حصير ياباني عمره قرون يرفع التركيز ويخفف التوتر.. ماذا وجد العلماء؟
ليس مجرد أرضية تقليدية.. حصير «التاتامي» يرتبط بانخفاض التوتر وتحسن الانتباه
قد لا يكون حصير التاتامي الياباني التقليدي مجرد جزء من الديكور أو التراث الثقافي، إذ تشير دراسة علمية صغيرة إلى أن الجلوس فوقه قد يرتبط بتحسن قصير المدى في الانتباه وانخفاض الشعور بالتوتر، مقارنة بالجلوس فوق سطح بلاستيكي.
ووجد الباحثون أن الطلاب الذين جلسوا على حصير مصنوع من نبات «إيجوسا» الياباني استجابوا لمهمة ذهنية بسرعة أكبر قليلًا، كما أظهرت تسجيلات نشاط الدماغ لديهم زيادة في موجات «بيتا» المرتبطة بالانتباه والتركيز أثناء أداء المهمة.
لكن الدراسة لا تقدم دليلًا نهائيًا على أن حصير التاتامي يحسن التركيز أو يقلل القلق لدى جميع الأشخاص، إذ اقتصرت التجربة على 17 طالبًا فقط، وكانت التأثيرات قصيرة المدى.
وقاد الدراسة كونيوشي شيميزو، الأستاذ المشارك في كلية الزراعة بجامعة كيوشو في مدينة فوكوكا اليابانية، بعدما كان فريقه قد درس في أبحاث سابقة تأثير المركبات العطرية المنبعثة من نبات «إيجوسا» في الاسترخاء.
نبات «إيجوسا» سر حصير التاتامي
يتكون السطح التقليدي لحصير التاتامي من نبات إيجوسا (Igusa)، وهو نوع من نباتات السمار أو البردي يُزرع ويُجفف ثم يُنسج لتكوين الطبقة الخارجية للحصير.
وتأتي أكثر من 90% من إمدادات اليابان من هذا النبات من مدينة ياتسوشيرو في جزيرة كيوشو، وهي الجزيرة نفسها التي تقع فيها جامعة كيوشو.
ويتميز نبات إيجوسا برائحة خاصة ناتجة عن مجموعة من المركبات الكيميائية. وعندما قام الباحثون بطحن أجزاء من الحصير وتحليل مكوناته، وجدوا مركب الهكسانال (Hexanal)، الذي يرتبط برائحة خضراء تشبه رائحة العشب، إلى جانب الفانيلين (Vanillin) المعروف برائحة الفانيليا، وحمضين عضويين، أحدهما هو حمض الأسيتيك الموجود أيضًا في الخل.
وفي المقابل، احتوى الهواء في الغرفة التي وُضع فيها الحصير البلاستيكي على حمض الأسيتيك فقط، إلى جانب مادة مضادة للأكسدة تستخدم في تصنيع البلاستيك.
وقال شيميزو إن رائحة نبات إيجوسا ترتبط في الثقافة اليابانية بالشعور بالراحة والاسترخاء، لكن الأدلة العلمية التي تدعم هذه العلاقة لا تزال محدودة.
تجربة داخل غرفة عازلة للصوت
شارك في التجربة 17 طالبًا، وجلس كل واحد منهم على نوعي الحصير، بحيث خضع كل مشارك لتجربتين منفصلتين، واحدة فوق حصير إيجوسا والأخرى فوق سطح بلاستيكي.
وأُجريت الزيارتان بفاصل يقارب أسبوعين، وفي الفترة الزمنية نفسها من اليوم، مع تغيير ترتيب الحصير بصورة عشوائية حتى لا يعرف المشاركون مسبقًا أي نوع سيستخدمونه.
وجرت التجربة داخل حجرة عازلة للصوت تبلغ مساحتها الداخلية نحو 4.2 متر مكعب، أي ما يقارب حجم غرفة صغيرة، مع إطفاء الأنوار وإغلاق الباب.
