الهواء النظيف يحسن القدرات الإدراكية للأطفال.. ماذا كشفت دراسة استمرت 20 عامًا؟
الهواء الملوث لا يضر الرئة فقط.. دراسة تكشف تأثيرًا على نمو الأطفال العقلي
كشفت دراسة أميركية طويلة الأمد أن انخفاض مستويات تلوث الهواء ارتبط بتحسن مؤشرات التطور المعرفي لدى الأطفال خلال السنوات الثلاث الأولى من العمر، في نتيجة تضيف بُعدًا جديدًا إلى المخاطر المرتبطة بتلوث الهواء، التي لا تقتصر على الجهاز التنفسي والقلب والأوعية الدموية.
وتتبعت الدراسة، التي أجراها باحثون من جامعة كولومبيا ومركز كولومبيا لصحة الأطفال البيئية، أكثر من 1100 طفل في مجتمعات منخفضة الدخل بشمال مانهاتن وبرونكس الجنوبية في نيويورك، ضمن مجموعات بحثية امتدت دراستها على مدار نحو 20 عامًا.
وركز الباحثون على تعرض الأمهات لتلوث الهواء خلال الحمل، ثم قاسوا التطور المعرفي للأطفال عند بلوغهم أعمار عام وعامين وثلاثة أعوام، باستخدام مقياس Bayley لتطور الرضع والأطفال الصغار.
تحسن الهواء وتطور القدرات المعرفية
وجد الباحثون أن مستويات التعرض قبل الولادة لثلاثة ملوثات رئيسية، هي الجسيمات الدقيقة PM2.5 وثاني أكسيد النيتروجين NO₂ والهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات PAH، انخفضت بصورة ملحوظة عبر المجموعات الزمنية المختلفة.
وفي الوقت نفسه، ارتفعت درجات مؤشر التطور العقلي MDI لدى الأطفال بصورة ملحوظة مع مرور الوقت.
وشملت الاختبارات جوانب مختلفة من التطور، من بينها الذاكرة والإدراك الحسي وحل المشكلات والتواصل وفهم اللغة.
وأظهرت النتائج الإجمالية، بعد ضبط عدد من العوامل المؤثرة في نمو الأطفال، وجود ارتباط عكسي مهم إحصائيًا بين التعرض لتلوث الهواء ودرجات التطور العقلي في أعمار عام وعامين وثلاثة أعوام؛ أي إن انخفاض مستويات الملوثات ارتبط بارتفاع درجات الاختبارات المعرفية.

1109 أطفال تحت المتابعة
شملت الدراسة الأصلية بيانات 1446 مشاركًا ضمن ثلاث مجموعات بحثية، بينما توفرت قياسات مؤشر التطور العقلي لما مجموعه 1109 أطفال عند عمر عام أو عامين أو ثلاثة أعوام على الأقل.
وارتفعت درجات مؤشر التطور العقلي بمرور الوقت، إذ زادت في التحليل الإجمالي بمعدل يقارب 0.61 نقطة سنويًا عند عمر عام، و0.85 نقطة عند عمر عامين، و1.40 نقطة عند عمر ثلاثة أعوام.
كما وجد الباحثون أنه بعد ضبط العوامل الأخرى، ارتبط انخفاض وحدة واحدة من تركيز PM2.5 بزيادة قدرها نحو 0.377 نقطة في مؤشر التطور العقلي عند عمر عام، و0.821 نقطة عند عمر عامين، و1.413 نقطة عند عمر ثلاثة أعوام.
وعند عمر ثلاثة أعوام، ارتبط انخفاض وحدة واحدة من PM2.5 بزيادة قدرها نحو 0.677 نقطة في مؤشر التطور العقلي داخل المجموعة البحثية الأولى، التي تعرضت لمستويات أعلى من التلوث في بداية فترة الدراسة.
تراجع كبير في تلوث الهواء بنيويورك
امتدت البيانات المستخدمة في الدراسة من نهاية تسعينيات القرن الماضي إلى عام 2020، وهي فترة شهدت انخفاضًا كبيرًا في تعرض المشاركين لملوثات الهواء.
وبين عامي 1998 و2016، انخفض متوسط التعرض السنوي لـPM2.5 في مواقع إقامة المشاركين بنحو 51%، بينما تراجع التعرض لثاني أكسيد النيتروجين بنحو 48%.
كما انخفض تركيز الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات PAH، المقاس من خلال المراقبة الشخصية أثناء الحمل، بنحو 66% بين عامي 1998 و2020.
وتزامنت هذه التحسينات مع تطبيق مجموعة من سياسات الهواء النظيف والمناخ في نيويورك، من بينها برامج الحافلات النظيفة، وتشريعات خفض انبعاثات سيارات الأجرة، وبرنامج «الحرارة النظيفة» الذي استهدف التخلص التدريجي من أنواع وقود التدفئة الأكثر تلويثًا، إلى جانب قوانين خفض انبعاثات المباني.
ويؤكد الباحثون أن الدراسة لا تستطيع ربط التحسن في جودة الهواء بسياسة واحدة بعينها، لكنها تقدم دليلًا على وجود تأثير تراكمي لسياسات الهواء النظيف والمناخ خلال فترة الدراسة.
لماذا السنوات الأولى مهمة؟
تكتسب النتائج أهمية خاصة لأن الدماغ يكون شديد الحساسية للعوامل البيئية خلال مراحل النمو المبكرة.
وتشير الدراسة إلى أن التعرض السابق للولادة أو خلال الطفولة المبكرة للجسيمات الدقيقة وملوثات أخرى ارتبط في أبحاث سابقة بتغيرات في بنية الدماغ ووظيفته ونتائج معرفية سلبية.
ومن الآليات المحتملة التي يناقشها الباحثون الالتهابات العصبية والإجهاد التأكسدي والتغيرات في اللدونة أو البنية التشابكية للدماغ.
وفي الدراسة الحالية، كانت العلاقة بين التعرض لتلوث الهواء ودرجات التطور العقلي أوضح عند عمر ثلاثة أعوام، خصوصًا داخل المجموعة الأولى التي شهدت أكبر انخفاض في مستويات التلوث.
ويرى الباحثون أن بعض التأثيرات الدقيقة للتعرض خلال الحمل قد تحتاج إلى وقت قبل أن تظهر بوضوح في الاختبارات المعرفية.

هل يعني ذلك أن الهواء الحالي آمن؟
لا، ورغم التحسن الكبير في جودة الهواء بمدينة نيويورك، يحذر الباحثون من أن نتائج الدراسة لا تعني أن مستويات تلوث الهواء الحالية آمنة بالنسبة إلى التطور العصبي لجميع الأطفال.
كما أن طبيعة الدراسة الرصدية تعني أن الباحثين رصدوا العلاقات بين تغير مستويات التلوث ونتائج اختبارات التطور المعرفي مع ضبط عوامل أخرى، لكنها لا تثبت بمفردها علاقة سببية مباشرة بين انخفاض كل ملوث وتحسن القدرات المعرفية.
ومع ذلك، يرى الباحثون أن النتائج تضيف إلى مجموعة متنامية من الأدلة التي تشير إلى أن خفض انبعاثات الوقود الأحفوري يمكن أن يحقق فوائد صحية تتجاوز الحد من أمراض الجهاز التنفسي والقلب.
تجربة نيويورك ضمن اتجاه عالمي
لا تقتصر الأدلة على نيويورك، إذ تتزايد الدراسات التي تبحث في التأثيرات الصحية لتحسين جودة الهواء بعد تطبيق مناطق منخفضة الانبعاثات وسياسات للحد من تلوث المدن.
وتشير الدراسة الجديدة إلى أن تجربة نيويورك تقدم دليلًا إضافيًا على أن تحسين جودة الهواء يمكن أن يرتبط بتحسينات صحية وتطورية لدى الأطفال، خصوصًا في المجتمعات التي تتحمل تاريخيًا مستويات أعلى من التلوث.
ونُشرت الدراسة في دورية Environmental Health في أغسطس 2026، وأجراها باحثون من مركز كولومبيا لصحة الأطفال البيئية وقسم الإحصاء الحيوي بكلية ميلمان للصحة العامة في جامعة كولومبيا.
الهواء النظيف استثمار في صحة الأطفال
تضع نتائج الدراسة تلوث الهواء في سياق أوسع؛ فخفض الانبعاثات لا يتعلق فقط بتحسين جودة الهواء الذي يتنفسه السكان، وإنما قد تكون له انعكاسات على مراحل النمو المبكرة التي تحدد جانبًا مهمًا من مستقبل صحة الأطفال وقدراتهم.
ولهذا، فإن سياسات خفض انبعاثات المركبات والمباني وقطاع الطاقة يمكن النظر إليها باعتبارها تدخلات بيئية وصحية في الوقت نفسه، مع ضرورة مواصلة البحث لتحديد حجم التأثيرات المختلفة وفصلها عن العوامل الاجتماعية والاقتصادية والبيئية الأخرى.
وتشير الدراسة إلى أن استمرار خفض تلوث الهواء يمثل خطوة مهمة لحماية أدمغة الأطفال النامية، لكنها تؤكد في الوقت نفسه الحاجة إلى مزيد من الأبحاث لفهم العلاقة بين التعرض للملوثات والتطور العصبي بصورة أدق.






