تقارير الجوع العالمية تُخفي الحقيقة.. أزمات غذائية أقل تقديرًا مما هي عليه
واحد من كل خمسة جوعى خارج الإحصاءات الرسمية
يمكن للجوع أن يتفاقم ببطء ومن دون إنذارات واضحة. تبدأ منطقة ما في مواجهة صعوبات غذائية متزايدة، ثم تلحق بها مناطق أخرى سريعًا، بينما تحاول منظمات الإغاثة التدخل في الوقت المناسب، لكنها غالبًا ما تصطدم بتأخر المعلومات أو نقصها.
تكشف دراسة علمية جديدة عن مشكلات أعمق مما كان متوقعًا داخل التقارير العالمية المعنية برصد الجوع. فالنظام الذي طالما اعتُبر ثابتًا وموثوقًا، يتبين الآن أنه يعاني فجوات كبيرة في البيانات، وإشارات غير واضحة، وأخطاء خفية تؤثر في دقة التقدير.
يعتمد نظام «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي» (IPC) على تقييم أنماط الغذاء، واستراتيجيات التكيف، وضغوط الصراعات، وتغيرات الأسعار، إلى جانب تقارير محلية.
وبعد نقاشات مطولة، تُمنح كل منطقة تصنيفًا نهائيًا يحدد درجة خطورة الوضع الغذائي. وعلى عكس الاعتقاد السائد بأن هذه التصنيفات تميل إلى المبالغة، تشير الدراسة الجديدة إلى أنها غالبًا ما تقلل من حجم الأزمة.

توضح الباحثة الرئيسية في الدراسة، هوب ميكلسون، أستاذة اقتصاديات الزراعة والمستهلك بجامعة إلينوي، أن تقييم دقة هذه التحليلات معقد، لأن النظام يهدف أساسًا إلى رصد الأزمات قبل وقوعها. فإذا استجابت الجهات الإنسانية في الوقت المناسب، قد تُخفف الأزمة أو تُجنب، ما يجعل التقديرات تبدو وكأنها غير دقيقة رغم صحتها التحذيرية.
تُعد المرحلة الثالثة في تصنيف IPC نقطة التحول التي يُنظر عندها إلى الجوع باعتباره أزمة تتطلب تدخلًا عاجلًا. إلا أن الدراسة رصدت نمطًا متكررًا يتمثل في وضع كثير من المناطق أسفل هذه العتبة مباشرة، وهو ما يعكس حذر المحللين في ظل نقص المعلومات وعدم اليقين.

تتفاقم المشكلة عندما تتعارض مؤشرات الجوع المختلفة؛ فبعض الأدوات تقيس نوعية الغذاء، وأخرى ترصد سلوكيات التكيف مثل تخطي الوجبات، بينما تتابع أدوات إضافية فترات انقطاع الطعام بالكامل. وعند تضارب هذه الإشارات، يميل المحللون إلى اختيار التقدير الأقل حدة.

في مناطق النزاع، تعرقل القيود الأمنية جمع البيانات، فيما تغيّر الأسر سلوكها بسرعة أكبر من قدرة المسوح على الرصد، باللجوء إلى تقليل الوجبات أو بيع الأصول الأساسية. ونتيجة لذلك، تصل التقارير متأخرة أو غير مكتملة، فتبدو الأزمات أقل خطورة مما هي عليه فعليًا.
كما تؤثر اعتبارات سياسية في التقارير، إذ قد تعترض بعض الحكومات على التصنيفات القاسية، بينما تخشى منظمات الإغاثة اتهامها بالمبالغة.

وتشير نتائج الدراسة إلى أن التقليل من حجم الجوع هو النمط الغالب، في حين نادرًا ما تظهر مبالغة في الأرقام. ووفقًا للباحثين، فإن نحو واحد من كل خمسة أشخاص يواجهون خطرًا شديدًا لا يظهرون في الإحصاءات الرسمية.
يحذر الباحثون من أن انخفاض التقديرات الرسمية يقلل من تدفق التمويل والمساعدات، ما يجعل التعافي أكثر صعوبة، ويؤدي إلى فقدان الأسر لمصادر رزقها وأدواتها الإنتاجية بوتيرة أسرع.

وتخلص الدراسة، المنشورة في دورية «نيتشر فود»، إلى أن تحسين رصد الجوع عالميًا يتطلب بيانات أوضح، وشفافية أكبر في اتخاذ القرار، والاعتراف بحدود التقدير عند نقص المعلومات، بما يسمح بتدخل أسرع وحماية عدد أكبر من الأسر قبل تفاقم الأزمات.





