أخبارالمدن الذكيةالاقتصاد الأخضر

من الطرق إلى القطارات والطائرات والسفن.. كيف يهدد تغير المناخ مستقبل النقل؟

الحرارة تحني قضبان القطارات والجفاف يعطل السفن.. الوجه الخفي لتأثير تغير المناخ على النقل

مع تزايد حدة وتكرار الظواهر الجوية المتطرفة بفعل تغير المناخ، أصبحت شبكات النقل حول العالم أكثر عرضة للاضطرابات، إذ تتسبب الفيضانات وموجات الحر والجفاف وحرائق الغابات والعواصف في تعطيل الطرق والسكك الحديدية والمطارات والممرات المائية.

ولا تتأثر جميع وسائل النقل بالطريقة نفسها؛ فالفيضانات قد تجرف الطرق أو تغمر خطوط مترو الأنفاق، بينما يمكن لموجات الحر أن تؤدي إلى تمدد وتشوه قضبان السكك الحديدية، في حين يتسبب الجفاف في انخفاض مناسيب الأنهار، بما يعيق حركة سفن الشحن ويؤثر في سلاسل الإمداد.

ولا تقتصر تداعيات هذه الظواهر على إلغاء الرحلات أو تأخيرها، إذ إن تعطل جزء واحد من شبكة النقل يمكن أن ينتقل تأثيره سريعًا إلى أجزاء أخرى من الدولة أو حتى القارة، ما ينعكس على حركة البضائع والأعمال والحياة اليومية.

الطرق تحت ضغط الحرارة والفيضانات

تتسبب الأمطار الغزيرة في غمر الشوارع والأنفاق بالمياه، كما يمكن أن تؤدي إلى حدوث انهيارات أرضية وتدمير الجسور وإغلاق الطرق. وفي المقابل، تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى تليين الأسفلت وتمدد الخرسانة وتشوه بعض إشارات الطرق.

كما يمكن للدخان الناتج عن حرائق الغابات والعواصف الترابية أن يقلل مدى الرؤية، ويحوّل القيادة في الطرق إلى نشاط أكثر خطورة.

وفي العاصمة البريطانية لندن، يواجه سائقو الحافلات ظروفًا قاسية خلال موجات الحر، إذ تجاوزت درجات الحرارة داخل بعض مقصورات القيادة 40 درجة مئوية، ما دفع العاملين إلى المطالبة بتحسين ظروف العمل خلال الطقس شديد الحرارة.

وتزداد مخاطر الطرق عندما تتزامن عدة ظواهر جوية متطرفة في الوقت نفسه، مثل هطول الأمطار الغزيرة المصحوبة برياح قوية، والتي يمكن أن تتسبب في سقوط الأشجار وخطوط الكهرباء وإغلاق الطرق وجعل استخدامها أكثر خطورة.

موجات الحر

السكك الحديدية.. قضبان مهددة بالتمدد والتشوه

تُعد السكك الحديدية من أكثر أنظمة النقل تأثرًا بالفيضانات والحرارة الشديدة. ففي جنوب ألمانيا عام 2024، تسببت الأمطار الغزيرة في انهيار أرضي أدى إلى خروج قطار فائق السرعة عن مساره، كما تسببت الفيضانات في إلغاء وتأخير العديد من الرحلات.

وفي بريطانيا، أدت موجات الحر السابقة إلى تعطيل حركة القطارات، بعدما تسببت درجات الحرارة المرتفعة في أضرار بخطوط الكهرباء العلوية، ما أدى إلى احتجاز ركاب داخل قطارات في ظروف شديدة الحرارة.

وفي إحدى الرحلات بين باريس وبروكسل عام 2022، وصلت درجات الحرارة داخل قطار إلى نحو 45 درجة مئوية بعد تعطل نظام تكييف الهواء، ما ترك مئات الركاب في ظروف حرارية قاسية.

ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة، قد تضطر شركات تشغيل القطارات إلى خفض السرعة خلال موجات الحر لتقليل مخاطر تمدد قضبان السكك الحديدية أو انحنائها، وهو ما يؤدي بدوره إلى زيادة زمن الرحلات.

الطيران في مواجهة الحرارة والحرائق والعواصف

لا تسلم المطارات والطائرات من تداعيات تغير المناخ. فدرجات الحرارة المرتفعة يمكن أن تقلل أداء الطائرات، كما يمكن أن تؤثر في سلامة مدارج المطارات.

وخلال موجة الحر التي ضربت أوروبا عام 2022، أُغلق مطار لوتون في لندن بصورة مؤقتة بعدما تعرض جزء من مدرجه للتشوه نتيجة درجات الحرارة القياسية، ما أدى إلى تحويل رحلات جوية إلى مطارات أخرى.

كما يمكن للعواصف والفيضانات أن تهدد المطارات الواقعة في المناطق الساحلية، بينما يتسبب دخان حرائق الغابات في تقليص الرؤية وإلغاء الرحلات. وفي عام 2025، أُلغيت مئات الرحلات من مطار مرسيليا في فرنسا بسبب دخان حريق غابات قريب.

الطيران في مواجهة تغير المناخ
الطيران في مواجهة تغير المناخ

الجفاف يهدد النقل النهري وسلاسل الإمداد

يواجه النقل عبر الأنهار والممرات المائية مفارقة متزايدة بسبب تغير المناخ؛ ففي بعض الأحيان تكون المياه أكثر من اللازم، وفي أحيان أخرى لا تكون كافية للسماح بمرور السفن.

فالأمطار الغزيرة يمكن أن ترفع منسوب الأنهار إلى مستويات تعوق الملاحة، بينما يؤدي الجفاف إلى انخفاضها بصورة كبيرة، ما يمنع سفن الشحن من تحميل حمولاتها المعتادة أو المرور عبر بعض الممرات.

وشهد نهر الدانوب في النمسا ارتفاعًا كبيرًا في منسوبه خلال عام 2024، بينما انخفض منسوبه في بلغاريا خلال عام 2026 إلى مستويات قياسية، ما أدى إلى ظهور بقايا ماموث كانت مدفونة تحت المياه.

كما تسبب الجفاف خلال صيف 2026 في انخفاض مناسيب نهر الراين في ألمانيا وقناة بنما، ما أثر في قدرة سفن الشحن على العبور، وأدى إلى ضغوط على سلاسل الإمداد الوطنية والعالمية.

الجفاف يؤثر على منسوب مياه نهر الراين في ألمانيا

تأثير الدومينو.. تعطل وسيلة يضغط على بقية الشبكة

تعمل منظومة النقل باعتبارها سلسلة مترابطة، ولذلك فإن تعطل أحد مكوناتها يمكن أن يضع ضغوطًا إضافية على المكونات الأخرى.

فعندما تنخفض مناسيب نهر الراين، على سبيل المثال، يمكن أن تتأثر إمدادات الوقود، ما ينعكس على محطات الوقود والأسعار. وعندما تتوقف السكك الحديدية بسبب الفيضانات، ينتقل الركاب إلى الطرق، ما يزيد الازدحام.

وينطبق الأمر نفسه على حركة البضائع؛ فإذا تعطلت الموانئ بسبب ارتفاع منسوب المياه أو العواصف، قد تضطر الشحنات إلى استخدام طرق برية بديلة، ما يضغط على الطرق السريعة ويزيد تكاليف النقل.

وتشير التقديرات إلى أن شبكة النقل الساحلية في أوروبا تتكبد بالفعل مئات الملايين من اليوروهات سنويًا نتيجة الأضرار المرتبطة بالطقس، وقد تتضاعف هذه الخسائر لتصل إلى نحو 1.5 مليار يورو سنويًا.

تغير المناخ يغير طريقة سفر البشر

لا تتطلب تأثيرات الطقس المتطرف تدمير البنية التحتية للنقل حتى يشعر بها الناس. فموجات الحر يمكن أن تزيد مخاطر حوادث المرور بسبب الإرهاق وانخفاض التركيز، بينما تدفع الحرارة الشديدة والأمطار الغزيرة الناس إلى تغيير توقيت السفر ووسيلته ووجهته.

وقد تمتد التأثيرات إلى قطاع السياحة، إذ يمكن لتكرار الظروف الجوية القاسية أن يؤثر في قرارات المسافرين بشأن اختيار الوجهات السياحية.

السفينة السياحية Havila Voyages، كانت الرحلة نحو مدينة بيرغن النرويجية تحمل مفاجأة غير معتادة:
قطاع السياحة

كيف يمكن جعل البنية التحتية أكثر قدرة على الصمود؟

يتطلب التعامل مع هذه المخاطر تطوير بنية تحتية أكثر قدرة على تحمل الظروف المناخية المستقبلية، من خلال استخدام مواد مقاومة للحرارة في الطرق والسكك الحديدية، وتحسين أنظمة تصريف المياه، وحماية محطات القطارات والموانئ من الفيضانات، وتصميم بنية تحتية أكثر قدرة على مواجهة ارتفاع مستوى سطح البحر.

ولا تقتصر عملية التكيف على المنشآت نفسها، إذ يمكن اتخاذ إجراءات لحماية مستخدمي النقل، مثل تقليل أوقات الانتظار عند إشارات المرور خلال موجات الحر، وتوفير الظل على مسارات المشاة والدراجات، وتعديل جداول تشغيل القطارات وسرعاتها أثناء ارتفاع درجات الحرارة.

ومع ذلك، لا يمكن جعل البنية التحتية للنقل محصنة بالكامل ضد تغير المناخ، خاصة مع استمرار عدم اليقين بشأن طبيعة وشدة المخاطر المستقبلية، فضلًا عن ارتفاع تكلفة حماية كل منشأة من جميع السيناريوهات المحتملة.

لكن الاعتماد على إصلاح الأضرار بعد وقوع الكوارث لم يعد كافيًا، إذ أصبحت دمج القدرة على التكيف مع تغير المناخ والمرونة المناخية في تصميم شبكات النقل وتخطيطها ضرورة متزايدة لحماية حركة الأشخاص والبضائع والاقتصادات من تداعيات الطقس المتطرف.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة