د.ضحي عبد الحميد: دروس اجتماعات الربيع 2026.. خريطة إصلاح اقتصادي جديدة لمصر
خبير دولي في سياسات الاقتصاد التمويلي
دروس الاقتصادات الصاعدة والنامية من اجتماعات الربيع 2026 لصندوق النقد والبنك الدولي.. رؤية استراتيجية لمصر
تنعقد كل عام في واشنطن اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، لتجمع حكومات ومؤسسات مالية ومراكز بحثية وممثلي قطاع خاص من أكثر من 190 دولة في منتدى واحد، يُقيّم المشهد الاقتصادي العالمي ويرسم ملامح السياسات المطلوبة للأشهر والسنوات القادمة.
وعلى عكس ما قد يبدو من الخارج، فإن هذه الاجتماعات ليست مجرد تجمع دبلوماسي، بل هي في جوهرها المحطة التي تُطلق منها الإشارات التي توجّه الإصلاحات على المستوى الوطني وتُحدد اتجاهات التمويل الدولي للسنوات القادمة.
ولاقتصادات الأسواق الصاعدة والدول النامية أهمية مضاعفة في متابعة هذه الاجتماعات وقراءة مخرجاتها بعين ناقدة وبنّاءة في آنٍ واحد؛ إذ إن هذه الدول هي الأكثر تأثراً بتقلبات الاقتصاد العالمي، والأشد حاجةً إلى ترجمة الدروس المستخلصة إلى أجندات سياسات وطنية فاعلة.
وينطلق هذه المقال من رسائل مخرجات اجتماعات الربيع 2026 لتستخلص الدروس الجوهرية لهذه الاقتصادات، ثم تُقدّم توصيات متصلة بالسياسات موجّهة لمصر في ضوء علاقاتها الوثيقة مع المؤسسات الدولية، وتحدياتها الاقتصادية الملحّة، ومتطلبات المرحلة التالية لانتهاء برنامج الصندوق، مستندةً إلى معايير الحوكمة الرشيدة وأهداف التنمية المستدامة 2030 ورؤية مصر 2030.
أولاً: المشهد الاقتصادي العالمي 2026 — ما وراء النمو؟
خفّض صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو الاقتصادي العالمي في 2026 إلى نحو 3.1% ، في مشهد يكشف هشاشة متزامنةً تطال الاقتصادات المتقدمة والناشئة على حدٍّ سواء.
والأخطر في هذا الرقم أن المؤسسات الدولية باتت تُصنّفه باعتباره تعبيراً عن تحوّل هيكلي عميق لا صدمة مؤقتة عابرة، وهو ما يستدعي استجابةً علي جانب السياسات مختلفة جوهرياً عن أدوات إدارة الأزمات قصيرة المدى التي لجأت إليها الدول في أعقاب الجائحة.
وقد رصدت الاجتماعات منظومةً من المخاطر المركّبة تتشابك فيها أبعاد جيوسياسية واقتصادية وبيئية في آنٍ واحد؛ فالتوترات الجيوسياسية أسهمت في تفكيك سلاسل الإنتاج والتوريد العالمية، فيما أفرز التحلحل التجاري والمالي عقبات حقيقية أمام النمو والاستثمار وانتقال التكنولوجيا.
وفي الوقت ذاته، تُلقي أسعار الفائدة المرتفعة نسبياً بظلالها على تكلفة الاقتراض في الأسواق الناشئة، بينما انتقلت أزمة المناخ من هامش الأجندة الدولية إلى صلب نقاشات الاستقرار المالي الكلي. وهكذا، يبدو المشهد العالمي في 2026 وكأنه دعوة صريحة للتحوّل من منطق إدارة الأزمات إلى منطق بناء المرونة على المدى البعيد.
ثانياً: الدروس الجوهرية للاقتصادات الصاعدة والنامية
أولى هذه الدروس أن السياسة المالية بحاجة إلى إعادة تصميم جذرية. فقد أكدت الاجتماعات أن الهامش المالي المتاح ضيّق في معظم الاقتصادات الناشئة، وأن الدول التي تأخرت في الإصلاح المالي الهيكلي ستجد نفسها عاجزة عن تمويل الاستثمار التنموي حين تحتاج إليه. ويتوزع هذا الدرس على ثلاثة مستويات متكاملة: أولها التحوّل من الموازنة السنوية الضيقة إلى أطر مالية متعددة السنوات تربط إدارة الإيرادات والنفقات بمسار الدين وأهداف النمو، وثانيها إصلاح منظومة الدعم بالتحوّل من الدعم السلعي المُعمَّم إلى تحويلات نقدية موجّهة تحمي المستحقين وتُحرّر موارد للاستثمار، وثالثها تعبئة الإيرادات المحلية لا عبر ضرائب جديدة بالضرورة، بل بسد الثغرات القائمة وترشيد الإعفاءات وتفعيل الضرائب العقارية والمتصلة بالدخول والموارد التي تظل دون إمكانياتها الحقيقية في كثير من هذه الدول.
وثاني هذه الدروس أن إدارة الدين لم تعد مسألةً مالية فنية بحتة، بل باتت اختياراً استراتيجياً. فمع بلوغ أعباء الدين مستويات تاريخية في دول عديدة، يُرسي إجماع دولي متصاعد على أن إعادة هيكلة الدين ليست علامة إخفاق بالضرورة، بل قد تكون أداةً استراتيجية مشروعة حين يكون مسار الدين غير قابل للاستدامة، وأن الشفافية الكاملة في بيانات الدين — بما يشمل الدين شبه السيادي الذي تضمنه الموازنة العامة للدولة— باتت شرطاً جوهرياً للوصول إلى التمويل الميسّر.
أما ثالث الدروس فهو أن النمو الاقتصادي لا يُوجِد فرص العمل تلقائياً. وقد أكدت الاجتماعات على أن جعل خلق الوظائف اللائقة هدفاً صريحاً في أجندة التنمية — لا نتيجةً ضمنية يُفترض أن يُوجِدها النمو الكلي أو أن تتسرب تلقائيا كأداة مصاحبة للنمو— ضرورة لا خيار، لا سيما في الدول ذات الهياكل الاقتصادية التي لا تمتص بطبيعتها الزيادة السنوية الطبيعية في أعداد القوى العاملة.
والدرس الرابع أن المناخ لم يعد ملف بيئة، بل أصبح ملف اقتصاد بامتياز. فالدول النامية التي تُهمل مخاطر المناخ في تخطيطها المالي ودراسات جدوي مشروعاتها القومية والاقليمية تُراكم التزامات طارئة ضخمة — خسائر الكوارث الطبيعية، وتراجع إنتاجية الأراضي الزراعية، وضغوط الهجرة الداخلية — دون أن تأخذها في الحسبان عند إعداد الموازنة أو تقييم الاستدامة المالية.
أما الدرسان الخامس والسادس فيتكاملان معاً: التمويل العام وحده لن يكفي لسد فجوة الاستثمار التنموي، والدول التي تُريد استقطاب رأس المال الخاص عليها أن تُقدّم حوكمة موثوقة وبيئة أعمال جاذبة قبل أن تُقدّم أي حوافز مالية؛ إذ أكد الصندوق والبنك الدولي أن جودة الحوكمة — شفافية الموازنة، واستقلالية الجهات الرقابية، وحماية حقوق الملكية، ومكافحة الفساد — هي العامل المحدد لنجاح أي برنامج إصلاحي، لا الإصلاحات والاجراءات الفنية غير المترابطة في حد ذاتها .
ثالثاً: مصر — الإنجازات والتحديات في مرحلة فارقة
تتمتع مصر بعلاقة تعاون راسخة مع صندوق النقد والبنك الدولي تجلّت في إتمام جولات متعددة من برنامج التمويل الموسّع (EFF) ، وتحقيق تقدم ملموس في ملفات الاستقرار الاقتصادي الكلي؛ إذ تراجع عجز الموازنة، وتحقق فائض أولي تجاوز 3.5% من الناتج المحلي في 2024/2025 ، وتحسّنت الاحتياطيات الدولية لتتجاوز 47 مليار دولار في مطلع 2026. فضلاً عن ذلك، أسهم برنامجا “تكافل وكرامة” في إرساء قاعدة للحماية الاجتماعية الموجّهة، كما أن انتهاج سياسة مرونة سعر الصرف وفّر صمّاماً ضاغطاً أمام تراكم الاختلالات الخارجية.
غير أن هذه الإنجازات لا تُخفي تحديات هيكلية لا تزال تُمثّل ضغطاً حقيقياً على المسار التنموي. فنسبة الدين إلى الناتج المحلي لا تزال تتجاوز 90% فيما تستنزف فاتورة خدمة الدين نحو 40% من إجمالي الإيرادات العامة، مما يُضيّق بشدة هامش الإنفاق الاستثماري والتنموي.
ورغم التراجع النسبي، لا يزال التضخم يضغط على القوة الشرائية للأسر ويُعمّق الفقر، فيما تظل بيئة الأعمال تُعاني من تحديات الحوكمة وضعف تكافؤ الفرص بين القطاعين العام والخاص.
ويزيد على ذلك الهشاشة الخارجية الناجمة عن الاعتماد المرتفع على تدفقات الدولار من السياحة وقناة السويس وتحويلات المصريين في الخارج، التي تبلغ مجتمعةً نحو 35-40 مليار دولار سنوياً في السنوات الأخيرة ، لكنها تظل عرضةً لتقلبات الأوضاع الإقليمية والعالمية كما أثبتت أحداث 2023-2024.
وتبرز في هذا السياق أهمية أن تنتهز مصر مرحلة ما بعد برنامج الصندوق لتُطلق أجندة سياسات جديدة ومتكاملة، تبني على ما تحقق وتعالج ما لم يُعالَج بعد، استناداً إلى معايير الحوكمة الرشيدة وأحكام الدستور المصري لعام 2014 وأهداف التنمية المستدامة ورؤية مصر 2030.
رابعاً: أجندة السياسات الجديدة لمصر — ثماني ركائز متكاملة
الركيزة الأولى: تفعيل الإطار المالي متوسط المدى وأسسه المؤسسية
يمتلك المشرّع المصري بالفعل أداةً تشريعية بالغة الأهمية لم تأخذ حقها في التطبيق الفعلي، وهي قانون الموازنة وخطة التنمية الموحد الصادرين عام 2022 الذي أوجب الانتقال إلى نظام موازنات وخطط البرامج والأداء؛ وهو نظام يربط الإنفاق العام بالأهداف القابلة للقياس والنتائج المُستهدفة وقياسها واعلانها للعامة، بدلاً من منطق تخصيص الاعتمادات القائم على البنود والأرقام المجردة. وتكشف التجربة الدولية — من كوريا الجنوبية إلى البرازيل — أن هذا النظام حين يُطبَّق بجدية يُوفّر على الدول ما بين 10-15% من الإنفاق غير الإنتاجي عبر تحسين الاستهداف والتخصيص.
غير أن تفعيل هذان القانونان وحدهما لن يكفي ما لم يُقترن بـتطبيق أطر مالية فعلية ومفعلة متعددة السنوات — تمتد من ثلاث إلى خمس سنوات — تربط إدارة الإيرادات والنفقات بمسار الدين وأهداف النمو في منظومة متكاملة تتجاوز المنطق السنوي الضيق. ويستدعي ذلك مأسسة مظلة مؤسسية للمتابعة والتقييم تتمتع بالاستقلالية والصلاحية، تضمن التحقق المستمر من أن الإنفاق العام يُحقق أهدافه المُعلنة، وتتماشى مع ما كرّسه الدستور المصري 2014 من مبادئ الحوكمة والمساءلة والشفافية، لا سيما المواد 139 و215 و218 المتعلقة بمنظومة الرقابة والمتابعة والتقييم المستقل. إن مصر تمتلك الأداة التشريعية، وتمتلك الغطاء الدستوري، وما ينقصها هو إرادة التفعيل وبناء المنظومة المؤسسية المُعيِّنة لها.
الركيزة الثانية: تعبئة الإيرادات المحلية — الهامش الأوسع لم يُستغلّ بعد
إذا كان عجز الموازنة مشكلة، فإن جانب الإيرادات يُمثّل الفرصة الأكبر للمعالجة دون اللجوء إلى استنزاف المواطن كما شدد فخامة رئيس الجمهورية في تكليفه للحكومة الجديدة في 10 فبراير 2026. فنسبة الإيرادات الضريبية إلى الناتج المحلي في مصر لا تتجاوز نحو 15% ، في حين يبلغ متوسط الدول متوسطة الدخل نحو 22%، وهو ما يُمثّل فجوةً هيكلية تعكس بالدرجة الأولى ضعف الاستيفاء الضريبي وانتشار الإعفاءات غير المبررة واتساع نطاق الاقتصاد غير الرسمي الذي يُقدَّر بنحو 30-40% من النشاط الاقتصادي. والمطلوب ليس فرض ضرائب جديدة تُثقل كاهل المواطن والمستثمر، بل سد الثغرات القائمة: تطوير منظومة الإدارة الضريبية الرقمية، ومراجعة الإعفاءات الضريبية وإلغاء غير المبرر منها، وتفعيل الضريبة العقارية بيسر واقناع بما لا يؤثر علي الدخول الدنيا والمتوسطة حيث تظل متأخرة بفارق كبير عن إمكانياتها الحقيقية وتوجيهها للتنمية المحلية وليس لسداد عجز الموازنة، وإدماج القطاع غير الرسمي بأسلوب تحفيزي لا عقابي يُشجّع على الانضواء في المنظومة الرسمية. والهدف المُعلَن أن ترتفع نسبة الإيرادات إلى الناتج إلى 20-22% بحلول 2030.
الركيزة الثالثة: إدارة الدين العام — من اطفاء الحرائق اليومي إلى التخطيط الاستراتيجي
لا يكفي أن تنخفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي إذا ظل هيكل الدين هشاً تجاه مخاطر سعر الفائدة وسعر الصرف وإعادة التمويل. والمطلوب هنا مسار إدارة دَيْن استراتيجي على عدة محاور متوازية: تطوير أداء الوحدة المتخصصة لإدارة الدين بتوفير صلاحيات تشغيلية واضحة لها والزامها بنشر تقارير شفافة دورية، وتمديد متوسط آجال الدين بمهارة للحد من ضغوط إعادة التمويل المتكررة، وتنويع عملات الاقتراض وقاعدة الدائنين، فضلاً عن الاستفادة من أدوات مبتكرة مثل مبادلات الدين بمشروعات المناخ (debt-for-climate swaps) التي وسّع البنك الدولي وشركاؤه نطاقها بعد اجتماعات الربيع 2026، وتُتيح لمصر تحويل جزء من أعباء الدين إلى استثمارات في بدائل الطاقة المتجددة الموفرة والمجدية والزراعة المقاومة للمناخ.
الركيزة الرابعة: الحماية الاجتماعية الذكية — حماية الفقراء لا الفقر ذاته
تُعدّ الحماية الاجتماعية الركيزة الأكثر حساسيةً سياسياً والأكثر أهميةً إنسانياً في آنٍ واحد. والمنطق الذي تُكرّسه المؤسسات الدولية والتجارب الناجحة على حدٍّ سواء هو الانتقال التدريجي من الدعم السلعي المُعمَّم إلى تحويلات نقدية موجّهة تصل إلى من يستحقها فعلاً. وقد أثبت برنامجا “تكافل وكرامة” فاعليتهما كأداة استهداف، غير أن المطلوب الآن توسيع قاعدة المستفيدين لتُغطّي شرائح تتسع مع الأزمات المتتالية تقع في منطقة الهشاشة دون أن تكون مُسجّلة رسمياً في قوائم الفقر، وربط هذه البرامج بمعايير التشغيل والتعليم والرعاية الصحية لتحقيق أثر تنموي متراكم بدلاً من الاكتفاء بالمساعدة الآنية. كما أن توظيف الرقمنة في تحسين الاستهداف ومنع التسرب قادر وحده على تحسين كفاءة الإنفاق الاجتماعي بنسبة تُقدَّر بـ20-25%..
الركيزة الخامسة: استراتيجية التشغيل الوطنية — النمو الغني بفرص العمل اللائقة
يُضيف سوق العمل المصري كل عام نحو 900,000 إلى مليون شاب وشابة جديدة إلى قوة العمل, ، في حين تظل معدلات البطالة بين الشباب (15-29 سنة) أعلى من المعدل العام بفارق ملحوظ. والمعضلة الجوهرية أن النمو الاقتصادي الكلي — حتى حين يكون مرتفعاً — لا يُوجِد تلقائياً النوع والكم المطلوبين من الوظائف (لا تسرب تلقائي no trickle down effect). لذا، تستوجب هذه المرحلة استراتيجية تشغيل وطنية شاملة تستند إلى ثلاث روافع متكاملة.
الرافعة الأولى هي تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة والمتناهية الصغر (MSMEs)، التي تُمثّل بحسب التقديرات نحو 75% من إجمالي فرص العمل في القطاع الخاص وتتوفر اليوم منظومة تمويلية متنشعبة تشمل جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة MSMEDA)) ومبادرات البنك المركزي بفائدة مُيسَّرة من خلال الجهاز المصرفي، لكنها تحتاج إلى ربط أكثر انتظاماً بالتجمعات الصناعية المتخصصة التي تُوفّر للمشروعات بنية تحتية مشتركة وخدمات مُتكاملة وفرص تسويقية، بما يُخفّض تكاليف الإنتاج ويُعظّم القيمة المضافة.
والرافعة الثانية هي تمكين الشباب والمرأة في الزراعة من خلال التجمعات الزراعية التي تُوفّر أراضي بأسلوب ميسّر، وتربط المنتج بمدخلات الإنتاج ومخرجاته في منظومة متكاملة. وهنا تبرز أهمية التجربة التي تُقدّمها مؤسسة مستقبل مصر للتنمية المستدامة التي تمتلك مساحات زراعية واسعة وبنية لوجستية وتسويقية، وتستطيع أن تربط الإنتاج باحتياجات السوق المحلية قبل التفكير في التصدير. إن الأولوية القصوى يجب أن تكون تأمين الغذاء الأساسي للمواطن وخفض أسعاره محلياً، مما يُحارب الغلاء ويكسر حلقة استيراد التضخم الناجمة عن انسداد سلاسل الإمداد العالمية، ثم يأتي التصدير بعد ذلك استغلالاً للفائض لا على حساب الأمن الغذائي المحلي.
أما الرافعة الثالثة فهي الاقتصاد الرقمي وريادة الأعمال التكنولوجية، اللذان يُمثّلان الفرصة الأسرع توليداً لفرص عمل جديدة في أوساط الشباب، ويحتاجان إلى تبسيط في الإجراءات التأسيسية وتعميق في التعليم التكنولوجي والبرمجي على مستوى مناهج الجامعات والمعاهد الفنية.
الركيزة السادسة: الطاقة — الأزمة والفرصة في إناء واحد
واجهت مصر في السنوات الأخيرة أزمة طاقة حادة أثّرت على الإنتاج وعلى الحياة اليومية للمواطنين وعلى جاذبية البيئة الاستثمارية.
والمدخل الصحيح لعلاج هذه الأزمة ليس الإغراق في زيادة الطاقة الإنتاجية من الوقود الأحفوري بتكاليف متصاعدة وتداعيات بيئية ومالية مُتراكمة، بل التحوّل الجاد والمتسارع نحو أجدى وسائل الطاقة المتجددة وأأمنها؛ فمصر تمتلك من الموارد الشمسية والرياح ما يجعلها من أكثر دول العالم تأهلاً لهذا التحوّل، حيث يُقدَّر معدل الإشعاع الشمسي في معظم أراضيها بـ 2,000-3,200 كيلوواط ساعة لكل متر مربع سنوياً .
إن التوسّع في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح — لا سيما في محور خليج السويس والبحر الأحمر — يُتيح خفض فاتورة الوقود وتحرير عائدات الغاز للتصدير، مع جذب الصناعات الخضراء ذات القيمة المضافة العالية التي تتراكم الطلبات عليها عالمياً في ظل اشتراطات الكربون الأوروبية المتصاعدة.
الركيزة السابعة: استقطاب الاستثمار الخاص والشراكة الحقيقية مع القطاع الخاص
التمويل العام وحده لن يكفي. والتجربة تُثبت أن مصر تمتلك مقومات الجذب الاستثماري — موقعاً جغرافياً فريداً، وسوقاً استهلاكية ضخمة تتجاوز 105 ملايين نسمة، وبنية تحتية متطورة نسبياً — غير أن جذب الاستثمار يستوجب أولاً تسريع برنامج الطروحات العامة بما لا يؤثر علي مقدرات الأمن القومي بجداول زمنية صارمة وشفافة، وترسيخ مبادئ الحياد التنافسي بين الشركات الحكومية والخاصة التي طالما طالب بها المستثمرون الأجانب والمحليون على حدٍّ سواء.
ويُضاف إلى ذلك بناء منظومة ضمانات تمويلية بالتعاون مع مؤسسات التمويل الدولية كمؤسسة التمويل الدولية (IFC) ووكالة ضمان الاستثمار متعدد الأطراف (MIGA)، تُخفّض المخاطر المُدركة في السوق المصرية، وربط سياسات استقطاب الاستثمار الأجنبي المباشر بمعايير المكوّن المحلي وخلق فرص العمل واحلال الواردات وتعزيز الصادرات ونقل التكنولوجيا وايرادات العملة الصعبة والاعتبارات البيئية والاجتماعية بدلاً من الاكتفاء بالأرقام الإجمالية.
الركيزة الثامنة: الحوكمة الرشيدة — الرابط الذي يُحدد النجاح أو الإخفاق
لا تعمل الركائز السبع السابقة بمعزل عن منظومة الحوكمة؛ فهي في النهاية بيئة السياسات لا مجرد إجراءات مُصاحِبة.
وتقتضي متطلبات هذه المرحلة تعزيز شفافية الموازنة العامة ومساءلة الإنفاق الحكومي والاستثماري وفق المعايير الدولية كـالمعايير الدولية للمحاسبة في القطاع العام (IPSAS) وإطار الانفاق العام والمساءلة المالية (PEFA) ، وبناء منظومة رقابة مستقلة وفاعلة على أداء المؤسسات العامة والشركات الحكومية، وترسيخ ثقافة تقييم الأثر الفعلي للسياسات العامة التي تظل غائبة إلى حد بعيد.
كما أن الانضمام إلى مبادرات الشفافية الدولية كمبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية (EITI) ومبادرة الشراكة الحكومية المفتوحة (OGP) يُعزز المصداقية الدولية ويفتح أبواباً لتمويل إضافي ميسّر.
وتستند هذه الركيزة كلها إلى ما أرسته المواد 218 و219 و220 من الدستور المصري 2014 من منظومة رقابية ومحاسبية تنسيقية عليا يستوجب العمل على تفعيلها بالكامل بصورة فورية وتتسق مع معايير أفضل المماريات الدولية.
خامساً: مصر والمؤسسات الدولية — توظيف العلاقة لا الاتكاء عليها
تمتلك مصر رصيداً متراكماً من العلاقات والخبرة مع صندوق النقد والبنك الدولي، لكن المرحلة القادمة تستوجب توظيف هذه العلاقة بعقلية مختلفة: من موقع طالب التمويل إلى موقع الشريك الاستراتيجي.
ويعني ذلك الاستفادة من الأدوات الجديدة للصندوق كتسهيل الصمود والاستدامة (RSF) لتأمين تمويل ميسّر في مجالات المناخ وتحوّل استخدامات الطاقة النظيفة والفعالة كمنظمة للأمن القومي والاستراتيجي الأقليمي، والمشاركة الفاعلة في نقاشات إصلاح منظومة الحوكمة المالية الدولية والمطالبة بتمثيل أوسع للاقتصادات الصاعدة في صنع القرار.
كما يعني توظيف برامج بناء القدرات ورسم السياسات الرشيدة التي تُقدّمها المؤسستان في مجالات الإدارة الضريبية والإحصاء وإدارة الدين العام، باعتبارها استثماراً في الكفاءة المؤسسية للدولة، واستغلال التجربة المصرية في الإصلاح لبناء شراكات تنموية مع الاقتصادات الأفريقية والعربية مما يُعزز مكانة مصر الإقليمية ويفتح آفاقاً جديدة للتعاون والتجارة البينية دون تعويق اختناقات سلاسل الامداد البحري والجوي الحالية.
خاتمة: نحو عقد اقتصادي واجتماعي جديد
تكشف مخرجات اجتماعات الربيع 2026 أن العالم يعيش لحظة تحوّل هيكلي حقيقي لا تُجدي معه الحلول التجميعية ولا الإصلاحات المتقطعة أو المتبعثرة.
والدول التي ستنجح في هذه المرحلة ليست بالضرورة الأوفر حظاً بالموارد، بل الأكثر قدرةً على بناء سياسات متماسكة وحوكمة رشيدة وشراكات مبتكرة مع القطاع الخاص والمجتمع الدولي.
لمصر رصيد من الإنجازات يُبنى عليه، وموقع جغرافي وجيوسياسي فريد يُوظَّف، وعلاقات دولية راسخة تُستثمر، وإمكانات بشرية وموارد طبيعية تنتظر المزيد من التعبئة الصحيحة—ومنها ما طالعاتنا به الصحف من قرارات لتنقيب الشركات الوطنية لمنابع البترول والغاز في سيناء ومسح جيولوجي معمق للاراضي المصرية للمعادن.
والثماني ركائز التي يقدّمها هذا المقال ليست وصفة جاهزة بل إطار تفكير يدعو إلى التكامل الفكري المنطقي لا التتالي والتتابع علي أساس ردود أفعال دون أهداف استراتيجية ثابتة لا تحيد، وإلى المأسسة لا المشروعات المنفردة، وإلى الحوكمة كمدخل وأداة خلق وتصويب مسارات لا كمخرج.
إن مصر تمتلك من الأدوات التشريعية — كقانون الموازنة الموازنة والخطة 2022 — ومن الغطاء الدستوري — كمواد الحوكمة والمساءلة في دستور 2014 — ومن الأطر الاستراتيجية — كرؤية 2030 — ما يجعل الانطلاق ممكناً اليوم قبل الغد وفي خضم أعتي الأنواء مهما عظمت، على أن يكون الانطلاق نحو دولة تنموية مستدامة تجعل من الوظيفة اللائقة وحماية الفقير واستدامة المالية العامة وجودة الحوكمة وإدماج المناخ عقداً اقتصادياً واجتماعياً جديداً يُحقق مستهدفات رؤية 2030 ويُرسّخ مكانة مصر شريكاً موثوقاً وفاعلاً في النظام الاقتصادي الدولي الجديد.