وقبل دخول الحجرة، ارتدى الطلاب ملابس قطنية مخصصة للتجربة لتقليل تأثير العطور أو روائح المنظفات والملابس على النتائج.
وخلال جلوسهم على كل نوع من الحصير، أُجريت لهم مهمة بسيطة تعتمد على التمييز بين الصور المعروضة على شاشة، مع فترة راحة مدتها دقيقة ونصف بين جولات الاختبار.
وفي الوقت نفسه، سجل الباحثون نشاط الدماغ باستخدام 30 قطبًا كهربائيًا مثبتًا على فروة الرأس، من خلال تقنية تخطيط كهربية الدماغ EEG.
كما ملأ المشاركون استبيانات لتقييم حالتهم المزاجية قبل التجربة وبعدها، إلى جانب تقييم رائحة الغرفة وفق مجموعة من الصفات، مثل كونها عطرية أو حديثة أو قديمة الطابع.
استجابة أسرع فوق الحصير الياباني
أظهرت النتائج أن الطلاب كانوا أسرع قليلًا في الاستجابة للمهمة أثناء الجلوس على حصير إيجوسا.
وبلغ متوسط زمن الاستجابة نحو 523 مللي ثانية على الحصير العشبي، مقارنة بنحو 537 مللي ثانية على الحصير البلاستيكي، أي بفارق يقارب 14 مللي ثانية.
ورغم ذلك، لم يظهر اختلاف في دقة الإجابات بين نوعي السطحين.
وكان الفارق الأكثر لفتًا للباحثين مرتبطًا بنشاط الدماغ.
فقد ارتفعت قوة موجات بيتا في مناطق أمامية من الدماغ أثناء أداء المهمة عند الجلوس على حصير إيجوسا، مقارنة بالجلوس على السطح البلاستيكي.
وتُعد موجات بيتا من أنماط النشاط الكهربائي الدماغي المرتبطة بحالات اليقظة والانتباه، ولذلك اعتبر الباحثون الزيادة التي رصدوها مؤشرًا على زيادة الانخراط المعرفي أثناء أداء المهمة.
وقال شيميزو إن نتائج تخطيط الدماغ أظهرت زيادة في نشاط موجات بيتا في مناطق معينة أثناء أداء المهام على حصير إيجوسا، وهو ما يتوافق مع زيادة التركيز والانخراط المعرفي.
لكن اللافت أن نشاط الدماغ أثناء الراحة وقبل بدء المهمة لم يختلف بين نوعي الحصير، ما يشير إلى أن الفارق ظهر بصورة أساسية أثناء أداء المهمة الذهنية.
التوتر انخفض بصورة أكبر على الحصير
شملت استبيانات الحالة المزاجية سبعة مشاعر مختلفة، بينها الغضب والتعب والشعور بالود والتوتر والقلق.
ولم تختلف معظم المشاعر بصورة كبيرة بين التجربتين، لكن التوتر والقلق انخفضا بدرجة أكبر بعد الجلوس على حصير إيجوسا مقارنة بالحصير البلاستيكي.
وبحسب الباحثين، كان انخفاض التوتر بعد الجلسة على الحصير العشبي يقارب ضعف الانخفاض المسجل بعد الجلوس على السطح البلاستيكي.
كما فضّل المشاركون رائحة حصير إيجوسا، ووصفوها بأنها أقوى وأكثر قبولًا واسترخاءً، كما صنفوا الغرفة بأنها أكثر ارتباطًا بالطابع «القديم» وأقل حداثة.
ويرى الباحثون أن الإحساس بالألفة ربما يكون قد لعب دورًا في هذه التقييمات، خصوصًا أن بعض المشاركين قد يكونون معتادين بالفعل على رائحة حصير التاتامي في حياتهم اليومية.
هل الرائحة وحدها هي السبب؟
لم تختبر الدراسة تأثير رائحة إيجوسا بصورة منفصلة عن الحصير نفسه.
