د.رفعت جبر: ساعة الحقيقة في إسلام آباد.. ترامب وإعادة هندسة الشرق الأوسط
عضو المجلس الأعلى للثقافة- رئيس قسم التقنية الحيوية بكلية علوم القاهرة
قراءة جيوسياسية في لحظة إقليمية متوترة: إسلام آباد بين اختبار الدبلوماسية وإعادة تشكيل موازين القوى
تدخل المنطقة والعالم مرحلة شديدة الحساسية من إعادة تشكل موازين النفوذ، حيث تتقاطع الأزمات الإقليمية مع تحولات كبرى في بنية النظام الدولي، وسط تصاعد غير مسبوق في الاستقطاب السياسي والدبلوماسي والاقتصادي.
وفي هذا السياق، تبرز المفاوضات الجارية في إسلام آباد باعتبارها إحدى المحطات التي تعكس حجم التعقيد في المشهد، أكثر من كونها نقطة حسم نهائية.
أولًا: تحولات في الموقف الدولي تجاه الصراع في الشرق الأوسط
تشير التطورات الأخيرة إلى اتساع رقعة النقاش الدولي حول سياسات القوة في الشرق الأوسط، مع تزايد حدة الجدل داخل العواصم الغربية والآسيوية بشأن تداعيات الصراعات الممتدة في المنطقة.
ويُلاحظ أن الخطاب الدولي لم يعد أحادي الاتجاه كما في العقود السابقة، إذ بدأت تظهر تباينات داخل بعض التكتلات السياسية التقليدية، سواء داخل أوروبا أو خارجها، حول أدوات التعامل مع الأزمات، وحدود الدعم السياسي والاقتصادي للأطراف المتنازعة.
كما برزت في السنوات الأخيرة موجة من النقاشات داخل الرأي العام العالمي، خصوصًا في الأوساط الشبابية والمؤسسات الحقوقية، حول قضايا القانون الدولي الإنساني، وازدواجية المعايير في تطبيقه، وهو ما انعكس على شكل ضغوط سياسية متزايدة على الحكومات.
في المقابل، تستمر بعض الدول في تبني مواقف أكثر براغماتية، تربط بين اعتبارات الأمن الإقليمي وحسابات المصالح الاقتصادية والاستراتيجية، ما يجعل المشهد الأوروبي والأطلسي أكثر تباينًا من أي وقت مضى.
ثانيًا: السياسة الأمريكية بين الردع وإعادة التموضع
تُظهر السياسات الأمريكية في المرحلة الراهنة مزيجًا من أدوات الضغط الاقتصادي والدبلوماسي والعسكري غير المباشر، في إطار ما يمكن وصفه بمحاولة إعادة ضبط التوازنات في عدد من الملفات الإقليمية الحساسة.
وتقوم هذه المقاربة على استخدام أدوات متعددة، تشمل العقوبات الاقتصادية، والضغوط الدبلوماسية، وتعزيز التحالفات العسكرية، بهدف التأثير في سلوك بعض الأطراف الإقليمية ودفعها نحو تفاهمات جديدة.
غير أن هذه السياسة تواجه في المقابل حدودًا واضحة، تتمثل في تعقيد التشابكات الإقليمية، وتعدد الفاعلين الدوليين، وصعوبة فرض حلول أحادية في بيئة متعددة الأقطاب بشكل متزايد.
ثالثًا: روسيا والصين ومعادلة التوازن العالمي
في المقابل، تواصل كل من روسيا والصين توسيع حضورهما في النظام الدولي عبر أدوات مختلفة، تجمع بين النفوذ الاقتصادي والدبلوماسي والتقني.
وتسعى موسكو إلى تعزيز موقعها من خلال توظيف الملفات الأمنية والعسكرية في محيطها الإقليمي والدولي، بينما تعتمد بكين بشكل أكبر على أدوات الاقتصاد وسلاسل الإمداد والاستثمارات طويلة الأجل، ضمن رؤية أوسع لإعادة تشكيل قواعد العولمة.
هذا التباين في الأدوات لا يلغي وجود تقاطع مصالح في بعض الملفات، خصوصًا في ما يتعلق بالحد من الهيمنة الأحادية في النظام الدولي، وهو ما يضيف طبقة إضافية من التعقيد إلى أي مفاوضات أو أزمات إقليمية كبرى.
رابعًا: سيناريوهات مفتوحة لمستقبل المنطقة
في ظل هذا التشابك، يمكن رسم عدة سيناريوهات محتملة لمسار المرحلة المقبلة:
1. سيناريو التفاهمات الجزئية:
وهو يقوم على الوصول إلى ترتيبات مرحلية تخفف من حدة التوترات، دون معالجة الجذور العميقة للأزمات، ما يعني استقرارًا هشًا قابلًا للاهتزاز في أي لحظة.
2. سيناريو التصعيد المحدود:
وفيه تستمر الضغوط المتبادلة دون انفجار شامل، مع تصاعد أدوات الحرب الاقتصادية والسيبرانية والدبلوماسية، بما يحافظ على حالة “اللا حرب واللا سلم”.
3. سيناريو الانفجار الإقليمي الواسع:
وهو السيناريو الأخطر، ويعني انتقال التوترات إلى مستويات صدام أوسع قد تشمل أطرافًا دولية متعددة، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد.
خامسًا: إعادة تعريف القوة في النظام الدولي
ما تشهده المرحلة الحالية لا يقتصر على أزمة سياسية أو تفاوضية هنا أو هناك، بل يعكس تحولًا أعمق في مفهوم القوة ذاته، حيث لم تعد القوة تُقاس فقط بالقدرات العسكرية، بل بمدى القدرة على إدارة التعقيد، وبناء التحالفات، وتوجيه الاقتصاد العالمي.
كما أن الشرعية الدولية نفسها أصبحت محل نقاش متزايد، في ظل تصاعد الأصوات المطالبة بإصلاح آلياتها، بما يضمن قدرًا أكبر من التوازن والتمثيل والعدالة في اتخاذ القرار.
خاتمة تحليلية
يمكن القول إن العالم يمر بمرحلة “إعادة ضبط كبرى” لم تكتمل ملامحها بعد، حيث تتداخل الأزمات مع التحولات البنيوية في النظام الدولي.
وفي مثل هذه اللحظات، لا تكون النتائج محسومة مسبقًا، بل تتشكل تدريجيًا عبر تفاعل معقد بين القوى الكبرى والإقليمية، وبين الاقتصاد والسياسة والأمن.
وبينما تتجه الأنظار إلى المفاوضات الجارية، يبقى المؤكد أن ما بعدها لن يكون كما قبلها، وأن العالم يتحرك نحو صيغة جديدة لم تتبلور بعد، لكنها بالتأكيد ستعيد تعريف مفهوم الاستقرار ذاته في السنوات المقبلة.
Share
- إرسال رابط بالبريد الإلكتروني إلى صديق (فتح في نافذة جديدة) البريد الإلكتروني
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- المشاركة على LinkedIn (فتح في نافذة جديدة) LinkedIn
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Telegram (فتح في نافذة جديدة) Telegram
- المشاركة على WhatsApp (فتح في نافذة جديدة) WhatsApp
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
- المشاركة على Reddit (فتح في نافذة جديدة) Reddit
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- المشاركة على Mastodon (فتح في نافذة جديدة) Mastodon
- المشاركة على Nextdoor (فتح في نافذة جديدة) Nextdoor
- المشاركة على Bluesky (فتح في نافذة جديدة) Bluesky





