تقرير استخباراتي بريطاني: انهيار النظم الطبيعية قد يقود إلى صراعات وهجرة ونقص غذاء
المناخ يدخل غرف الأمن القومي.. بريطانيا تحذر من تداعيات متسلسلة تمتد عبر الحدود
حذرت المملكة المتحدة دولًا حول العالم من أن أزمة المناخ وفقدان الطبيعة وظاهرة «إل نينيو» المرتقبة يمكن أن تفرض تداعيات على الأمن القومي والدفاع، في وقت عرض فيه وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند نتائج تقرير أعدته أجهزة استخبارات بريطانية حول المخاطر الأمنية المرتبطة بتدهور النظم الطبيعية.
وجاء عرض النتائج خلال اجتماع مغلق لوزراء خارجية دول من الاتحاد الأوروبي وكينيا ودول أخرى، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وفقًا لما أوردته صحيفة الغارديان.
وتقول الصحيفة إن العرض استند إلى تقرير أعدته اللجنة الاستخباراتية المشتركة البريطانية (JIC)، خلص إلى أن انهيار النظم الطبيعية على نطاق واسع يمكن أن يرتبط بتداعيات تشمل الصراعات والهجرة ونقص الغذاء.
«إل نينيو» واختبار جديد للأمن الغذائي
ركز ميليباند خلال الاجتماع على ظاهرة إل نينيو المرتقبة، معتبرًا أنها قد تفرض اختبارًا كبيرًا على أنظمة الغذاء العالمية، وقال إن بريطانيا تواجه، بحسب تقديراتها، ظاهرة «إل نينيو» يُتوقع أن تكون من أقوى الظواهر التي شهدها العالم في العصر الحديث، وإنها يمكن أن تزيد من حدة الصدمات المناخية التي تتراكم وتتداخل عبر الحدود.
وأوضح أن هذه الصدمات قد تهدد الأمن الغذائي والمائي، وتدفع إلى نزوح المجتمعات، وتضغط على الأسواق، وتؤثر في الاقتصادات.
وتتوافق التحذيرات بشأن قوة «إل نينيو» مع تقييمات رسمية بريطانية حديثة؛ إذ قالت وثيقة حكومية نُشرت في 17 سبتمبر 2026 إن ظاهرة قوية يُرجح أن تحدث في نهاية العام، مع وجود توقعات تشير إلى احتمال أن تكون الأقوى المسجلة. كما حذرت من آثار محتملة على المحاصيل وسلاسل إمدادات الغذاء وأسعار الطاقة عالميًا.
وأعلن مكتب الأرصاد البريطاني في 22 سبتمبر أن درجات حرارة سطح البحر في المنطقة الاستوائية الوسطى من المحيط الهادئ تجاوزت المستويات المسجلة خلال أي حدث سابق في سجل الرصد، ما جعل الظاهرة الحالية الأقوى في السجل المرصود حتى ذلك الوقت.
المناخ وفقدان الطبيعة يدخلان حسابات الأمن القومي
قال ميليباند، إن موجات الحر، وسوء المحاصيل، وارتفاع أسعار الغذاء التي شهدها العالم خلال العام الحالي أظهرت للحكومات نوع الضغوط التي يمكن أن تواجهها.
وأكد أن تغير المناخ وفقدان الطبيعة لا ينبغي التعامل معهما باعتبارهما مسؤولية وزارات البيئة والمناخ فقط، وإنما باعتبارهما تحديين يمتدان إلى المواطنين والاقتصادات والسياسة الخارجية والأمن القومي.
وفي خطاب ألقاه في نيويورك في 21 سبتمبر، قال ميليباند إن تغير المناخ وفقدان الطبيعة يمثلان قضية أمن قومي عاجلة، ودعا إلى إدخالهما ضمن أنظمة تقييم المخاطر وخطط الطوارئ الوطنية.
وأشار إلى أن الصدمة التي تبدأ في دولة واحدة يمكن أن تنتقل بسرعة إلى دول أخرى عبر سلاسل الإمداد والأسواق المالية وأنماط الهجرة.
ماذا يقول التقرير الاستخباراتي؟
بحسب «الجارديان»، خلص تقرير اللجنة الاستخباراتية المشتركة إلى أن انهيار أنظمة بيئية عالمية رئيسية، مثل غابات الأمازون وحوض الكونغو، نتيجة الضغوط المناخية وتدمير الطبيعة، يمكن أن تكون له تداعيات على الأمن القومي في أنحاء العالم.
وكان التقرير، وفق الصحيفة، مقررًا نشره في أكتوبر من العام الماضي، لكنه لم يُنشر في موعده. وأصدرت الحكومة لاحقًا نسخة منقحة في يناير بموجب قانون حرية المعلومات، بينما استمرت المطالبات بنشر النسخة الكاملة.
وتشير هذه النقطة إلى أن أجزاء من التقرير لا تزال غير متاحة للجمهور، وبالتالي فإن تقييمه الكامل يظل محدودًا بما ظهر في النسخة المنقحة وما كشفته الحكومة أو التقارير الصحفية عنه.
مناخ أكثر اضطرابًا.. ومخاطر تتجاوز الحدود
قال الجنرال البريطاني المتقاعد وخبير الأمن ريتشارد نوجي، في تصريحات نقلتها «الغارديان»، إن الحكومات ينبغي أن تتعامل مع المخاطر المناخية باعتبارها جزءًا من منظومة الأمن القومي، على غرار مخاطر أخرى يمكن أن تعطل البنية التحتية والاقتصاد.
وربط نوجي بين أزمة المناخ ومخاطر محتملة على الأمن الغذائي والطاقة والمياه والهجرة، مشيرًا إلى أن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن هذه الأزمات يمكن أن تزيد من هشاشة بعض المجتمعات.
لكن هذه التفسيرات تمثل تقييمات لخبراء ومسؤولين، وليست بالضرورة توقعات مؤكدة لوقوع صراعات أو أزمات أمنية بعينها.
بريطانيا تنشئ منصبًا خاصًا للأمن المناخي
في إطار إعادة تنظيم تعاملها مع هذه المخاطر، أعلن ميليباند اعتزامه تعيين ممثل خاص للأمن المناخي، إلى جانب تشكيل فريق وزاري معني بمخاطر الأمن والمرونة المرتبطة بتغير المناخ وفقدان الطبيعة.
وسيضم الفريق، وفق ما أُعلن، خبراء في المجالين العسكري والأمني إلى جانب علماء في المناخ.
كما أعلنت بريطانيا تقديم 330 مليون جنيه إسترليني إلى مرفق البيئة العالمية، لتمويل جهود حماية الغابات والمحيطات وغيرها من النظم البيئية الحيوية في الدول النامية.
وفي خطابه الرسمي، أكد ميليباند أن الحكومة البريطانية تريد إدماج المناخ والطبيعة في أنظمة الأمن القومي وتقييم التهديدات وخطط الطوارئ.
الغذاء والطاقة في قلب المخاطر
ولا تقتصر المخاطر المرتبطة بـ«إل نينيو» على الطقس المباشر، إذ تشير الحكومة البريطانية إلى احتمال تأثر سلاسل إمدادات الغذاء العالمية نتيجة انخفاض المحاصيل وارتفاع الأسعار في مناطق تعاني أصلًا من ضعف الأمن الغذائي.
كما يمكن للتغيرات في أنماط الطقس أن تزيد الطلب العالمي على الغاز الطبيعي المسال، ما يضيف ضغوطًا إلى أسواق الطاقة التي تواجه بالفعل حالة من عدم اليقين الجيوسياسي.
وتوضح هذه التأثيرات كيف يمكن لظاهرة مناخية تبدأ في المحيط الهادئ أن تتحول إلى عامل ضغط يمتد إلى الغذاء والطاقة والأسواق والهجرة والسياسة الخارجية.
من قضية بيئية إلى ملف أمني
يعكس التحرك البريطاني اتجاهًا نحو توسيع مفهوم الأمن المناخي، بحيث لا يقتصر على حماية الدول من ارتفاع درجات الحرارة أو الكوارث الطبيعية، وإنما يشمل أيضًا المخاطر غير المباشرة الناتجة عن اضطراب النظم البيئية وسلاسل الإمداد والاقتصادات.
وقال ميليباند في خطابه الرسمي إن الدول الأكثر استعدادًا للمستقبل ستكون تلك التي تتعامل مع المناخ والطبيعة باعتبارهما جزءًا من الأمن الاقتصادي والقومي، وتعمل على توقع المخاطر والاستثمار في المرونة قبل وقوع الأزمات.
وفي المقابل، أثار النائب البريطاني أدريان رامساي، الذي طالب بإتاحة التقرير الاستخباراتي كاملًا، تساؤلًا حول سبب استمرار عدم إطلاع أعضاء البرلمان البريطاني على النسخة الكاملة، ولماذا لم تنشر الحكومة ردها التفصيلي على النتائج التي يتضمنها التقرير، وفق ما نقلته «الغارديان».
وبذلك يبرز المناخ في السياسة البريطانية باعتباره ملفًا يتقاطع بصورة متزايدة مع الأمن الغذائي والمائي والطاقة والهجرة والاقتصاد والسياسة الخارجية، بينما يظل جزء من الأساس الاستخباراتي الذي تستند إليه هذه المخاوف غير متاح بالكامل للرأي العام.