فالمشاركون جلسوا على الحصير، وبالتالي تعرضوا في الوقت نفسه للرائحة والملمس والبيئة المحيطة، ما يجعل من الصعب تحديد أي عنصر تحديدًا كان مسؤولًا عن التغيرات التي ظهرت في الاستجابات.
ومع ذلك، يرجح الباحثون أن المركبات العطرية المنبعثة من نبات إيجوسا قد تكون أحد العوامل التي ساهمت في النتائج المتعلقة بسرعة الاستجابة والحالة المزاجية.
وهذه النقطة مهمة؛ لأن الدراسة لا تثبت أن رائحة التاتامي وحدها تؤدي إلى زيادة التركيز، كما أنها لا تفصل بصورة كاملة بين تأثير الرائحة وتأثير الجلوس على سطح طبيعي مألوف.
الحصير ساعد أيضًا في تنظيم الرطوبة
رصد الباحثون اختلافًا آخر في بيئة الغرفة أثناء استخدام نوعي الحصير.
فقد بقيت الرطوبة النسبية قريبة من 40% أثناء وجود حصير إيجوسا، بينما ارتفعت بنحو 1.6 نقطة مئوية عند استخدام الحصير البلاستيكي.
ويتوافق ذلك مع خاصية معروفة لنبات إيجوسا، وهي قدرته على امتصاص الرطوبة.
ولا يعرف الباحثون حتى الآن ما إذا كان هذا الاختلاف البيئي الصغير قد ساهم بصورة مباشرة في النتائج المتعلقة بالمزاج أو الأداء الذهني.
دراسة صغيرة تحتاج إلى تجارب أكبر
رغم النتائج المثيرة للاهتمام، فإن حجم الدراسة يمثل أحد أهم حدودها.
فقد شملت التجربة 17 طالبًا فقط، وكان جميع المشاركين من الناطقين باليابانية ومن غير المدخنين، وبلغ متوسط أعمارهم نحو 21.5 عامًا.
كما جلس كل مشارك على كل نوع من الحصير مرة واحدة، وكانت القياسات مقتصرة على جلسة واحدة قصيرة.
وبالتالي، لا يمكن من هذه النتائج وحدها معرفة ما إذا كانت التأثيرات ستظهر لدى كبار السن أو الأطفال أو الأشخاص من ثقافات مختلفة، أو ما إذا كان الجلوس على حصير إيجوسا بصورة يومية يمكن أن يؤدي إلى تأثيرات مستمرة بمرور الوقت.
وقال شيميزو إن الخطوة التالية تتمثل في تكرار التجربة على عدد أكبر وأكثر تنوعًا من المشاركين، إلى جانب دراسة التأثيرات طويلة المدى لاستخدام حصير إيجوسا.
من التراث الياباني إلى البحث العلمي
تأتي هذه الدراسة ضمن مجموعة متزايدة من الأبحاث التي تبحث في تأثير عناصر البيئة اليومية، مثل الروائح والأصوات والطبيعة، في نشاط الدماغ والحالة المزاجية.
وقد تناولت دراسات سابقة تأثير روائح الحمضيات وأصوات الطيور وقضاء الوقت في الطبيعة ورائحة الشوكولاتة في بعض مؤشرات التوتر والمزاج.
لكن الباحثين يؤكدون أن نتائج حصير التاتامي ما تزال أولية، وأن التجارب المستقبلية تحتاج إلى عينات أكبر وفترات تعرض أطول وتصميمات تسمح بفصل تأثير الرائحة عن الملمس والعوامل البيئية الأخرى.
ونُشرت الدراسة كاملة في دورية Scientific Reports، وتقدم دليلًا أوليًا على أن البيئة المادية المحيطة بالإنسان، حتى في عنصر تقليدي مثل حصير التاتامي، قد ترتبط بتغيرات قصيرة المدى في بعض مؤشرات الانتباه والتوتر.





