أخبارالاقتصاد الأخضر

الاستثمار الخاص مفتاح نجاح الخطط المناخية.. والحكومات مطالبة بتوفير الحوافز

أهداف المناخ تحتاج شراكة حقيقية بين الحكومات والشركات لخفض الانبعاثات

مع تصاعد تداعيات تغير المناخ واتساع الفجوة بين التعهدات المناخية والواقع، يؤكد خبراء أن نجاح الخطط الوطنية لخفض الانبعاثات لن يتحقق دون مشاركة أوسع من القطاع الخاص، في ظل محدودية الموارد الحكومية والحاجة إلى استثمارات ضخمة لتمويل التحول نحو الاقتصاد منخفض الكربون.

وتشير التقديرات إلى أن العديد من الخطط المناخية الوطنية، المعروفة باسم «المساهمات المحددة وطنيًا» (NDCs)، ما زالت تفتقر إلى عناصر أساسية تضمن جذب الاستثمارات الخاصة، مثل السياسات القطاعية الواضحة، والحوافز الاقتصادية، والأطر التنظيمية المستقرة، وخطط التنفيذ التفصيلية.

تعهدات طموحة.. وتنفيذ بطيء

تُعد المساهمات المحددة وطنيًا الركيزة الأساسية لاتفاقية باريس للمناخ، إذ تلتزم الدول من خلالها بخفض انبعاثات الغازات الدفيئة عبر إجراءات تشمل التوسع في الطاقة المتجددة، وتقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري، ومكافحة إزالة الغابات.

ورغم أن هذه الخطط أسهمت في تحقيق بعض التقدم خلال السنوات الماضية، مثل زيادة الاستثمارات في الطاقة النظيفة وتراجع معدلات إزالة الغابات في بعض المناطق، فإن وتيرة التحرك ما زالت أقل بكثير من المطلوب لتحقيق هدف الحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض عند 1.5 درجة مئوية.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن الخطط المناخية الحالية قد تؤدي إلى خفض الانبعاثات العالمية بنحو 12% بحلول عام 2035 مقارنة بمستويات عام 2019، في حين يؤكد العلماء أن المطلوب هو خفض الانبعاثات بنحو 60% خلال الفترة نفسها للحفاظ على هدف 1.5 درجة مئوية.

القطاع الخاص.. الحلقة المفقودة

يرى خبراء المناخ أن إشراك القطاع الخاص بصورة أكبر يمثل عنصرًا حاسمًا لتحقيق الأهداف المناخية الوطنية، خاصة في الدول النامية التي تواجه تحديات تمويلية كبيرة.

ويؤكد جريج براينر، مدير السياسات في منظمة «وي مين بيزنس كواليشن»، أن الأهداف المناخية العامة وحدها لا تكفي لدفع الشركات نحو الاستثمار.

ويقول إن الشركات تحتاج إلى سياسات واضحة وإشارات قوية من الحكومات توضح كيفية تنفيذ هذه الأهداف على أرض الواقع، لأن الخطط التفصيلية والحوافز التنظيمية هي التي تؤثر فعليًا في قرارات الاستثمار.

مناخ استثماري أكثر وضوحًا

دعا تقرير صادر عن شركة «يونيليفر» إلى توفير خرائط طريق واضحة لمشاركة القطاع الخاص في تنفيذ الخطط المناخية، مع تعزيز الأطر التنظيمية وتقديم حوافز سوقية وتشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص.

كما أوصى التقرير بمواءمة الخطط الانتقالية للشركات مع الأولويات المناخية الوطنية، وتعزيز التعاون بين الشركات المختلفة، وتحسين أنظمة المتابعة والقياس والتحقق من النتائج.

وفي السياق نفسه، طالبت تقارير دولية الحكومات بوضع أهداف قطاعية واضحة في مجالات الطاقة والنقل والصناعة، إلى جانب تسريع التوسع في مصادر الطاقة المتجددة وتحسين كفاءة استخدام الطاقة والتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري.

البرازيل.. نموذج للتخطيط القطاعي

تُعد البرازيل من أبرز الأمثلة على دمج السياسات المناخية بالتخطيط الاقتصادي والاستثماري.

وتستهدف البلاد التوسع في الطاقة المتجددة، وإنهاء إزالة الغابات غير القانونية، وتحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2050.

وتعتمد الاستراتيجية البرازيلية على خطة مناخية شاملة تتضمن برامج قطاعية مفصلة تغطي مجالات الطاقة والنقل واستخدام الأراضي، ما يوفر رؤية أوضح للشركات والمستثمرين بشأن الاتجاهات المستقبلية للسياسات الحكومية.

كما تعمل البرازيل على توسيع صندوق المناخ الوطني لتوفير تمويل منخفض التكلفة للمشروعات الخضراء، مع الاستعداد لتطبيق سوق منظمة للكربون اعتبارًا من عام 2027.

إندونيسيا.. تحديات التمويل والتحول

في المقابل، تواجه إندونيسيا تحديات أكثر تعقيدًا بسبب اعتمادها الكبير على الفحم في إنتاج الطاقة.

ورغم تعهدها بخفض الانبعاثات بنسبة تصل إلى 43.2% بحلول عام 2030 بدعم دولي، فإن جذب الاستثمارات الخاصة ما زال يتطلب مزيدًا من الوضوح السياسي والتنظيمي.

ويؤكد خبراء أن المستثمرين لا يحتاجون فقط إلى أهداف مناخية طموحة، بل إلى مشروعات قابلة للتمويل، وعائدات متوقعة، وإجراءات تنظيمية مستقرة، وضمانات تقلل المخاطر.

وتعمل الحكومة الإندونيسية حاليًا على تطوير آليات لتسعير الكربون وتوفير حوافز أكبر للطاقة المتجددة، بهدف خلق بيئة أكثر جاذبية لرؤوس الأموال الخاصة.

كسر حلقة الانتظار

يرى متخصصون أن إحدى العقبات الرئيسية تتمثل في انتظار كل طرف لتحرك الطرف الآخر؛ فالحكومات تنتظر استثمارات أكبر من الشركات، بينما تنتظر الشركات سياسات أكثر وضوحًا واستقرارًا.

ولذلك يدعو الخبراء إلى إنشاء ما يُعرف بـ«حلقة الطموح»، حيث تقود الشركات جهود خفض الانبعاثات بالتوازي مع توفير الحكومات السياسات والحوافز اللازمة لتسريع التحول الأخضر.

ويؤكد الخبراء أن تحقيق أهداف المناخ العالمية لم يعد خيارًا، بل ضرورة اقتصادية وتنموية، وأن النجاح يتطلب تعاونًا وثيقًا بين الحكومات والقطاع الخاص والمؤسسات المالية والمجتمع المدني.

وفي ظل تزايد مخاطر التغير المناخي، فإن تكلفة التأخر في اتخاذ الإجراءات ستكون أعلى بكثير من تكلفة الاستثمار اليوم في الاقتصاد الأخضر والطاقة النظيفة.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة