أوروبا تحت حصار الحر.. 50 وفاة في فرنسا وتعطل الكهرباء وتراجع الطاقة النووية
من باريس إلى روما.. القبة الحرارية تعيد سيناريو 2003 الكارثي.. إغلاق مدارس وخسائر زراعية وتراجع إنتاج الكهرباء
تشهد أوروبا الغربية موجة حر غير مسبوقة، تُوصف بأنها من بين الأشد في تاريخ القارة، حيث تسببت في عشرات الوفيات، وتعطيل البنية التحتية، وإرباك قطاعات الطاقة والزراعة، وسط تحذيرات متزايدة من تداعيات تغير المناخ.
وسجلت فرنسا، التي كانت في قلب الأزمة، نحو 50 حالة وفاة، بينها 48 حالة غرق أثناء محاولة السكان الهروب من الحرارة الشديدة، إضافة إلى وفاة طفلين داخل سيارة بسبب ارتفاع درجات الحرارة.
كما شهدت البلاد انقطاعات واسعة في الكهرباء، خاصة في إقليم بريتاني، مع تسجيل درجة حرارة قياسية بلغت 44.3 درجة مئوية في بلدة بيسوس جنوب غرب البلاد، وهي الأعلى منذ بدء تسجيل البيانات قبل نحو 80 عامًا.
وامتدت تداعيات الموجة إلى قطاعات حيوية، إذ تسببت الحرارة المرتفعة في نفوق مئات الآلاف من الطيور في مزارع الدواجن غرب فرنسا، فيما اضطر المزارعون لاتخاذ إجراءات طارئة للتعامل مع الجثث وفق ضوابط بيئية صارمة.

وفي إيطاليا، أعلنت وزارة الصحة حالة التأهب القصوى في 16 مدينة، من بينها روما وميلانو وفلورنسا، مع توقعات ببلوغ درجات الحرارة ذروتها خلال الأيام المقبلة، لتتجاوز 41 درجة مئوية، مع إحساس حراري قد يصل إلى 45 درجة في المناطق الساحلية نتيجة الرطوبة المرتفعة.

أما في بريطانيا، فقد أصدرت هيئة الأرصاد الجوية ثاني تحذير من نوعه في التاريخ بسبب الحرارة الشديدة، مع توقع تسجيل أعلى درجة حرارة في شهر يونيو على الإطلاق. وأُغلقت مئات المدارس أو قلصت ساعات الدراسة، في ظل مخاوف من تأثير الحرارة حتى على الأصحاء.

وفي إسبانيا، التي تجاوزت فيها الحرارة 40 درجة مئوية منذ بداية الأسبوع، سُجلت حالتا وفاة بسبب ضربة شمس، رغم بدء تراجع درجات الحرارة تدريجيًا.
وتسببت الموجة في تعطيل واسع للخدمات، إذ أُغلقت معالم سياحية بارزة مثل برج إيفل مبكرًا، كما جرى تقليص مراسم الحرس الملكي في لندن. وألغت دول مثل هولندا فعاليات رياضية وخفضت خدمات النقل العام، بينما لجأت سويسرا إلى فتح دور السينما المكيفة مجانًا خلال النهار.

وعلى صعيد الطاقة، تأثر قطاع الكهرباء بشكل ملحوظ، حيث اضطرت فرنسا إلى خفض إنتاج الطاقة النووية بنحو 7% بسبب ارتفاع درجات حرارة الأنهار، ما قلل من كفاءة التبريد في المفاعلات.
كما ارتفعت أسعار الكهرباء في الأسواق الأوروبية نتيجة زيادة الطلب على التبريد وتراجع إنتاج الطاقة المتجددة، خاصة مع انخفاض سرعة الرياح.

ويرجع الخبراء هذه الظاهرة إلى نمط جوي نادر يُعرف باسم “أوميغا بلوك”، يعمل على حبس الهواء الساخن فوق مناطق واسعة لفترات طويلة، ما يؤدي إلى تراكم الحرارة بشكل غير معتاد. وقد ارتفعت درجات الحرارة في بعض المناطق بنحو 18 درجة مئوية فوق المعدلات الطبيعية.
وتعيد هذه الموجة إلى الأذهان صيف عام 2003، الذي أسفر عن نحو 80 ألف وفاة في أوروبا، ما يعزز المخاوف من تكرار السيناريو ذاته في ظل تسارع وتيرة التغير المناخي.

ووفقًا للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، فإن أوروبا تسخن بمعدل يزيد على ضعف المتوسط العالمي، ما يجعل موجات الحر الشديدة أكثر تكرارًا وطولًا وحدة، ويضع ضغوطًا متزايدة على أنظمة الطاقة والصحة العامة والاقتصاد.
كما أثرت الموجة على أنماط العمل، حيث لجأت شركات البناء والزراعة إلى تعديل ساعات العمل لتجنب فترات الذروة، بينما ارتفعت مبيعات المراوح وأجهزة التبريد بشكل كبير، إلى جانب زيادة الطلب على منتجات مثل واقي الشمس والمثلجات.
وفي ظل استمرار الظاهرة، لم تحدد السلطات حتى الآن موعدًا لانحسار موجة الحر، ما يزيد من حالة القلق بشأن تداعياتها المستقبلية على الأمن البيئي والغذائي والطاقة في القارة.






