لاختبار هذه الفكرة.
تثبيت الشمس الاصطناعية
قام الباحثون بضبط ظروف بداية تكوين البلازما، عبر زيادة الضغط الغازي قبل الإشعال وتوفير تسخين إضافي عبر الرنين الدوري الإلكتروني، ما خفّض الإشعاع الضار وحافظ على نقاء البلازما.
أدت هذه التعديلات إلى ارتفاع الكثافة بشكل سلس مع استمرار الاستقرار. أظهرت القياسات وصول كثافة البلازما إلى نحو 1.3–1.65 ضعف حد جرينوالد دون انهيار.

أهمية النتائج
يعتمد الاشتعال النووي على توازن الكثافة ودرجة الحرارة ومدة الاحتجاز. وتوضح نتائج EAST أن التحكم في مرحلة البداية وتصميم الجدران لا يقل أهمية عن قوة التسخين الخام.
قال البروفيسور تشو: “تشير النتائج إلى مسار عملي وقابل للتوسع لزيادة حدود الكثافة في مفاعلات التوكاماك والأجهزة المستقبلية”.
وأضاف البروفيسور نينج يان أن الفريق يخطط لتطبيق نفس الأسلوب في عمليات الاحتجاز العالي، ما قد يزيد الكثافة أكثر في ظروف اندماج أقوى.
تواجه الطاقة الاندماجية تحديات عديدة، لكن أحد أصعب الحواجز بدأ يسقط، ومع التحكم الدقيق والتصميم الذكي، قد تحترق الشمس الاصطناعية بشكل أكثر قوة من أي وقت مضى.





