د.خالد الخولي: خريجو الزراعة.. من انتظار الوظيفة إلى صناعة الفرص في عصر الاقتصاد الأخضر
أستاذ فسيولوجيا الدواجن بجامعة دمياط
يتخرج آلاف الشباب سنوياً من قاعات كليات الزراعة، يحملون بين أيديهم شهاداتهم، وفي قلوبهم أملاً بوظيفة حكومية ثابتة.
لكن الواقع غالباً ما يفتح لهم أبواباً مغلقة، وقوائم انتظار طويلة، وميزانيات توظيف شبه مجمدة. في تلك اللحظة، يتردد سؤال مؤرق في الأذهان: هل كانت هذه السنوات مجرد تحضير للانتظار؟ الجواب، كما يكشفه واقع الزراعة اليوم، هو نفي قاطع.
فما يُصوَّر كطريق مسدود، هو في الحقيقة مفترق طرق تتشعب منه فرص لم تكن موجودة قبل عقد من الزمان، ولم تكن لتُخطر ببال من درس الزراعة بمنطق العقود الماضية فدائماً ما أؤمن أن خريجوا كليات الزراعة يتخرجون ومعهم صنعة ولكنها ليست كأي صنعة إنها صنعة الأمن الغذائي الذي لا يُستغنى عنه في أي دولة وفي أي عصر.
تحول جذري في القطاع الزراعي
ولم يعد المهندس الزراعي اليوم موظفاً ينتظر تعييناً في وزارة أو مديرية زراعة. لقد تحوّل القطاع تحت وطأة الثورة الرقمية، وتغير أنماط الاستهلاك إلى مختبر حيّ للإبداع.
المزارع الذكية التي تراقب رطوبة التربة لحظة بلحظة، والمنصات الرقمية التي تربط المزارع الصغيرة بالمطعم الفاخر، والشركات الناشئة التي تصمم أنظمة ري أو مزارع دواجن تعمل بالطاقة الشمسية، كلها لا تنتظر موظفين تقليديين، بل تبحث عن عقول تفهم التربة أو الحيوان الزراعي كما تفهم البيانات، وتعرف النبات أو الحيوان كما تعرف السوق، وتدرك أن الزراعة لم تعد نشاطاً معزولاً، بل سلسلة قيمة مترابطة تبدأ من البذرة وتنتهي عند قرار المستهلك.
وفي خضم هذا التحول، تبرز حقيقة قد تغيب عن بال الكثيرين: أن النجاح خارج الأسوار الحكومية لا يُقاس بالحجم الأولي للمشروع، بل بالقدرة على التحول من “طالب وظيفة” إلى “صانع قيمة”.
فالفرق الجوهري ليس في المسمى الوظيفي، بل في العقلية التي تقود المسار. من ينظر إلى شهادته كـ”حق مكتسب” في وظيفة، سيظل ينتظر من يمنحه إياها.
أما من يراها كـ”أداة إنتاج” في يده، فسيسأل نفسه: ما الذي يمكنني صنعه بهذه الأداة؟ ومن يمكنني مساعدته؟ وما المشكلة التي أستطيع حلها في سلسلتي الغذائية المحلية؟
عقلية تصنع الفارق
هنا، يتحول الحقل أو المزرعة من مجرد مكان للعمل إلى مساحة للتفكير الإبداعي. المزارع الصغير لم يعد مجرد وحدة إنتاج، بل قد يكون مختبراً لتجربة صنف جديد مقاوم للجفاف، أو منصة لتدريب شباب القرية على تقنيات الري الحديثة أو مشاريع الإنتاج الداجني، أو حتى وجهة لرحلة مدرسية تتعلم فيها الأجيال القادمة من أين يأتي طعامها.
المهندس الزراعي في هذا المشهد ليس تقنياً ينفذ تعليمات، بل هو حلقة وصل بين التراث الزراعي الأصيل والابتكار المعاصر، بين حاجة المزارع البسيط وتوقعات المستهلك الواعي، بين تحديات المناخ المحلي وحلول التكنولوجيا العالمية.
ولا يأتي هذا التحول بمعزل عن الآخرين. فأكبر الدروس التي يتعلمها من نجحوا في هذا المسار هي أن “النجاح الفردي المستدام يُبنى على شبكات تعاونية”.
المزرعة كمجال للابتكار
التعاونية الزراعية الصغيرة، تحالف المزارعين لتسويق منتجهم، الشراكة بين خريج زراعي وخبير تسويق رقمي، أو حتى مجموعة خريجين يتشاركون في استئجار مختبر لتحليل التربة أو في مشروع لاند سكيب أو مزارع دواجن وهكذا– كلها نماذج تثبت أن القوة في التكامل، لا في الانعزال. في عالم تتشابك فيه التحديات، لم تعد الإجابة الفردية كافية.
الزراعة، في جوهرها، فعل تعاوني: بين الإنسان والتربة، بين الموسم والمخزون، بين المنتج والمستهلك. فلماذا لا يكون بناء المسار المهني على نفس المنطق؟
أما عن الخوف من الفشل، فهو رفيق كل رحلة جادة. لكن الفشل في مشروع خاص يختلف جذرياً عن الانتظار السلبي لوظيفة. الأول يعلمك دروساً لا تقدر بثمن: كيف تقرأ السوق، كيف تدير الموارد المحدودة، كيف تتفاوض، وكيف تنهض بعد خسارة. هذه الدروس تصنع شخصية مهنية مرنة، قادرة على التكيف مع أي متغير.
التكامل بدلًا من الفردية
بينما الانتظار الطويل، حتى لو انتهى بتعيين، قد يزرع عقلية الاعتماد على الآخر، ويحد من الجرأة على المبادرة. في نهاية المطاف، السوق الحقيقي لا يكرم الشهادات فقط، بل يكرم القدرة على خلق قيمة مستمرة، وحل مشاكل حقيقية، والتكيف مع المتغيرات.
لذا، حين يقف الخريج اليوم أمام مفترق الطرق، فليسأل نفسه سؤالاً مختلفاً: لا “أين سأجد وظيفة؟”، بل “أي أثر أريد أن أترك في منظومة الغذاء من حولي؟”.
الإجابة قد تقوده إلى حقل أو مزرعة صغير يزرعه بطرق مستدامة، أو إلى منصة رقمية يربط فيها المنتجين بالمستهلكين، أو إلى منظمة تعمل على تمكين المزارعات في الريف، أو حتى إلى قلم يكتب عن الزراعة بلغة يفهمها الجيل الجديد. المسارات متعددة، لكن البوصلة واحدة: أن تكون جزءاً من الحل، لا مجرد منتظر للفرصة.
مهارات تفرضها المرحلة
وفي الأفق البعيد، تتضح صورة مستقبل حيث لا يكون “خريج الزراعة” تخصصاً جامعياً تقليدياً، بل هوية لمبتكرين، ورواد أعمال، وحراس للتنوع الحيوي، ومهندسين لنظم غذائية مرنة. مستقبل لا ينتظر فيه الشباب أن تخلق لهم الوظائف، بل يخلقونها لأنفسهم ولغيرهم، محولين التحديات إلى فرص، والأرض إلى مصدر إلهام لا ينضب.
هذه ليست أمنية حالمة، بل اتجاه عالمي بدأ يشق طريقه في واقعنا. والبداية، كما تعلمنا كل الرحلات العظيمة، تكون دائماً بخطوة واحدة: خطوة الخريج الذي يقرر أن يزرع مستقبله بيديه، قبل أن ينتظر من يزرعه له.
لكن هذا التحول لا يحدث بالسحر. الشهادة الجامعية تظل الأساس المتين، لكنها لم تعد وحدها كافية. السوق اليوم يطلب مزيجاً من المعرفة العلمية والمهارات التي نادراً ما تُدرس بعمق في القاعات التقليدية: القدرة على قراءة البيانات، وإدارة مشروع صغير من الألف إلى الياء، والتواصل بلغة يفهمها المستثمر والمزارع والمستهلك على حدٍ سواء.
بناء المسار المهني
لغة أجنبية تفتح أبواب المنح والشراكات الدولية، وفهم أساسيات التسويق الرقمي يحول المنتج المحلي إلى علامة تجارية موثوقة، والمرونة في التعلم تجعل الخريج قادراً على مواكبة تقنيات تتجدد كل عام، من الذكاء الاصطناعي في تشخيص الأمراض النباتية، إلى منصات التمويل الجماعي التي تدعم المبادرات الريفية.
الرحلة من مقعد التخرج إلى أول فرصة حقيقية لا تبدأ بالبحث عن وظيفة، بل ببناء وجود ملموس، أنت من تصنعه لنفسك. فالتدريب في مزرعة خاصة أو منظمة غير حكومية يعزز ما درسته داخل قاعات المحاضرات، لأنه يحوّل المعرفة إلى خبرة قابلة للمس.
وبعد التخرج، لا يعني انعدام الوظائف الرسمية انعدام الفرص، بل يعني أن الباب انتقل إلى منصة عمل حر، أو شركة ناشئة، أو مشروع شخصي يبدأ بخطوة صغيرة قد تبدو هامشية، لكنها تتراكم لتصبح سجل إنجازات لا يُشترى، وأظنك الأن تستحضر برامج تليفزيونية يشارك بها شباب واعدين راغبين في توسيع ارباحهم عبر مشاريع خاصة مبدعة.
-
نحو مستقبل يصنعه الخريج بنفسه
فالتوثيق الدقيق لكل مشروع، وبناء شبكة علاقات صادقة مع من سبقوك في المسار، والبحث عن مرشد مهني يوجهك بعيداً عن العثرات الشائعة، كلها أدوات صامتة تبني الجسور بين الحلم والواقع، وتحوّل القلق إلى خطة عمل.
ربما كان الأجداد يزرعون الأرض ليحصدوا القمح، لكن خريجي اليوم يزرعون معرفتهم ليحصدوا فرصاً لم تكن تُحسب في المعادلات القديمة، فرصاً لا تعتقد أبنتي أو أبنتي انها في تخصصك الدقيق وحسب بل فرصاً تمتد إلى تخصصات مختلفة قد تكون فقط درستها بمقرر أو مقررين وفقط ولكنها أرضية متينة للانطلاق إذا سنحت لك الفرصة أو أنت بنفسك أردتها.
شهادة الزراعة لم تعد قيداً يربطك بمكتب حكومي، بل هي مفتاح يدور في أقفال متعددة: في الحقل، في المزرعة، في المختبر، على الشاشة، في السوق، وفي قلب المجتمع.
لا تنتظر أن تأتيك الفرصة من باب التوظيف التقليدي، اصنعها في الأرض التي تقف عليها، أو على المنصة التي تديرها، أو في المشروع الذي تخطه بيدك. فالزراعة اليوم ليست مجرد مهنة، بل لغة يتكلمها العالم الجديد، ومن يتقنها، لن ينتظر الوظيفة.. سيصنعها.

