التكييف يخفف الحر لكنه يزيد أزمة المناخ.. خبراء يطرحون بدائل أكثر استدامة
كيف تبقى باردًا دون الإضرار بالكوكب؟ نصائح وحلول لمواجهة موجات الحر
مع تزايد موجات الحر وارتفاع درجات الحرارة عالميًا عامًا بعد آخر، يتجه ملايين الأشخاص إلى أجهزة التكييف باعتبارها الوسيلة الأسرع للهروب من الحرارة الشديدة.
لكن خبراء البيئة يحذرون من أن الاعتماد المتزايد على التكييف قد يسهم بدوره في تفاقم أزمة المناخ، ما يجعل هذه الأجهزة جزءًا من المشكلة التي تحاول التخفيف من آثارها.

وفي ظل موجة حر غير معتادة تضرب المملكة المتحدة هذا الصيف، سلط تقرير جديد الضوء على العلاقة المعقدة بين التبريد وتغير المناخ، موضحًا أن أجهزة التكييف توفر الراحة الفورية، لكنها تستهلك كميات كبيرة من الطاقة وتطلق انبعاثات تؤثر سلبًا على البيئة.
إجراءات بسيطة وفعالة للحفاظ على برودة الجسم والمنازل
وأشار التقرير إلى أن مواجهة موجات الحر لا تتطلب دائمًا اللجوء إلى أجهزة التكييف، إذ يمكن اتباع عدد من الإجراءات البسيطة والفعالة للحفاظ على برودة الجسم والمنازل، مثل الإكثار من شرب السوائل، وتقليل استهلاك المشروبات الكحولية، واستخدام المراوح المنزلية مع أوعية الثلج لتدوير الهواء البارد، وإغلاق النوافذ والستائر خلال ساعات النهار الحارة، ثم فتح النوافذ ليلًا لتهوية المنازل والاستفادة من انخفاض درجات الحرارة.
وأوضح الخبراء أن أجهزة التكييف تسهم في الاحترار العالمي بطريقتين رئيسيتين.
الأولى من خلال استهلاك الكهرباء، إذ تشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن أجهزة التكييف والمراوح تستهلك بالفعل نحو خُمس الطاقة المستخدمة في المباني حول العالم.
ومع استمرار اعتماد العديد من الدول على الوقود الأحفوري لتوليد الكهرباء، فإن زيادة الطلب على التكييف تعني مزيدًا من الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري.
أما التأثير الثاني فيرتبط بغازات التبريد المستخدمة داخل أجهزة التكييف، والتي تُعرف بالغازات الفلورية أو «إف-غاز».
وتمتلك هذه الغازات قدرة على حبس الحرارة في الغلاف الجوي تفوق تأثير ثاني أكسيد الكربون بمئات أو آلاف المرات، ما يجعلها من أقوى الغازات الدفيئة المستخدمة حاليًا.
وتشير التقديرات إلى أن نحو ثلث الأثر المناخي لقطاع التبريد يعود إلى تسرب هذه الغازات أثناء التشغيل أو الصيانة.
وللحد من هذه التأثيرات، يوصي الخبراء باستخدام أجهزة تعتمد على مبردات طبيعية أقل ضررًا بالمناخ، مثل غاز «R290»، الذي يُعد بديلًا أكثر استدامة مقارنة بالغازات التقليدية المستخدمة في العديد من أجهزة التبريد.
كما حذر التقرير من تنامي تجارة غازات التبريد غير القانونية في أوروبا والمملكة المتحدة، خاصة مع تشديد القيود على استخدام الغازات الفلورية خلال السنوات المقبلة، ما قد يؤدي إلى توسع السوق السوداء لهذه المواد عالية التأثير المناخي.
ومن الجوانب الأخرى التي تناولها التقرير مسألة العدالة المناخية، حيث أشار إلى أن الفئات الأكثر احتياجًا للتبريد خلال موجات الحر قد تكون الأقل قدرة على تحمل تكاليف شراء وتشغيل أجهزة التكييف.
كما أن الاستخدام المكثف للتكييف في المدن يؤدي إلى ما يعرف بظاهرة «الجزر الحرارية الحضرية»، إذ تنقل الأجهزة الحرارة من داخل المباني إلى الشوارع والبيئة المحيطة، ما يرفع درجات الحرارة الخارجية ويزيد معاناة السكان.
ودعا التقرير الحكومات إلى تبني استراتيجيات وطنية شاملة للتبريد المستدام، تشمل تعزيز أساليب التبريد السلبي في تصميم المباني، وتطوير معايير البناء لتكون أكثر قدرة على مواجهة درجات الحرارة المرتفعة، والاستفادة من تجارب دول مثل إيطاليا وإسبانيا التي صممت العديد من مبانيها للتكيف مع المناخ الحار.
كما شدد على أهمية زيادة المساحات الخضراء والتوسع في زراعة الأشجار داخل المدن لتوفير الظل وخفض درجات الحرارة، إلى جانب الإسراع في التخلص التدريجي من الغازات الفلورية الضارة، وتسريع خفض الانبعاثات الكربونية في مختلف القطاعات الاقتصادية بما يتوافق مع أهداف اتفاق باريس للمناخ.
ويؤكد الخبراء أن مواجهة موجات الحر المتزايدة لا تتطلب فقط حلولًا فردية للتبريد، بل تستدعي أيضًا سياسات طويلة الأمد تضمن توفير بيئات حضرية أكثر مرونة واستدامة، وتحمي السكان من الحرارة المتطرفة دون زيادة الضغوط على المناخ العالمي.





