البندقية تغرق والمياه ترتفع.. كيف تحوّل العلماء بحيرتها إلى مختبر حي لتغير المناخ؟
طين البندقية يكشف أسرار تغير المناخ.. كائنات صغيرة ترصد تحولات البحيرة التاريخية
قد تبدو عبارة «البندقية تغرق» صحيحة، لكنها ليست القصة كاملة. فالمدينة الإيطالية التاريخية، التي تقوم على مجموعة من الجزر وتشتهر بقنواتها وجسورها وقوارب الجندول، تواجه بالفعل هبوطًا تدريجيًا للأرض نتيجة انضغاط الرواسب الموجودة أسفلها.
وفي الوقت نفسه، يتحرك الماء في الاتجاه المعاكس؛ إذ يؤدي تغير المناخ وارتفاع مستوى سطح البحر إلى زيادة الضغوط على بحيرة البندقية الضحلة، لتصبح واحدة من البيئات الساحلية الأكثر تعرضًا للتغيرات المناخية والبيئية.
ولفهم ما يحدث داخل هذا النظام البيئي الفريد، توجه فريق من الباحثين من جامعة ويسترن الكندية إلى البحيرة خلال هذا الصيف، حيث عملوا على استخراج عينات من الرواسب والطين ودراسة الكائنات الدقيقة التي تعيش داخله.
وتقود البحث أستاذة علوم الأرض ألينا شتشيبِتكينا، بمشاركة طالبتَي الدراسات العليا مارتينا دوارتي وتيس جيتس-فليرتي، في محاولة لقراءة آثار التغير البيئي من خلال الكائنات الصغيرة التي تحفر وتتحرك وتتغذى داخل الرواسب.
هذه الكائنات تترك وراءها آثارًا يمكن أن تتحول إلى سجل طبيعي للتغيرات التي يشهدها النظام البيئي، كما توفر للعلماء وسيلة لفهم كيفية حدوث تغيرات مشابهة في الماضي الجيولوجي للأرض.
وقالت مارتينا دوارتي، طالبة الماجستير في الجيولوجيا، إن هذه الكائنات شديدة الحساسية للظروف المحيطة بها، ولذلك فإن التغير في سلوكها يمكن أن يكشف عن تحولات داخل النظام البيئي.
ومن خلال تحليل عينات الرواسب طبقة تلو الأخرى، يستطيع الباحثون العودة بالزمن إلى نحو 70 عامًا، ورصد كيفية تسجيل هذه التغيرات في الآثار التي تركتها الكائنات داخل الطين.

12 أسبوعًا في إيطاليا لقراءة تاريخ البحيرة
على مدار 12 أسبوعًا، جمع الفريق عينات من الرواسب وحللها بالتعاون مع البروفيسور ماسيميليانو جيناسي، من جامعة بادوفا، إلى جانب العلماء والفنيين والطلاب في مختبره.
ويهدف العمل إلى إعادة بناء صورة للتغيرات التي طرأت على بيئة البحيرة والكائنات التي تعيش داخل رواسبها خلال العقود الماضية.
وحصلت الدراسة الميدانية على دعم من برنامج Mitacs Globalink Research Award.
ويمثل هذا البحث امتدادًا لدراسة بدأت العام الماضي في كندا، عندما درست شتشيبِتكينا وجيتس-فليرتي الرواسب والكائنات الحافرة داخل خليج فندي، على الساحل الشرقي لكندا بين نوفا سكوشا ونيو برونزويك.
وعلى الرغم من أن الموقعين يبدوان مختلفين تمامًا، فإن هذا الاختلاف هو بالتحديد ما يمنحهما قيمة علمية كبيرة في الدراسة المقارنة.
فخليج فندي واحد من أعظم البيئات المدية في العالم، إذ يصل الفرق بين أعلى وأدنى مستوى للمد والجزر في بعض مناطقه إلى نحو 16 مترًا.
أما بحيرة البندقية، فهي ذات نطاق مد وجزر محدود، لا يتجاوز عادة نحو متر واحد.
وتوضح تيس جيتس-فليرتي أن بحيرة البندقية أكثر دفئًا، وتتميز برواسب طينية أدق وأكثر غنى بالطين، إلى جانب مساحات أوسع من المستنقعات، بينما يتميز خليج فندي بأمواج أقوى وحركة أكبر للرواسب وتنوع أوسع في أنواعها، من الطين إلى الحصى والرمال الخشنة.
ورصد الباحثون بعض الكائنات المتشابهة في الموقعين، لكنهم وجدوا أيضًا اختلافات واضحة في الأنواع وفي الآثار التي تتركها داخل الرواسب.
بحيرة البندقية تحت ضغط تغير المناخ
تُعد بحيرة البندقية بيئة شديدة الحساسية للتغيرات المناخية والبيئية، فهي ضحلة ومتصلة بالبحر وتتأثر بدرجة كبيرة بالنشاط البشري.
ومع ارتفاع مستوى سطح البحر، تتعرض البحيرة لضغوط إضافية فوق نظام بيئي تغير بالفعل بفعل قرون من التطوير العمراني، إلى جانب التأثيرات الصناعية خلال العقود الأخيرة.
وهنا تظهر الصورة الأكثر تعقيدًا للمدينة: الأرض تهبط تدريجيًا، بينما يرتفع مستوى المياه.
وتوضح شتشيبِتكينا أن هبوط البندقية لا يرتبط بعامل واحد، مشيرة إلى أن الرواسب الموجودة أسفل المدينة تنضغط بمرور الوقت، ما يؤدي إلى تحرك سطح الأرض تدريجيًا إلى أسفل.
كما تفاقمت المشكلة خلال منتصف القرن العشرين نتيجة استخراج المياه الجوفية والغاز من المناطق الواقعة أسفل المدينة.
وفي المقابل، يضيف تغير المناخ تحديًا جديدًا يتمثل في ارتفاع مستوى سطح البحر، ما يزيد الضغوط على البحيرة والمدينة المبنية حولها.

حرارة المياه تصل إلى 32 درجة مئوية
لم يكن ارتفاع مستوى البحر هو التغير الوحيد الذي رصده الباحثون.
فخلال العمل الميداني، وصلت درجات حرارة المياه في بعض مناطق البحيرة إلى نحو 32 درجة مئوية.
وتكمن أهمية هذه الزيادة في أن المياه الأكثر دفئًا تستطيع الاحتفاظ بكمية أقل من الأكسجين، كما يمكن أن تؤثر الحرارة المرتفعة على الملوحة ودرجة الحموضة ومستويات المغذيات.
وجميع هذه العوامل يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة على الحيوانات والكائنات الحية التي تعيش داخل الرواسب.
وتتوقع شتشيبِتكينا أن تؤدي التغيرات المستمرة في الظروف البيئية إلى تغيرات في سلوك الكائنات الحافرة؛ فقد تختفي بعض الأنواع من البحيرة، بينما تصل إليها أنواع جديدة.
وخلال الدراسة، شاهد الفريق أيضًا سرطانات زرقاء كبيرة، وهي من الأنواع التي وصلت حديثًا نسبيًا إلى البحيرة، بينما لا يزال العلماء لا يعرفون على وجه الدقة طبيعة الآثار التي ستتركها هذه الكائنات داخل الرواسب.
وترى الباحثة أن هذا الجانب تحديدًا يجعل دراسة البحيرة مثيرة للاهتمام؛ لأن تغير الكائنات وسلوكها قد يوفر سجلًا جديدًا للتغيرات البيئية الجارية.
ماذا يخبرنا الطين عن تغير المناخ؟
يركز الباحثون على مجموعة من الكائنات تعرف باسم الكائنات القاعية الداخلية (Infauna)، وهي كائنات صغيرة تعيش داخل الرواسب نفسها.
وتشمل هذه المجموعة الديدان وغيرها من الكائنات التي تحفر داخل الطين بحثًا عن الغذاء أو المأوى أو مكان مناسب للتكاثر.
ولا يهتم العلماء بوجود هذه الكائنات فقط، بل يدرسون شكل وحجم واتجاه الجحور والأنفاق التي تحفرها.
فهذه الآثار يمكن أن تكشف الكثير عن سلوك الكائنات، والأهم أنها تقدم مؤشرات على الظروف البيئية التي كانت تعيش فيها.
وتقول دوارتي إن الكائنات التي تعيش في بيئة غير مستقرة قد تترك ما يعرف بـ«آثار الهروب»، بينما تتصرف بشكل مختلف عندما تكون البيئة أكثر هدوءًا واستقرارًا.
وهنا تكمن أهمية هذا النوع من الأبحاث: فالآثار الموجودة في الرواسب ليست مجرد أحافير لحيوانات عاشت في الماضي، وإنما يمكن أن تكون سجلًا لسلوك الحيوانات والظروف البيئية التي أحاطت بها، حتى في الحالات التي لا يتوافر فيها دليل آخر على وجود الحياة.
الرواسب تتحول إلى أرشيف بيئي
إذا تمكن العلماء من العثور على هذه الآثار في البيئات الحديثة، فإنهم يستطيعون مقارنتها بما هو محفوظ داخل الصخور الرسوبية القديمة.
وبذلك يتحول الطين إلى ما يشبه أرشيفًا بيئيًا طبيعيًا؛ فكل طبقة من الرواسب تحمل معلومات عن فترة زمنية معينة، بينما تسجل الآثار التي تركتها الكائنات ظروف البيئة وسلوكها في تلك الفترة.
وتشير جيتس-فليرتي إلى أنه، بحسب معرفتهم، لم تُدرس بصورة كافية أشكال وخصائص الجحور التي تتركها الكائنات في بحيرة البندقية.
ورغم وجود دراسات سابقة تناولت كيفية مساهمة الكائنات في تحريك الرواسب، فإن التركيز على الآثار نفسها يوفر طريقة جديدة لفهم استجابة الكائنات للتغيرات البيئية، وكيف يمكن أن تحفظ الرواسب هذه الاستجابات عبر الزمن، وما يمكن أن تكشفه عن الظروف الفيزيائية والكيميائية للبيئة.
من القارب إلى المختبر.. قراءة طبقات الماضي
في الميدان، كان على الفريق التنقل بالقوارب بين أجزاء مختلفة من البحيرة، والتوقف في بيئات متعددة لاستخراج عينات من الرواسب.
وقد يبدو المشهد للوهلة الأولى متشابهًا في مختلف المناطق: مياه ضحلة وطين ونباتات وقنوات مائية.
لكن الباحثين سرعان ما بدأوا في البحث عن التفاصيل الدقيقة التي تجعل كل موقع مختلفًا عن الآخر.
وتوضح شتشيبِتكينا أن العمل الميداني يجعل الباحث يرى البحيرة بطريقة مختلفة؛ فبدلًا من النظر إليها كمسطح مائي واحد، يبدأ في مراقبة القنوات والمستنقعات وتغير المياه واختلاف أنواع الرواسب، ثم التساؤل عما يجعل موقعًا معينًا أكثر أهمية للدراسة من موقع آخر.
وبعد جمع العينات، تنتقل المهمة إلى المختبر.
ففي مختبر جامعة بادوفا، توفر طبقات الرواسب وسيلة أخرى لقراءة تاريخ البحيرة. ومع تراكم الرواسب بمرور الزمن، تتشكل داخلها طبقات تحفظ سجلًا رأسيًا للتغيرات البيئية، إلى جانب الآثار التي تركتها الكائنات التي عاشت داخلها.
ومن خلال الانتقال تدريجيًا إلى الطبقات الأعمق، يستطيع العلماء العودة إلى فترات أقدم من تاريخ البحيرة الحديث.
70 إلى 80 عامًا من التغير البيئي
تدرس جيتس-فليرتي فترة تمتد لنحو 70 إلى 80 عامًا من تاريخ بحيرة البندقية، وهي فترة تتزامن مع تسارع التغير المناخي، وتركز على كيفية تغير الجحور وسلوك الكائنات بمرور الزمن.
أما دوارتي فتدرس ثلاث بيئات مختلفة من المستنقعات، بما في ذلك المنطقة الانتقالية بين قنوات المد والجزر والمستنقعات، وهي منطقة تشهد تغيرات مستمرة مع ارتفاع مستويات المياه وإعادة تشكيل المشهد الساحلي.
ولا يقتصر المشروع على جمع البيانات العلمية، بل يمثل أيضًا تجربة تعليمية للباحثين الشباب المشاركين فيه.
وتؤكد شتشيبِتكينا أن العمل الميداني إلى جانب باحثين يمتلكون معرفة عميقة ببحيرة البندقية أتاح للطالبات التعرف إلى تقنيات ومعدات وطرق جديدة في طرح الأسئلة العلمية.
وترى أن هذا النوع من التعاون العملي يمنح الطلاب فرصة لتعلم العلوم من خلال الممارسة المباشرة، إلى جانب بناء علاقات واكتساب مهارات يمكن أن تستمر معهم بعد انتهاء المشروع.
وهكذا، لا تقدم بحيرة البندقية للعلماء مجرد صورة عن مدينة تاريخية تواجه خطر ارتفاع المياه وهبوط الأرض، بل تتحول رواسبها وكائناتها الصغيرة إلى مختبر حي لدراسة كيفية استجابة النظم الساحلية لتغير المناخ، وربط التغيرات التي تحدث اليوم بما يمكن أن تخبرنا به الرواسب والصخور عن بيئات الأرض في الماضي.





