أخبارالمدن الذكيةابتكارات ومبادرات

روبوت جوي قادر على الهبوط والتشبث بأغصان الأشجار باستخدام حاسة اللمس بدلًا من الاعتماد الكامل على الكاميرا

تساعد الطائرات المسيّرة على البقاء في الجو لفترات أطول وتنفيذ مهام المراقبة والاستشعار في البيئات الطبيعية

طوّر باحثون من جامعة دلفت للتكنولوجيا (TU Delft) درونًا قادرًا على الهبوط والتشبث بأغصان الأشجار باستخدام حاسة اللمس بدلًا من الاعتماد الكامل على الكاميرا خلال اللحظات الأخيرة من الاقتراب، في خطوة قد تساعد الطائرات المسيّرة على البقاء في الجو لفترات أطول وتنفيذ مهام المراقبة والاستشعار في البيئات الطبيعية.

وتكمن المشكلة التي حاول الباحثون حلها في اللحظات الأخيرة من عملية الهبوط. فعندما يقترب الدرون من الفرع المستهدف، تتحرك أداة الإمساك إلى موضعها، لكنها في الوقت نفسه تحجب الكاميرا التي كان يعتمد عليها الدرون لتحديد موقع الفرع بدقة.

وفي التجارب المعملية، تمكن النظام الجديد من العثور على الفرع والإمساك به حتى عندما كان الموقع الذي أُعطي له الدرون خاطئًا بنحو 60 سنتيمترًا، أو قدمين تقريبًا، وهو هامش أكبر بكثير مما يمكن لنظام يعتمد على التوجيه البصري وحده تحمله.

روبوت جوي

المشكلة تبدأ عندما تصبح الكاميرا غير قادرة على رؤية الهدف

تحتاج الطائرات المسيّرة التي تحوم فوق الغابات إلى استهلاك مستمر للطاقة للحفاظ على ارتفاعها، وهو ما يحد عادة من زمن الطيران إلى عشرات الدقائق.

أما إذا تمكن الدرون من الهبوط على غصن والتشبث به، فيمكنه إيقاف محركاته وتقليل استهلاك الطاقة بدرجة كبيرة أثناء بقائه في موقعه.

لكن الوصول إلى الغصن يمثل الجزء الأكثر تعقيدًا، فالعديد من أنظمة الهبوط على الأغصان تعتمد على تقدير مسبق لموقع الهدف، ثم تطير الطائرة إلى ذلك الموقع وتغلق أداة الإمساك. وأي خطأ كبير في تقدير الموقع قد يؤدي إلى فشل عملية الهبوط.

وتبدو الكاميرات حلًا طبيعيًا لهذه المشكلة، لكنها تواجه عائقًا هندسيًا مهمًا؛ إذ إن أداة الإمساك نفسها والفرع المستهدف يمكن أن يحجبا مجال رؤية الكاميرا أثناء الاقتراب النهائي.

وتوضح سالوا حمزة، الأستاذة المساعدة التي ترأس مختبر الذكاء الحيوي الشكلي في جامعة دلفت، أن الرؤية تستطيع تحديد موقع الجسم حتى اللحظة التي تصبح فيها أداة الإمساك نفسها عائقًا أمام الكاميرا.

وتقول الفكرة التي اعتمد عليها الفريق إن الحيوانات لا تواجه هذه المشكلة بالطريقة نفسها، لأنها تستطيع إغلاق حلقة التحكم من خلال اللمس.

يد بثلاثة أصابع و9 مستشعرات

 

روبوت جوي

صمم الباحثون يدًا روبوتية تتكون من ثلاثة أصابع، يحتوي كل إصبع على ثلاثة أجزاء، لتصبح اليد في مجموعها مزودة بـ 9 مستشعرات لمس.

وصُممت الأصابع بأبعاد مستوحاة من نسب اليد البشرية، بينما تعمل نوابض التوائية على سحب الأصابع إلى وضع الإغلاق بصورة طبيعية.

ويستخدم كل إصبع وترًا واحدًا لفتحه، وهو تصميم يعني أن الدرون يستهلك الطاقة عندما يريد فتح قبضته، وليس للحفاظ على الغصن ممسوكًا في أثناء التعلق.

وتوجد أسفل وسادة السيليكون الموجودة في كل جزء من أجزاء الأصابع قطعة صغيرة مربعة من رقائق النحاس تعمل كمستشعر.

وعندما تضغط الوسادة على جسم ما، تتغير الإشارة الصادرة عن الرقاقة، ما يمنح النظام معلومة بسيطة لكنها مهمة للغاية: هل حدث تلامس أم لا؟

ولا يخبر المستشعر الدرون بشكل الفرع أو حجمه مباشرة، لكنه يوفر نقطة اتصال. ومن خلال معرفة شكل اليد نفسها ومواقع المستشعرات، يستطيع النظام استخدام هذه المعلومات لاستنتاج موقع الفرع واتجاهه.

كما تمنح طبقة السيليكون اليد قدرًا من المرونة، إذ تنضغط على الجسم الذي تلامسه، ما يسمح لليد نفسها بالإمساك بأغصان مختلفة السماكة، إضافة إلى عارضة خشبية مربعة، وقطعة إنشائية على شكل حرف T، وحتى ذراع بشرية.

الدرون لا يتجه مباشرة إلى الغصن

روبوت جوي

بدلًا من الطيران في خط مستقيم نحو الموقع المتوقع للفرع، يستخدم الدرون نمط بحث على شكل رقم 8 حول المنطقة التي يُعتقد أن الغصن موجود فيها.

وخلال الحركة، يرتفع الدرون قليلًا مع كل دورة، بينما تفتح الأصابع وتغلق، وتصبح اليد في أوسع وضع لها عند الأطراف البعيدة من مسار الحركة.

وعندما تلمس إحدى الوسادات الغصن للمرة الأولى، تبدأ عملية تحديد الموقع الحقيقي للهدف.

يستخدم النظام نقطة التلامس الأولى لتقدير موضع الفرع، ثم يتحرك إلى أسفل منه ويبدأ في إغلاق الأصابع تدريجيًا.

وعندما يشعر أحد الأصابع بوجود جسم، يتوقف عن الإغلاق، بينما يدور الدرون حول محوره بعيدًا عن نقطة التلامس حتى ينتهي الاتصال. وتساعد هذه العملية في محاذاة جسم الطائرة مع الاتجاه الذي يمتد فيه الغصن.

وعندما تسجل الأصابع الثلاثة تلامسًا مستقرًا، تغلق اليد بالكامل، ثم يتحقق النظام من نجاح القبضة.

وفي إحدى التجارب، حدث أول تلامس بعد نحو 15 ثانية، بينما تأكد نجاح الإمساك بعد حوالي 35 ثانية.

وإذا فشل اختبار القبضة، يعود الدرون إلى وضع تحويم آمن ويعيد محاولة البحث.

اللمس وسّع هامش الخطأ إلى 60 سنتيمترًا

روبوت جوي

اختبر الباحثون القيمة التي تضيفها مستشعرات اللمس من خلال مقارنة النظام الذي يستخدم التغذية الراجعة اللمسية بنظام آخر يطير مباشرة إلى الموقع المقدر للفرع ويغلق اليد عند الوصول إليه.

وأظهرت النتائج فارقًا واضحًا، فعندما استخدم الدرون اللمس، نجح في الهبوط والتشبث بالهدف في أكثر من 99% من المحاولات عندما كان الموقع المعطى له خاطئًا بما يصل إلى 60 سنتيمترًا.

أما من دون التغذية الراجعة اللمسية، فقد كان هامش الخطأ المقبول نحو 10 سنتيمترات فقط.

وبذلك لم تجعل المستشعرات الدرون أكثر دقة في تحديد الموقع فحسب، بل منحته مساحة أكبر بكثير للتعامل مع أخطاء التقدير الأولي.

وظهرت نتيجة مشابهة عند اختبار اختلاف أحجام الأهداف، فقد حافظ النظام المعتمد على اللمس على معدل النجاح نفسه مع أهداف يصل نصف قطرها إلى نحو 15 سنتيمترًا، مقارنة بنحو 10 سنتيمترات للنظام الذي يعمل دون الاستفادة من اللمس.

لكن النظامين فشلا عندما كان نصف قطر الهدف أقل من نحو 2 سنتيمتر، لأن عدد نقاط التلامس المتاحة يصبح محدودًا للغاية بحيث لا يستطيع النظام تأكيد نجاح القبضة.

ماذا عن زاوية الغصن؟

كان تأثير اللمس أقل وضوحًا فيما يتعلق بدوران الغصن عن الزاوية المتوقعة، فالأصابع المرنة وحدها تمكنت من التعامل مع غصن كان منحرفًا بنحو 45 درجة عن الاتجاه المتوقع، بينما رفع استخدام اللمس هذا الحد إلى نحو 60 درجة.

وخلال 26 رحلة تجريبية باستخدام النموذج المادي، تمكن الدرون من الاستقرار على موقع الهدف وزاويته في كل مرة.

تجربة ناجحة.. لكن المختبر تولى مهمة الملاحة

رغم النتائج، يوضح الباحثون أن النظام لا يزال يمثل إثباتًا للمفهوم وليس نظامًا مستقلًا جاهزًا للعمل في غابة حقيقية.

فخلال التجارب، لم يكن الدرون مسؤولًا بنفسه عن تحديد موقعه داخل الغرفة؛ إذ استخدم الباحثون نظام التقاط حركة خارجيًا لتزويده بالمعلومات المكانية.

ويشير الفريق إلى أن أبحاثًا سابقة أظهرت إمكانية الحصول على التقدير نفسه باستخدام كاميرا واحدة مثبتة على الدرون ومستشعر للحركة، لكن هذه التقنية لم تكن هي المسؤولة عن تحديد الموقع في التجارب الحالية.

كما يعتمد نجاح نظام البحث اللمسي على توافر ثلاثة شروط أساسية.

أولها أن يكون التقدير الأولي لموقع الفرع قريبًا بدرجة كافية منه، وثانيها أن يكون الفرع صغيرًا بما يسمح لليد بإغلاق أصابعها حوله، وثالثها أن تكون المنطقة المحيطة بالفرع خالية من أجسام أخرى قد تعلق بها الأصابع.

وفي نظام عملي مستقل، يمكن أن يتولى مشغل بشري أو مستشعر موجود على الدرون التحقق من هذه الشروط.

حتى نمط البحث يحتاج إلى تطوير

روبوت جوي

كشفت التجارب أيضًا عن نقطة ضعف مرتبطة بحافة منطقة البحث، فعندما يكون الغصن موجودًا عند الطرف الخارجي لمسار الحركة على شكل رقم 8، يمكن لأحد أطراف الأصابع أن يتشبث بالجزء العلوي من الغصن، ما يمنع الدرون من الوصول إلى الوضع الصحيح تحته.

ويمكن لاختلاف مسار الطيران عن المسار المتوقع أن يكشف هذه الحالة، بحيث يستطيع النظام إلغاء المحاولة والعودة إلى وضع آمن قبل إعادة المحاولة.

كما لم يحسم الباحثون بعد أفضل نمط للبحث عن الفروع، فمسار بحث أوسع يسمح بالوصول إلى فروع تقع بعيدًا عن الموقع الأولي الذي قدرته الكاميرا، لكنه في الوقت نفسه يطيل زمن عملية الهبوط.

وفي النطاق الذي يستطيع النظام المعتمد على الكاميرا وحدها التعامل معه، أدى توسيع مسار البحث إلى زيادة زمن الوصول إلى وضع التعلق إلى نحو الضعف.

ولهذا يمكن أن توفر أنماط أخرى، مثل المسارات الحلزونية أو عمليات المسح ذهابًا وإيابًا، حلولًا مختلفة للموازنة بين نطاق البحث وسرعة الهبوط.

من مراقبة الغابات إلى روبوتات أكثر قدرة على الإحساس

تكتسب القدرة على التعلق بالأشجار أهمية خاصة بالنسبة للطائرات المسيّرة المستخدمة في البيئات الطبيعية.

فبدلًا من استهلاك الطاقة باستمرار أثناء التحليق فوق مظلة الغابة، يمكن للدرون أن يستقر على فرع ويوقف محركاته، ثم يستأنف الطيران عند الحاجة.

وقد يتيح ذلك زيادة مدة بقاء الطائرة في الموقع، وهو أمر مهم في مهام مراقبة الغابات، والاستشعار البيئي، ودراسة الحياة البرية، وجمع البيانات من أماكن يصعب الوصول إليها.

لكن أهمية الدراسة تتجاوز الدرون نفسه؛ فهي تقدم نموذجًا لنوع من الروبوتات يجمع بين الرؤية واللمس بدل الاعتماد على الرؤية وحدها.

ويظهر الاتجاه نفسه في أبحاث أخرى لتطوير أذرع روبوتية تستطيع الإحساس بالأجسام والإمساك بها في الوقت نفسه، إضافة إلى تطوير جلود إلكترونية تستطيع قراءة الضغط عبر الأسطح.

ويرى الباحثون أن الخطوة التالية تتمثل في دمج اليد اللمسية مع درون قادر على تحديد موقعه بنفسه، والعمل خارج المختبر في بيئة لا تعتمد على كاميرات مثبتة في الجدران.

ونُشرت الدراسة الكاملة في مجلة npj Robotics تحت عنوان يتعلق بنظام هبوط وتعلق جوي يعتمد على الاستشعار اللمسي.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة