أخبارالتنمية المستدامةابتكارات ومبادرات

خشب ينحني ولا ينكسر.. تقنية مستدامة تعيد تشكيل الخشب دون مواد بترولية

الأثاث والآلات الموسيقية والألعاب.. تقنية خضراء تمنح الخشب مرونة غير مسبوقة

لطالما كان الخشب واحدًا من أكثر المواد الطبيعية استدامة وتنوعًا، فهو قوي وقابل للتحلل الحيوي ومتوافر بتكلفة معقولة، لكن إحدى خصائصه الطبيعية تفرض قيودًا على استخدامه في كثير من التطبيقات: صلابته وصعوبة تشكيله في منحنيات معقدة دون إتلاف بنيته.

الآن، طور باحثون في المعهد الإيطالي للتكنولوجيا (IIT) في مدينة جنوة طريقة جديدة تجعل الخشب مرنًا بصورة مؤقتة وتحت تحكم الباحثين، بحيث يمكن ثنيه وتشكيله ثم تثبيت الشكل الجديد بعد التجفيف، من دون فقد خصائصه الميكانيكية الطبيعية.

وتقدم التقنية، المنشورة في دورية Communications Materials، مسارًا منخفض الطاقة لمعالجة الخشب، مع تجنب استخدام المواد البترولية اللازمة في بعض تقنيات تصنيع الخشب المنحني التقليدية.

والأهم أن الخشب بعد معالجته يظل قابلًا للتحلل الحيوي، وهو ما يفتح المجال أمام تطبيقات تتوافق بصورة أكبر مع مبادئ الاقتصاد الدائري.

لماذا يصعب ثني الخشب؟

على عكس المعادن وبعض أنواع البلاستيك، يمتلك الخشب بنية داخلية معقدة تجعله قويًا وصلبًا في اتجاهات معينة، لكن محاولة إجباره على الانحناء قد تؤدي إلى تشققه أو كسره أو فقدانه جزءًا من خصائصه الميكانيكية.

ولهذا طورت الصناعة على مدى سنوات مجموعة من الأساليب لمعالجة الخشب وتحويله إلى أشكال منحنية.

وتنقسم هذه الأساليب بصورة عامة إلى مسارين.

الأول يعتمد على عمليات قد تكون مرتفعة الاستهلاك للطاقة، وقد تؤثر في الخصائص الميكانيكية للخشب أو تقلل من متانته.

أما المسار الآخر فيعتمد على تقنيات مثل تصنيع الخشب الرقائقي والخشب المصفح، التي تستخدم عادة مواد لاصقة مشتقة من صناعة البتروكيماويات.

وهنا تظهر مشكلة إضافية؛ فهذه المواد اللاصقة قد تكون ملوثة أثناء التصنيع، كما يمكن أن تجعل المنتج النهائي أقل قابلية للتحلل الحيوي، ما يعقد عملية التخلص منه أو إعادة إدخاله في دورة المواد بعد انتهاء عمره الافتراضي.

مذيب نباتي بدل المواد البترولية

لمعالجة هذه المشكلة، طور فريق وحدة المواد الذكية (Smart Materials) في المعهد الإيطالي للتكنولوجيا، بقيادة أثاناسيا أثاناسيو، معالجة جديدة منخفضة الطاقة تجعل الخشب مرنًا بصورة مؤقتة.

العنصر الرئيسي في هذه العملية هو مادة Cyrene، وهي مذيب يُشتق من السليلوز، أحد المكونات الطبيعية الرئيسية الموجودة في النباتات.

وعند مزج المذيب بالماء، يستطيع التأثير في المكونات غير المتبلورة في الخشب، وعلى رأسها اللجنين والهيميسليلوز، وكذلك في ألياف السليلوز، بطريقة تسمح بتغيير قابلية الخشب للانحناء دون تدمير بنيته الداخلية الطبيعية.

وقد درس الباحثون هذه التأثيرات على مستوى جزيئي لفهم الطريقة التي تتغير بها بنية الخشب أثناء المعالجة.

الخشب يصبح مرنًا.. ثم يحتفظ بالشكل الجديد

بعد تشريب الخشب بالمادة المعالجة، يصبح أكثر ليونة وقابلية للثني، وفي هذه المرحلة يمكن تشكيله بالهندسة المطلوبة، ثم يجري تجفيف الخشب، ما يؤدي إلى تثبيت الشكل الجديد.

وبحسب الباحثين، لا تؤدي هذه العملية إلى التضحية بالخصائص الميكانيكية الأصلية للخشب، وهي نقطة مهمة للغاية بالنسبة إلى استخدام التقنية في المنتجات التي تحتاج إلى القوة والمتانة، وليس مجرد القدرة على تشكيل المادة.

لكن التقنية تحمل ميزة أخرى أكثر لفتًا للانتباه: يمكن إخضاع الخشب لمعالجة ثانية تسمح بإعادته إلى شكله الأصلي أو تشكيله في هيئة مختلفة.

وبذلك لا تصبح عملية التشكيل بالضرورة نقطة نهاية في دورة حياة المادة، بل يمكن إعادة تعديل الشكل مستقبلًا.

لا مواد بترولية.. والخشب يظل قابلًا للتحلل

أحد أبرز جوانب التقنية الجديدة هو أنها لا تتطلب إضافة مواد ذات أساس بتروكيميائي إلى الخشب.

وهذا يعني أن المادة الخشبية المشكلة تحتفظ بقدرتها على التحلل الحيوي، وهو ما يختلف عن بعض أنواع الأخشاب المصفحة أو المنتجات التي ترتبط موادها اللاصقة بالبتروكيماويات.

ومن منظور الاقتصاد الدائري، يمكن أن تكون هذه الخاصية مهمة؛ إذ لا يتعلق الاستدامة فقط بكيفية تصنيع المنتج، وإنما أيضًا بما يحدث له في نهاية عمره الافتراضي.

وتقول مارتينا ناردي، الباحثة في وحدة المواد الذكية بالمعهد الإيطالي للتكنولوجيا، إن الخشب يجمع بين القوة والمتانة وخصائص العزل وأصله الطبيعي، ولذلك يمكن أن يؤدي دورًا مهمًا في تقليل الآثار المرتبطة بتغير المناخ، مشيرة إلى أن زيادة قابلية تشغيله وتوسيع نطاق استخداماته يمكن أن تجعل المادة أكثر فائدة في تطبيقات جديدة.

ما أنواع الخشب التي اختبرها الباحثون؟

لم تُختبر التقنية على كتل خشبية ضخمة، وإنما على صفائح رقيقة تراوحت سماكتها بين 1 و5 ملليمترات.

وكان خشب الزيزفون (Basswood) المادة الرئيسية التي ركزت عليها الدراسة، إلى جانب أنواع أخرى شملت:

  •  البلسا (Balsa)
  •  جوز باهيا (Bahia walnut)
  •  الأوكومي (Okoumé)
  •  الرماد (Ash)

وتستخدم هذه الأنواع في مجالات مثل صناعة النماذج والأعمال الخشبية.

وهذه النقطة مهمة عند تقييم مدى جاهزية التقنية للتطبيق الصناعي؛ إذ يشير الباحثون إلى أن استخدام قطع خشبية أكبر حجمًا سيكون ممكنًا فقط في منشآت صناعية مجهزة، ما يعني أن الانتقال من التجارب المعملية إلى خطوط الإنتاج واسعة النطاق لا يزال يحتاج إلى مزيد من التطوير والاختبار.

من الأثاث إلى الآلات الموسيقية

يبحث فريق المعهد الإيطالي للتكنولوجيا حاليًا عن التطبيقات التي يمكن أن تستفيد أكثر من الخشب القابل للثني.

وتشمل المجالات المستهدفة: الأثاث، والتصميم الداخلي، وصناعة الآلات الموسيقية، وألعاب الأطفال، إلى جانب منتجات أخرى تعتمد على الأشكال المنحنية.

ففي صناعة الأثاث مثلًا، يمكن أن تتيح القدرة على تشكيل الخشب دون الاعتماد المكثف على المواد اللاصقة إنتاج تصميمات منحنية مع الحفاظ على الطبيعة الخشبية للمادة.

وفي صناعة الآلات الموسيقية، يمكن أن تكون القدرة على التحكم في هندسة القطع الخشبية ذات أهمية خاصة، بينما يمكن أن تستفيد صناعة الألعاب والنماذج من سهولة تشكيل صفائح الخشب.

لكن هذه التطبيقات لا تزال قيد الدراسة والتحسين، والتقنية حاليًا موضوع طلب براءة اختراع.

هل يمكن أن يصبح الخشب مادة قابلة لإعادة التشكيل؟

الفكرة التي تقدمها التقنية تتجاوز مجرد ثني قطعة خشبية، فالباحثون يقترحون استراتيجية لمعالجة مادة متجددة وتعديل خصائصها مؤقتًا، ثم تثبيت شكلها، مع إمكانية إعادة تغيير الشكل لاحقًا.

وهذا يقترب من مفهوم أكثر اتساعًا في علم المواد المستدامة: تصميم المواد بحيث يمكن تغيير خصائصها أو أشكالها دون تحويلها إلى منتجات يصعب إعادة استخدامها أو التخلص منها في نهاية عمرها.

وفي هذه الحالة، يجتمع عدد من العوامل في عملية واحدة: مادة مصدرها نباتي، ومعالجة منخفضة الطاقة، وعدم الحاجة إلى مواد لاصقة بترولية، وإمكانية إعادة تشكيل الخشب، مع الحفاظ على قابليته للتحلل الحيوي.

نحو جيل جديد من المواد الخشبية

ترى أثاناسيا أثاناسيو، نائبة المدير العلمي للمعهد الإيطالي للتكنولوجيا ومنسقة الدراسة، أن إعادة التفكير في المواد المتجددة وتكييف خصائصها لتناسب تطبيقات مختلفة، باستخدام مواد كيميائية منخفضة التأثير وعمليات منخفضة استهلاك الطاقة، يمكن أن يمثل أحد المسارات العملية نحو إنتاج أكثر استدامة.

وتأتي هذه التقنية ضمن برنامج Technologies for Sustainability في المعهد، الذي يجمع تخصصات مختلفة بهدف تطوير تقنيات مستدامة وتحويلها إلى تطبيقات عملية يمكن استخدامها في المجتمع والسوق.

ومع ذلك، فإن الطريق إلى الإنتاج التجاري الواسع لم يُحسم بعد. فالتقنية لا تزال في مرحلة البحث والتطوير، وتحتاج إلى تحسينات واختبارات على قطع خشبية أكبر، وتقييم الأداء على المدى الطويل، ودراسة تكاليف المعالجة والتوسع الصناعي.

لكن النتائج تطرح اتجاهًا لافتًا في صناعة المواد: بدل تغيير طبيعة الخشب بإضافة مواد صناعية يصعب التخلص منها، يمكن تعديل طريقة تعامله مؤقتًا مع الحفاظ على بنيته وقابليته للتحلل.

وقد يكون هذا النوع من الابتكار خطوة نحو منتجات خشبية أكثر مرونة في التصميم، وأقل اعتمادًا على المواد البترولية، وأكثر توافقًا مع مبادئ الاقتصاد الدائري.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة