الحائزة على جائزة نوبل للسلام: قيّدوا الذكاء الاصطناعي الآن قبل أن تفقد البشرية قدرتها على القرار
ثلاث موجات للذكاء الاصطناعي.. ماريا ريسا تحذر من المرحلة الأخطر: الآلة تتصرف نيابة عن الإنسان
حذرت ماريا ريسا، الحائزة جائزة نوبل للسلام، من أن البشرية قد تفقد قدرتها على اتخاذ القرارات والسيطرة على مصيرها إذا لم تتحرك الحكومات والمجتمعات سريعًا لتنظيم الذكاء الاصطناعي ووضع حدود واضحة لاستخداماته.
وقالت الصحفية الفلبينية والأمريكية إن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تكنولوجيا جديدة لتحسين الإنتاجية أو أداء المهام، وإنما أصبح جزءًا من منظومة تقنية قادرة على التأثير في الانتباه والعلاقات الإنسانية، وصولًا إلى اتخاذ إجراءات نيابة عن البشر.
وترى ريسا أن تنظيم الذكاء الاصطناعي لم يعد مسألة مرتبطة بحرية التعبير فقط، وإنما أصبح قضية تتعلق بالسلامة العامة، داعية المواطنين إلى الضغط على السياسيين من أجل سن تشريعات تلزم شركات التكنولوجيا بتحمل مسؤولية الأضرار التي قد تنتج عن منتجاتها.
وقالت، خلال زيارة إلى أوسلو للمشاركة في مؤتمر حول التهديدات التي تواجه الديمقراطيات، إن العالم وصل إلى مرحلة حرجة، محذرة من أن عدم التحرك الآن قد يجعل التطورات التكنولوجية تتجاوز قدرة المجتمعات على السيطرة عليها.
3 موجات للذكاء الاصطناعي
وتطرح ريسا تصورًا من ثلاث مراحل لتطور تأثير الذكاء الاصطناعي في حياة البشر، معتبرة أن التكنولوجيا وصلت الآن إلى مرحلة أكثر خطورة من مجرد التأثير في المحتوى الذي يراه المستخدمون.
وتقول إن الموجة الأولى تمثلت في صعود منصات التواصل الاجتماعي، التي نجحت في جذب انتباه المستخدمين، لكنها في الوقت نفسه أسهمت في زيادة الاستقطاب وعزل الأفراد.
أما الموجة الثانية، فترى أنها ارتبطت باستغلال التكنولوجيا للجوانب البيولوجية والعاطفية لدى الإنسان، خصوصًا من خلال الحميمية التي توفرها روبوتات المحادثة والتفاعل معها.
وتأتي الموجة الثالثة، وفق تصور ريسا، في مرحلة الذكاء الاصطناعي الوكيل والأنظمة متعددة الوكلاء والنماذج المتقدمة، التي لم تعد تكتفي بمحاكاة السلوك البشري أو الإجابة عن الأسئلة، وإنما أصبحت قادرة على تنفيذ إجراءات واتخاذ خطوات نيابة عن المستخدم.
وترى أن هذه النقلة تمثل تحولًا جوهريًا، لأن القضية لم تعد تتعلق فقط بما يراه الإنسان أو بما يعتقده، وإنما بمن يتخذ القرار ويتصرف في العالم الحقيقي.
تنظيم الذكاء الاصطناعي لا يعني خسارة سباق الصين
ورفضت ريسا الحجج التي تقول إن تشديد القيود على شركات الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة والدول الغربية يمكن أن يؤدي إلى خسارة سباق التكنولوجيا أمام الصين.
ووصفَت هذا الطرح بأنه نوع من “التسويق السياسي”، مشيرة إلى أن الصين نفسها تفرض بعض الضوابط على منتجات التكنولوجيا لحماية مستخدميها.
وضربت مثالًا بمنصة تيك توك، قائلة إن النسخة المستخدمة داخل الصين تتضمن قيودًا عمرية، في حين أن مستوى الحماية المفروض على المستخدمين في أجزاء أخرى من العالم يختلف عن ذلك.
وتأتي تصريحات ريسا في وقت يتزايد فيه الجدل عالميًا حول سرعة تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، والمخاطر المرتبطة بإساءة استخدامها، والحدود التي ينبغي فرضها على الشركات المطورة لهذه التقنيات.
محاسبة شركات التكنولوجيا أول خطوة
وترى ريسا أن الخطوة الأولى نحو تغيير الوضع الحالي تتمثل في تحميل شركات التكنولوجيا المسؤولية عن الأضرار التي تسببت فيها منتجاتها.
ورحبت في هذا السياق بالإجراءات القضائية التي اتخذت في الولايات المتحدة ضد شركات التواصل الاجتماعي، ومنها التسويات التي دفعت شركة ميتا إلى الالتزام بمبالغ تصل إلى 18 مليار دولار على مدى العقد المقبل، إلى جانب فرض قيود صارمة على استخدام المراهقين لمنصتي فيسبوك وإنستجرام.
وتعتقد ريسا أن مثل هذه الإجراءات يمكن أن تمثل بداية لتحول أوسع في العلاقة بين الحكومات وشركات التكنولوجيا، بحيث لا تتحمل المجتمعات وحدها تكلفة المنتجات الرقمية التي تحقق للشركات أرباحًا ضخمة.
الإدمان الرقمي لا يقتصر على الأطفال
لكن ريسا ترى أن وضع حد أدنى للعمر لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، رغم أهميته، لا يعالج المشكلة الأساسية.
وقالت إن المشكلة تكمن أيضًا في أن كثيرًا من الأدوات الرقمية صُممت بطريقة تجعلها شديدة الجاذبية والإدمان للبالغين أيضًا، وبالتالي فإن حماية الأطفال والمراهقين وحدهم لا تكفي.
ودعت إلى إزالة الخصائص المصممة لتعزيز الإدمان من المنصات الرقمية، بدل الاكتفاء بفرض قيود عمرية على فئات معينة من المستخدمين.
وترى أن التأثير السياسي لهذه المنصات لا يقتصر على الشباب، إذ يمكن استخدام آليات التلاعب الرقمي للتأثير في المواطنين والناخبين في مختلف دول العالم.
منصات رقمية خارج سيطرة عمالقة التكنولوجيا
ولا تقتصر رؤية ريسا على فرض القيود على شركات التكنولوجيا الكبرى، بل تدعو أيضًا إلى بناء منصات اتصال رقمية تعمل لخدمة المصلحة العامة، بعيدًا عن الهيمنة المباشرة لشركات التكنولوجيا الكبرى.
وشبهت هذه المنصات بالمساحات العامة، مثل الحدائق، التي تنشئها المجتمعات لخدمة المواطنين وليس لتحقيق الربح فقط.
وأشارت إلى تجربة منصة Rappler Communities التي أطلقتها مؤسسة Rappler عام 2023، والتي تعتمد على تطبيق مبني على بروتوكول مفتوح المصدر وآمن ولا مركزي يعرف باسم Matrix.
وتهدف المنصة إلى منح غرفة أخبار Rappler مساحة للتواصل المباشر مع القراء، وإتاحة المجال للقراء للتفاعل مع بعضهم بعضًا وإجراء نقاشات مباشرة.
كما دعت Rappler وسائل إعلام فلبينية أخرى إلى الانضمام إلى التجربة، وتعمل حاليًا على توسيع النموذج ليشمل مؤسسات إعلامية أخرى في جنوب شرق آسيا.
وترى ريسا أن الهدف النهائي هو إنشاء مساحة رقمية أكثر أمانًا يستطيع الناس فيها التواصل والاستماع إلى بعضهم بعضًا، بما يسمح باستعادة أحد العناصر الأساسية في الديمقراطية: الحوار الحقيقي بين المواطنين.
الذكاء الاصطناعي.. من أداة إلى طرف في صناعة القرار
تكشف تصريحات ماريا ريسا عن تحول مهم في النقاش العالمي حول الذكاء الاصطناعي.
فالمخاوف لم تعد تتركز فقط على فقدان بعض الوظائف أو انتشار المعلومات المضللة أو انتهاك الخصوصية، وإنما تمتد إلى سؤال أكثر جوهرية: إلى أي مدى يمكن أن تظل القرارات البشرية تحت سيطرة الإنسان عندما تصبح الأنظمة الذكية قادرة على تحليل المعلومات واتخاذ الإجراءات وتنفيذها بصورة شبه مستقلة؟
ومن هذا المنظور، فإن المعركة التي تدعو إليها ريسا ليست ضد الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، وإنما ضد ترك تطويره واستخدامه دون قواعد تحمي استقلال الإنسان، وتضمن مساءلة الشركات، وتمنع تحول الأدوات المصممة لخدمة البشر إلى أنظمة تؤثر فيهم وتتصرف نيابة عنهم دون رقابة كافية.
وتأتي هذه الدعوة في وقت تتسارع فيه قدرات النماذج المتقدمة والأنظمة الوكيلة، ما يجعل مسألة من يضع القواعد، ومن يتحمل المسؤولية، ومن يملك حق إيقاف النظام عندما يتجاوز حدوده واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا في مستقبل الذكاء الاصطناعي.





