تقليل أضواء المدن ليلًا يعيد للأشجار إيقاع الفصول الطبيعي.. دراسة تكشف المفاجأة
ليس البشر وحدهم.. إضاءة المدن ليلًا تربك مواسم الأشجار وخفضها يعكس التأثير
رغم أن مصابيح الشوارع بتقنية LED تساعد المدن على خفض استهلاك الكهرباء، فإن الإضاءة الصناعية ليلًا يمكن أن تؤثر في الإيقاعات الموسمية للأشجار المحيطة بها، فتدفعها إلى بدء نمو براعمها في وقت مبكر خلال الربيع، كما تؤخر تساقط أوراقها في الخريف.
لكن دراسة جديدة تشير إلى أن خفض الإضاءة الليلية في المدن قد يساعد الأشجار على العودة إلى توقيتات موسمية أقرب إلى نمطها الطبيعي.
وقارن باحثون بين مدينتين طبقتا قواعد للحد من الإضاءة الليلية، هما نيويورك وواشنطن، ومدينتين مجاورتين لم تطبقا إجراءات مماثلة، هما نيوارك وفيلادلفيا.
ونُشرت الدراسة الكاملة في دورية PNAS Nexus، وأظهرت بيانات الأقمار الصناعية أن نيويورك وواشنطن أصبحتا أكثر ظلمة ليلًا بين عامي 2022 و2023، وكان الانخفاض الأكبر في الضوء الأزرق.
وفي الفترة نفسها، تحركت مواعيد بدء الربيع وتساقط أوراق الأشجار في نيويورك وواشنطن باتجاه توقيتات أقرب إلى تلك المسجلة في المدينتين المجاورتين.
ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن النتائج تمثل مؤشرًا مبكرًا وليست دليلًا قاطعًا، إذ تعتمد الدراسة على زوجين فقط من المدن وسنة واحدة من البيانات الأساسية.

كيف غيّرت المدن طريقة استخدام الإضاءة؟
كانت نيويورك من أوائل المدن التي فرضت قواعد للحد من الإضاءة الليلية، ومنذ يناير 2022، ألزمت المدينة المباني التي تملكها أو تستأجرها كمستأجر وحيد بإطفاء الإضاءة الخارجية غير الضرورية من الساعة 11 مساءً حتى 6 صباحًا.
وترتبط هذه القواعد أيضًا بمواسم هجرة الطيور، إذ تغطي فترة هجرة الخريف من 15 أغسطس إلى 1 نوفمبر، وفترة هجرة الربيع من 1 أبريل إلى 31 مايو.
كما أصدرت المدينة قانونًا آخر يتعلق بالإضاءة داخل المباني.
ففي نهاية عام 2021، أُقر تركيب أجهزة استشعار تعمل على إطفاء الأنوار في الغرف الخالية، على أن تُطبق هذه الأجهزة في ربع المباني التي تملكها نيويورك على الأقل بحلول عام 2023، وأن تكون موجودة في جميع هذه المباني بحلول عام 2030.
أما واشنطن، فاتخذت مسارًا مختلفًا.
ففي ربيع عام 2022، بدأت المدينة استبدال 75 ألف مصباح شارع تابعًا لوزارة النقل في مقاطعة كولومبيا بمصابيح LED، مع تزويد كل مصباح بوحدة تتيح للفرق المسؤولة التحكم في شدة الإضاءة عن بُعد.
وجرى تحديد درجة حرارة لون كل مصباح جديد عند 2700 أو 3000 كلفن، وهي درجات إضاءة أكثر دفئًا تنتج كمية أقل من الضوء الأزرق مقارنة بالمصابيح ذات الضوء الأبيض الأكثر برودة.
وفي المقابل، لم تطبق نيوارك وفيلادلفيا إجراءات مماثلة على مستوى المدينة.
وكانت فيلادلفيا قد بدأت بالفعل تجارب لتركيب مصابيح LED في الشوارع، لكن تطبيقها ظل متباينًا من منطقة إلى أخرى.
الأقمار الصناعية تكشف تراجع الضوء ليلًا
استخدم الباحثون بيانات القمر الصناعي SDGSAT-1، الذي أُطلق في نوفمبر 2021، وعلى عكس معظم أجهزة استشعار الإضاءة الليلية التي تسجل مستوى السطوع في قناة واحدة، يستطيع هذا القمر الصناعي تسجيل الضوء في قنوات منفصلة للألوان الأحمر والأخضر والأزرق.
ويغطي كل بكسل مساحة تبلغ نحو 130 قدمًا (40 مترًا) من كل جانب.
وكان فصل الألوان مهمًا بالنسبة إلى هذه الدراسة، لأن القناة الزرقاء في الجهاز تمتد إلى أطوال موجية زرقاء بدرجة أكبر من القنوات العامة المستخدمة في قياس سطوع المدن، ما يجعلها أكثر حساسية للضوء الذي تنتجه مصابيح LED.
وقارن براندت جايست ولين منغ، من جامعة فاندربيلت، كل زوج من المدن داخل الصورة الفضائية نفسها، بحيث تكون المدينتان مصورتين في الليلة نفسها وتحت الظروف الجوية نفسها.
وفي القناة الزرقاء، انخفض سطوع 19.14% من وحدات البكسل في واشنطن بأكثر من متوسط الانخفاض المسجل في المدينة، بينما زاد سطوع 5.11% منها بالمقدار نفسه.
وفي نيوارك، حدث العكس تقريبًا؛ إذ انخفض سطوع 2.27% من وحدات البكسل، بينما زاد سطوع 5.66%.
وبوجه عام، أصبحت نيويورك وواشنطن أكثر ظلمة، بينما أصبحت نيوارك وفيلادلفيا أكثر سطوعًا.
وللتأكد من الاتجاه، أعاد الفريق تحليل بيانات واشنطن وفيلادلفيا باستخدام سجل «Black Marble» التابع لناسا، الذي يمتد لخمس سنوات.
وظلت الإضاءة الليلية في واشنطن في اتجاه تنازلي، بينما واصلت الارتفاع في فيلادلفيا.
لكن خريطة نيويورك نفسها لم تكن موحدة؛ فقد أصبحت مساحات واسعة من مانهاتن أكثر سطوعًا، وهو ما ربطه الباحثون بعودة المكاتب والأنشطة التجارية إلى العمل بعد جائحة كورونا.

الربيع تأخر والخريف جاء في وقت أبكر
لتتبع استجابة الأشجار، استخدم الباحثون سجلًا فضائيًا تابعًا لناسا يرصد توقيت بدء اخضرار النباتات وتوقيت بدء تراجع الغطاء النباتي، مع بيانات تمتد إلى عام 2004.
وتتأثر هذه المواعيد بالإضاءة الليلية داخل المدن، التي يمكن أن تطيل موسم النمو وتساهم أيضًا في إطالة مواسم حبوب اللقاح.
وخلال الفترة من 2004 إلى 2022، بدأ الربيع في نيويورك في المتوسط قبل نيوارك بنحو 2.1 يوم.
لكن في عام 2023، تغير الاتجاه، وأصبح بدء الربيع في نيويورك بعد نيوارك بنحو 2.0 يوم.
وفي واشنطن، ظل الربيع يبدأ قبل فيلادلفيا، بفارق متوسط بلغ 8.8 يوم، لكنه انخفض إلى 5 أيام في عام 2023.
وبذلك تحرك توقيت الربيع في المدينتين اللتين طبقتا قواعد للإضاءة في اتجاه التأخر مقارنة بالمدن المجاورة، وهو الاتجاه المتوقع إذا كان انخفاض الإضاءة الليلية يساعد على تأخير فتح البراعم.
أما الخريف، فتحرك في الاتجاه المعاكس وبدرجة أكبر.
فقد بدأت أوراق أشجار نيويورك في التلاشي في المتوسط بعد أوراق نيوارك بنحو 1.6 يوم، لكن في عام 2023 أصبحت تتلاشى قبلها بنحو 8 أيام.
وفي واشنطن، تلاشت أوراق الأشجار قبل فيلادلفيا بنحو 5.6 يوم في المتوسط، وارتفع الفارق إلى 9 أيام في عام 2023.
لماذا يمثل الضوء الأزرق مشكلة للأشجار؟
يُعد الضوء الأزرق الجزء من الطيف الضوئي الذي ربطته دراسات سابقة ببدء الربيع في وقت مبكر.
وفي عام 2018، أفاد باحثون بأن الضوء الأزرق أدى إلى فتح البراعم مبكرًا في فروع ثلاثة أنواع من الأشجار المتساقطة الأوراق.
كما أن الضوء الأزرق يمثل أحد مكونات الإضاءة التي تستطيع المدن تقليلها نسبيًا بسهولة.
فالضوء الأزرق يتشتت في الغلاف الجوي بدرجة أكبر من الضوء الأحمر أو الأخضر، ولذلك يمكن أن يؤدي حجب المصابيح أو توجيهها بصورة أفضل أو خفض شدتها إلى تقليل انتشار الضوء الأزرق في السماء بدرجة أكبر.
ولا تقتصر آثار الضوء الصناعي ليلًا على الأشجار.
فقد أشارت أبحاث أخرى إلى أن الضوء الأزرق يمكن أن يزيد احتمالات اصطدام الطيور المهاجرة بالمباني، كما ارتبطت الليالي شديدة السطوع بتكوين أوراق أكثر صلابة في الأشجار، ما قد يجعلها أقل ملاءمة للحشرات التي تتغذى عليها.
كما ربطت دراسات الإضاءة الصناعية ليلًا بآليات إطلاق النظم البيئية للكربون بعد حلول الظلام.
ويُعد ترافيس لونجكور، من معهد البيئة والاستدامة بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، أحد مؤلفي الدراسة، وكان من الباحثين الذين ساهموا في ترسيخ مفهوم التلوث الضوئي البيئي بوصفه مجالًا بحثيًا في ورقة علمية نُشرت عام 2004.
لكن الباحثين حذروا من أن النتائج المتعلقة بالضوء الأزرق تحديدًا قد تتأثر بعدة عوامل، منها خصائص جهاز الاستشعار، والغلاف الجوي، وزاوية سقوط الضوء، وهي عوامل يمكن أن تضخم الاختلافات بين نطاقات الألوان المختلفة.

الدراسة لها حدود مهمة
رغم أهمية النتائج، فإن الدراسة تواجه عددًا من القيود، فالقمر الصناعي SDGSAT-1 يمر فوق المنطقة الشمالية الشرقية من الولايات المتحدة في نحو الساعة 9 مساءً، بينما لا يبدأ تطبيق قاعدة نيويورك المتعلقة بإطفاء الإضاءة في المباني حتى الساعة 11 مساءً.
وهذا يعني أن جميع الصور المستخدمة في الدراسة التُقطت قبل بدء الفترة التي تستهدفها القاعدة.
كما تحصل كل مدينة على صورة واحدة خالية من السحب في العام، بينما جاءت صورتا واشنطن وفيلادلفيا من موسمين مختلفين، هما 21 فبراير 2022 و4 أكتوبر 2023.
وتوجد قيود أيضًا في بيانات الأشجار، إذ تبلغ مساحة البكسل الواحد نحو ثلث ميل من كل جانب، ما يعني أن المتوسط على مستوى المدينة يمكن أن يخلط بين الحدائق وأشجار الشوارع والمروج، وكذلك بين المناطق الدافئة والمناطق الأكثر برودة.
وكتب فريق جايست أن نتائجه ينبغي تفسيرها باعتبارها مؤشرات وليست استنتاجات حاسمة.
فوجود مدينتين فقط طبقتا قواعد للإضاءة ومدينتين للمقارنة، إلى جانب الاعتماد الأساسي على سنة واحدة من البيانات، لا يسمح بالفصل بشكل كامل بين تأثير قواعد الإضاءة وعوامل أخرى، مثل حركة المرور وأعمال البناء والطقس.
كما أن الفترة بين الساعة 11 مساءً والفجر، وهي الفترة التي استهدفتها قاعدة نيويورك تحديدًا، كانت خارج نطاق الرصد الذي أتاحته الدراسة.
نحو قياسات أكثر دقة للتلوث الضوئي
يخطط الباحثون في الدراسات المقبلة لمقارنة مناطق يُفترض أن تظل مستويات الإضاءة الليلية فيها مستقرة، بحيث يمكن استخدامها خط أساس للتحقق من دقة القياسات.
كما يريدون دراسة عدد أكبر من أزواج المدن في مناطق ذات مناخات مختلفة، لمعرفة ما إذا كانت النتائج تتكرر في ظروف بيئية متنوعة.
ودعا الباحثون أيضًا إلى استخدام أجهزة استشعار أرضية قادرة على قياس الإضاءة في المدن طوال الليل، بدلًا من الاعتماد على قمر صناعي يمر فوق المنطقة مرة واحدة تقريبًا في الساعة التاسعة مساءً.
وتشير النتائج، رغم محدوديتها، إلى أن إدارة الإضاءة الليلية لا تتعلق فقط بتوفير الطاقة أو تحسين رؤية البشر في الشوارع، بل قد تمتد آثارها إلى الإيقاعات الموسمية للنباتات والحياة البرية داخل المدن.





