أخبارالمدن الذكيةالتنمية المستدامة

مفاجأة مسح مياه الشرب في ليبيا.. تلوث الإشريكية القولونية يصل إلى 91.9% في إحدى المناطق

أين تتلوث مياه الليبيين؟ مسح وطني يكشف أرقامًا صادمة .. بكتيريا الإشريكية القولونية تكشف فجوة غامضة بين سرت وبنغازي

من الصنبور مباشرة، أو من خزان المنزل، أو من بئر، أو حتى من عبوة مياه معبأة تشتريها الأسرة، تصل مياه الشرب إلى موائد الليبيين عبر مسارات متعددة. لكن أحدث مسح وطني لجودة مياه الشرب في ليبيا يفتح ملفًا أكثر تعقيدًا من مجرد السؤال عن مصدر المياه: أين يدخل التلوث إلى هذه المنظومة، وهل يحدث عند المصدر أم أثناء النقل والتخزين؟

تكشف نتائج المسح العنقودي متعدد المؤشرات في ليبيا 2024-2025 عن رصد بكتيريا الإشريكية القولونية (E. coli) في مياه الشرب لدى 46.4% من أفراد الأسر المشمولة بالمسح، مع تفاوت واضح بين المناطق الحضرية والريفية وبين المناطق الجغرافية المختلفة.

لكن هذا الرقم لا يعني أن 46.4% من الليبيين يشربون مياهًا ملوثة من مصدر مستقل، ولا يكشف بمفرده المكان الذي دخلت منه البكتيريا إلى المياه.

وهنا تكمن أهمية النتائج: فوجود البكتيريا في المياه عند نقطة الاستخدام قد يكون انعكاسًا لمشكلة في المصدر نفسه، أو في شبكة النقل والتوزيع، أو في خزانات التخزين، أو في طريقة التعامل مع المياه داخل المنزل.

ماذا يقول الرقم 46.4%؟

بحسب نتائج المسح، بلغت نسبة رصد الإشريكية القولونية 53.5% في المناطق الريفية، مقابل 45.6% في المناطق الحضرية.

لكن الفروق تصبح أكثر حدة عند النظر إلى المناطق المختلفة، فقد بلغت النسبة 91.9% في سرت، و85.1% في الجفرة، و72.4% في المرقب، في حين سجلت 11.9% في بنغازي.

هذا التفاوت الكبير يطرح أسئلة مهمة حول الاختلافات بين منظومات المياه ومصادرها وطرق نقلها وتخزينها، لكنه لا يقدم وحده تفسيرًا نهائيًا لهذه الفروق.

فوجود البكتيريا لدى عدد كبير من الأشخاص لا يعني بالضرورة وجود عدد مماث من مصادر التلوث.

فعلى سبيل المثال، إذا كان 100 شخص يعتمدون على البئر نفسه، فإن ظهور البكتيريا في عينات المياه الخاصة بهم قد يكون مرتبطًا بمصدر واحد مشترك، وليس بمئة مصدر منفصل للتلوث.

ولهذا فإن الرقم الوطني يقيس حجم التعرض الذي رصده المسح، لكنه لا يحدد بمفرده عدد مصادر التلوث أو أسبابها.

البئر ليس بالضرورة نقطة النهاية

يوضح خبراء، أن تحديد مصدر التلوث يحتاج إلى تتبع المياه على امتداد رحلتها، بدءًا من المصدر وصولًا إلى نقطة استخدامها داخل المنزل، فإذا كانت المياه تحتوي على البكتيريا عند المصدر، فإن التحقيق يتجه إلى المصدر نفسه.

أما إذا كانت سليمة عند المصدر ثم ظهرت البكتيريا لاحقًا، فإن البحث ينتقل إلى المراحل الواقعة بين المصدر والمستهلك، بما في ذلك شبكات النقل والتوزيع والخزانات ووسائل التخزين والمناولة.

وهذا التفريق بالغ الأهمية؛ لأن النتيجة الإيجابية عند الصنبور لا تكفي وحدها للقول إن البئر أو محطة المياه هي المسؤولة عن التلوث.

وقد تكون إحدى نقاط الضعف في الشبكة أو الخزان أو ظروف التخزين هي التي سمحت بظهور المشكلة لاحقًا.

مسح مياه الشرب في ليبيا

الآبار الضحلة.. أحد الاحتمالات وليس حكمًا نهائيًا

في المناطق التي تعتمد على المياه الجوفية، يمكن أن تلعب خصائص الآبار والطبقات الجيولوجية والهيدروجيولوجية دورًا في جودة المياه.

ويشير الخبراء إلى أن الآبار الضحلة، خصوصًا عندما يكون منسوب المياه الجوفية قريبًا من سطح الأرض، قد تكون أكثر تعرضًا للتلوث نتيجة تسرب مياه الصرف الصحي أو الحفر الامتصاصية أو التخلص غير السليم من المخلفات.

لكن وجود الإشريكية القولونية في عينة مياه لا يسمح وحده بإسناد التلوث مباشرة إلى مياه الصرف الصحي.
فإثبات مصدر التلوث يحتاج إلى فحوص إضافية، وتتبع جغرافي وزمني للمياه، ودراسة الظروف المحيطة بمصدر المياه وشبكة نقلها.

لماذا تختلف سرت عن بنغازي؟

الفارق بين 91.9% في سرت و11.9% في بنغازي من أبرز الأرقام التي تلفت الانتباه في نتائج المسح.

لكن تحويل هذا الفارق مباشرة إلى حكم على جودة منظومة المياه في المدينتين سيكون تجاوزًا لما تستطيع البيانات إثباته.
فالتفاوت يمكن أن يرتبط بمجموعة من العوامل، بينها:

  •  اختلاف مصادر المياه.
  •  عمق الآبار.
  •  الخصائص الجيولوجية والهيدروجيولوجية.
  •  درجة حماية مصادر المياه.
  •  القرب من مصادر الصرف الصحي.
  •  حالة شبكات النقل والتوزيع.
  •  أساليب تخزين المياه.
  •  نوعية الخزانات.
  •  ظروف التعامل مع المياه داخل المنازل.
  •  وأحجام العينات المستخدمة في المناطق المختلفة.

لذلك فإن السؤال العلمي الأهم ليس فقط: لماذا سجلت سرت نسبة أعلى من بنغازي؟

بل: ما الذي يختلف في منظومة المياه بين المناطق ويمكن أن يفسر هذا التفاوت؟

والإجابة تحتاج إلى دراسات متابعة تربط نتائج الفحوص بمصادر المياه وشبكات التوزيع والصرف الصحي والخصائص الجيولوجية والهيدروجيولوجية لكل منطقة.

النهر الصناعي.. منظومة رقابة مختلفة

في المقابل، يؤكد المدير العام لجهاز النهر الصناعي، أن جودة المياه تمثل جزءًا أساسيًا من منظومة إنتاج ونقل المياه التي يديرها الجهاز.

ووفق تصريحاته، أنشأ الجهاز إدارات لمراقبة جودة المياه موزعة على منظومات الإنتاج والنقل الرئيسية، تشمل منظومة السرير-سرت، وتازربو-بنغازي، والحساونة-سهل الجفارة، إضافة إلى منظومة غدامس-زوارة.

وتضم هذه المنظومات مختبرات حقلية وفرقًا لمتابعة جودة المياه في حقول الآبار الإنتاجية، إلى جانب فرق ومختبرات لمراقبة المياه في مواقع خزانات التجميع في أجدابيا وسرت وسلوق.

وبحسب المسؤول، تجري الفرق اختبارات كيميائية وميكروبيولوجية وتقارن النتائج بالقيم الاسترشادية للمواصفات القياسية الليبية لمياه الشرب.

كما تُرسل عينات إلى المختبر المركزي في الهواري وبن غشير لتأكيد النتائج وإعداد التقارير الفنية.

ويضيف أن الجهاز يشغل ويراقب عمليات الكلورة في سيدي السائح والطلحية للتأكد من فعالية المعالجة والحد من النمو الميكروبي، مع الحفاظ على تركيز 0.5 مليغرام لكل لتر من الكلور الحر المتبقي.

ويؤكد المسؤول، أن مياه النهر الصناعي تخضع للمراقبة المستمرة من الفرق الفنية التابعة للجهاز.

ولا يتعارض هذا التصريح بالضرورة مع نتائج المسح الوطني؛ إذ إن كل مصدر يقيس مرحلة مختلفة من منظومة المياه.

فإجراءات جهاز النهر الصناعي تركز على مراحل الإنتاج والنقل التي يديرها الجهاز، بينما يقيس المسح المياه التي تصل إلى الأسر عند نقاط الاستخدام.

حتى المياه المعبأة ليست خارج المعادلة

قد يبدو شراء المياه المعبأة حلًا مباشرًا للأسر التي تشك في جودة مياه الصنبور، لكن نتائج المسح تكشف أن المشكلة لا يمكن اختزالها في الاختيار بين المياه العامة والمياه المعبأة.

فقد رُصدت الإشريكية القولونية لدى 32.8% من أفراد الأسر التي تعتمد على المياه المعبأة.

ولا تعني هذه النتيجة أن مصدر التلوث هو شركات تعبئة المياه بالضرورة.

فالمياه يمكن أن تتعرض للتلوث في مراحل أخرى، بما فيها النقل أو التخزين أو التعامل معها داخل المنزل.

وبالتالي، فإن النتيجة لا تسمح وحدها بتحديد المسؤول عن التلوث، لكنها تكشف أن سلامة المياه تعتمد على سلسلة كاملة وليس على اسم المصدر فقط.

ماذا تعني الإشريكية القولونية صحيًا؟

تُستخدم بكتيريا الإشريكية القولونية على نطاق واسع بوصفها مؤشرًا على احتمال وجود تلوث برازي في المياه، ويمكن لبعض سلالاتها أن تسبب أمراضًا وأعراضًا معوية، منها الإسهال وآلام البطن والقيء.

وتزداد أهمية جودة المياه بالنسبة للأطفال وكبار السن والفئات الأكثر عرضة للمضاعفات الصحية.

لكن وجود البكتيريا في عينة لا يعني أن كل شخص يتعرض لها سيصاب بالمرض، كما أن نتائج المسح لا تقدم تقديرًا لعدد الحالات المرضية التي يمكن نسبتها إلى مياه الشرب.

وهنا تبرز ضرورة الحفاظ على الفرق بين مؤشر جودة المياه وبين النتائج الصحية المباشرة، فالرقم الذي سجله المسح مهم لرصد مستوى التعرض المحتمل، لكنه لا يساوي تلقائيًا عدد الإصابات أو الأمراض الناجمة عن المياه.

38% فقط ضمن خدمة مياه «مدارة بشكل آمن»

ولا تتوقف الصورة عند الفحص الميكروبيولوجي.

فوفق نتائج المسح، يحصل 38% فقط من أفراد الأسر المشاركين على مياه مصنفة ضمن خدمات المياه «المدارة بشكل آمن».

وهذا التصنيف لا يعني مجرد وصول المياه إلى المنزل، وإنما يرتبط بعدة شروط، من بينها أن تأتي المياه من مصدر محسن، وأن تكون متاحة عند الحاجة، وأن يكون الوصول إليها ممكنًا داخل المبنى، وأن تكون خالية من التلوث البرازي.

وبذلك تفتح النتائج ملفًا أوسع من مجرد وجود بكتيريا في عينة مياه، يتعلق بجودة خدمة المياه نفسها واستمراريتها وسلامة منظومة الوصول إليها.

المطلوب: تتبع المياه بدلًا من الاكتفاء بالرقم

ترى خبيرة بيئية، أن نتائج المسح لا ينبغي التعامل معها باعتبارها حكمًا نهائيًا على مياه الشرب في ليبيا، وإنما كنقطة بداية لبناء نظام أكثر انتظامًا لمراقبة جودة المياه.

ويتطلب ذلك أخذ عينات دورية من مراحل متعددة: مصادر المياه، وشبكات التوزيع، والخزانات، ونقاط الاستخدام داخل المنازل.

كما ينبغي تسجيل موقع كل عينة ونوع مصدر المياه وتاريخ أخذها وظروفها، وإجراء الفحوص الميكروبية والكيميائية اللازمة.

لكن الأهم هو ربط نتائج هذه الفحوص ببيانات الصرف الصحي والجيولوجيا والهيدروجيولوجيا واستخدامات الأراضي، حتى يمكن معرفة ما إذا كان التلوث مرتبطًا بمصدر محدد، أو بشبكة نقل، أو بخزانات التخزين، أو بمرحلة أخرى من رحلة المياه.

السؤال الحقيقي: أين تدخل البكتيريا؟

تكشف نتائج المسح العنقودي متعدد المؤشرات في ليبيا 2024-2025 رقمًا يستحق التوقف عنده: 46.4% من أفراد الأسر المشمولة بالمسح ظهرت في مياههم بكتيريا الإشريكية القولونية.

لكن الرقم، رغم أهميته، ليس نهاية القصة، فالاختلاف الكبير بين المناطق، وظهور البكتيريا حتى لدى نسبة من الأسر التي تعتمد على المياه المعبأة، يؤكد أن القضية لا يمكن اختزالها في مصدر واحد للمياه.

السؤال الأهم الآن هو: هل تدخل البكتيريا من الآبار ومصادر المياه، أم أثناء النقل والتوزيع، أم داخل خزانات المنازل، أم خلال التخزين والمناولة؟

والإجابة عن هذا السؤال تحتاج إلى الانتقال من مسح يقيس حجم المشكلة إلى منظومة مراقبة تتعقب رحلة المياه كاملة، من المصدر إلى الكوب.

فحين تُعرف نقطة دخول التلوث، يصبح من الممكن الانتقال من مجرد رصد المشكلة إلى التعامل مع أسبابها.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة