أهم الموضوعاتأخبارالاقتصاد الأخضرالتنمية المستدامة

نعال الأحذية القديمة والمراتب ومواد العزل الإسفنجية تدخل مسار جديد لإعادة التدوير

من نعل الحذاء إلى مواد قابلة لإعادة الاستخدام.. إنزيم هندسي يهاجم أحد أصعب أنواع البلاستيك

قد تقترب نعال الأحذية القديمة، والمراتب ومواد العزل الإسفنجية، من مسار جديد لإعادة التدوير، بعدما نجح باحثون في هندسة إنزيم قادر على مهاجمة رغوة البولي يوريثان، وهي مادة بلاستيكية حرارية متصلدة تُعد من أصعب أنواع البلاستيك في إعادة التدوير.

وفي تجربة أولية، تمكن الإنزيم المُهندس من تفكيك 1.4% من قطعة من رغوة البولي يوريثان خلال ثلاثة أيام وتحويلها إلى مواد كيميائية قابلة لإعادة الاستخدام، من دون إخضاع الرغوة لأي معالجة كيميائية مسبقة.

ورغم أن النسبة لا تزال محدودة، يعتبر الباحثون النتيجة خطوة مهمة؛ لأن معظم التجارب السابقة التي استخدمت الإنزيمات لتفكيك البولي يوريثان كانت تعتمد أولًا على معالجة المادة كيميائيًا لجعلها أكثر قابلية للهجوم الإنزيمي.

وأجريت الدراسة بقيادة الباحثة روزي جراهام من جامعة آرهوس في الدنمارك، والباحث بيدرو بايفا من جامعة بورتو في البرتغال، وهما الباحثان الرئيسيان في الدراسة، ويعملان ضمن مركز EnZync الدنماركي المتخصص في البحث عن إنزيمات قادرة على تفكيك أنواع البلاستيك المقاومة لإعادة التدوير.
ونُشرت الدراسة كاملة في دورية Chem Catalysis.

لماذا يصعب إعادة تدوير رغوة البولي يوريثان؟

رغوة البولي يوريثان

 

يبدأ تصنيع البولي يوريثان من مادتين كيميائيتين تتفاعلان معًا، ثم تتكون روابط دائمة بين السلاسل الجزيئية للمادة، لتتشكل بنية مترابطة يصعب فصلها.

ويُعرف هذا النوع من البلاستيك باسم البلاستيك الحراري المتصلد (Thermoset)، وهو يختلف عن أنواع كثيرة من البلاستيك التي يمكن تسخينها وإذابتها ثم إعادة تشكيلها.

وتعتمد عمليات إعادة التدوير التقليدية لكثير من أنواع البلاستيك على الصهر وإعادة التشكيل، لكن هذه الطريقة لا تعمل بسهولة مع البولي يوريثان المتصلد، ولذلك ينتهي جزء كبير منه إلى المدافن أو الحرق.

وتشير بيانات الدراسة إلى أن العالم أنتج نحو 22 مليون طن من البولي يوريثان عام 2022، بما يعادل قرابة 5% من إجمالي إنتاج البلاستيك عالميًا في ذلك العام، بينما من المتوقع أن يصل الإنتاج إلى نحو 31 مليون طن بحلول عام 2030.

ولا يقتصر استخدام البولي يوريثان على نعال الأحذية، بل يدخل أيضًا في صناعة المراتب والإسفنج المستخدم في المطابخ ومواد العزل في المباني وغيرها من المنتجات.

من إعادة تدوير زجاجات المياه إلى رغوة الأحذية

توجد بالفعل تطبيقات ناجحة نسبيًا لاستخدام الإنزيمات في إعادة تدوير بعض أنواع البلاستيك.

وتوضح جراهام أن إعادة التدوير الإنزيمي أصبحت مجالًا متقدمًا خصوصًا مع البولي إيثيلين تيرفثالات (PET)، وهو البلاستيك المستخدم على نطاق واسع في زجاجات المشروبات ذات الاستخدام الواحد.

وفي عام 2020، أظهر إنزيم مُهندس منشورة نتائجه في دورية Nature قدرة على تفكيك زجاجات PET إلى مكوناتها الأساسية بما يسمح باستخدامها مجددًا في تصنيع منتجات بلاستيكية جديدة.

لكن البولي يوريثان أكثر تعقيدًا؛ لأنه يتكون من أنواع متعددة من وحدات البناء المرتبطة في شبكة متشابكة يصعب على الإنزيمات اختراقها.

البحث عن الإنزيم بدأ في النفايات

للوصول إلى إنزيم مناسب، بحث الفريق في بيئات دافئة عن بكتيريا قادرة على البقاء في وجود البلاستيك والتعامل معه، ثم فحص الإنزيمات التي تنتجها هذه البكتيريا.

وحدد الباحثون 12 إنزيمًا مرشحًا، كان من بينها الإنزيم الذي ركزت عليه الدراسة.

وينحدر الإنزيم من نوع بكتيري يحمل اسم Chelatococcus composti، لكن الوصول إليه لم يكن نتيجة البحث عن هذا النوع تحديدًا، وإنما جاء ضمن عملية فحص لبكتيريا قادرة على التعامل مع النفايات البلاستيكية.

وقالت جراهام إن الفريق بدأ من عينات بيئية وليس من قائمة بإنزيمات معروفة مسبقًا، مشيرة إلى أنهم بحثوا في بيئات دافئة مثل مدافن النفايات في كينيا وحتى السماد العضوي المنزلي.

وكانت قدرة الإنزيم على تحمل درجات الحرارة المرتفعة أحد العوامل التي جعلته لافتًا للباحثين.

وأوضح بايفا أن الإنزيم لا يفقد بنيته إلا عند وصول درجة الحرارة إلى نحو 68 درجة مئوية، كما أنه أظهر قدرة على تفكيك البولي يوريثان قبل أن يبدأ الفريق دراسة خصائصه بصورة تفصيلية.

تعديل حمضين أمينيين رفع كفاءة الإنزيم 20 مرة

بعد تحديد الإنزيم، عمل الباحثون على تحديد بنيته البلورية ورسم شكله الجزيئي، ثم استخدموا المحاكاة الحاسوبية لدراسة طريقة ارتباطه بجزيئات البولي يوريثان.

وساعدت هذه المحاكاة في تحديد 7 مواقع داخل الإنزيم يمكن تعديلها بهدف تحسين تفاعله مع البلاستيك.

وصنع الفريق 29 نسخة مختلفة من الإنزيم، عبر استبدال أحماض أمينية في تلك المواقع بأخرى أكبر وأكثر قدرة على التفاعل مع البنية الكيميائية للبولي يوريثان.

وفي النهاية، تبين أن تعديل موقعين، هما 308 و312، أدى إلى أفضل تحسن في النشاط.

وعند اختبار النسخة المعدلة على جزيء مصمم لمحاكاة جزء من البولي يوريثان، كانت كفاءتها نحو 20 مرة أعلى من الإنزيم الأصلي، كما احتفظت باستقرارها عند درجات حرارة أعلى قليلًا.

ويحمل الحمضان الأمينيان الجديدان حلقات سداسية مسطحة، وهي بنية موجودة أيضًا في الجزء من البولي يوريثان الذي يرتبط به الإنزيم.

وأظهرت المحاكاة أن الجزء البلاستيكي أصبح أكثر عمقًا داخل الإنزيم وأقل حركة أثناء ارتباطه به.

ولا يزال الباحثون لا يعرفون بصورة كاملة لماذا أدى هذا الارتباط الأكثر إحكامًا إلى زيادة سرعة التفكيك.

اختبار مباشر على رغوة نعل حذاء

كانت الخطوة الأكثر أهمية هي اختبار الإنزيم على رغوة بولي يوريثان متصلدة حقيقية، وليس على جزيء اصطناعي يحاكي المادة.

وحصل الفريق على رغوة مستخدمة في صناعة الأحذية من شركة ECCO، ثم قطع الباحثون عينات صغيرة تراوحت أوزانها بين 20 و25 مليجرامًا، أي ما يقارب وزن حبة الأرز.

ووُضعت كل عينة في نحو 1 ملليلتر من الماء المالح عند درجة حرارة 40 درجة مئوية، مع إضافة الإنزيم، وتركت لمدة ثلاثة أيام.

واللافت أن الباحثين لم يجروا أي عملية تليين أو معالجة كيميائية مسبقة للرغوة قبل إضافة الإنزيم.

وتمكن الإنزيم المُهندس من تفكيك ما يصل إلى 1.4% من الرغوة خلال ثلاثة أيام، وفق النتائج التي تراوحت بين تجارب متعددة.

وبالمقارنة، حقق إنزيمان آخران يستخدمهما الباحثون كنقطتي مقارنة، وهما UMG-SP2 وABPURase، معدلات بلغت نحو 0.9% و0.7% على التوالي.

وأظهرت صور المجهر الإلكتروني أن سطح الرغوة المعالجة أصبح خشنًا ومليئًا بالتجاويف، في حين ظل سطح الرغوة غير المعالجة أملس نسبيًا.

الإنزيم لا يحول البلاستيك إلى مخلفات فقط

المواد الناتجة عن العملية ليست مجرد بقايا بلاستيكية أو حطام، فالبلاستيك يتكون من سلاسل طويلة من وحدات كيميائية متكررة، ويمكن أن تمثل هذه الوحدات مواد أولية ذات قيمة صناعية إذا أمكن استعادتها بصورة مناسبة.

وشبهت جراهام العملية بتفكيك قطع الليجو إلى وحداتها الأساسية، بحيث يمكن استخدام هذه الوحدات مجددًا في بناء مواد جديدة.

وبحسب نوع رغوة البولي يوريثان، يمكن للإنزيم أيضًا أن يطلق إحدى مادتين كيميائيتين تعرفان باسم الديامينات، وهما مواد تدخل في تصنيع أنواع شائعة من البولي يوريثان.

وأشار بايفا إلى أن بعض هذه الدي أمينات مصنفة أيضًا على أنها مواد خطرة، ولذلك فإن استعادتها ضمن عملية صناعية محكومة وإعادة استخدامها قد يكون أفضل من تركها تتسرب أو تتحرر في بيئات النفايات.

98.6% من الرغوة ظلت دون تفكيك

لكن النتائج لا تزال في مرحلة مبكرة جدًا، فبعد ثلاثة أيام، بقي نحو 98.6% من الرغوة دون تفكيك، كما أظهرت الصور المجهرية أن تأثير الإنزيم اقتصر بصورة أساسية على السطح، بينما ظلت البنية الداخلية للرغوة على حالها خلال التجربة.

كما أن نوع رغوة الحذاء المستخدم في التجربة كان من الأنواع التي يستطيع الإنزيم التعامل معها بصورة أفضل نسبيًا، لأن تصميم الإنزيم كان يستهدف تركيبتها الكيميائية تحديدًا.

وعندما اختُبر الإنزيم على نموذج لنوع آخر من البولي يوريثان، انخفض أداؤه بصورة كبيرة.

كما أن عملية الهندسة الجينية ضيقت نطاق المواد التي يستطيع الإنزيم التعامل معها؛ فالإنزيم الأصلي كان قادرًا أيضًا على تفكيك مادة النايلون، لكن النسخة المعدلة أصبحت أكثر تخصصًا في التعامل مع البولي يوريثان.

هل يمكن إعادة تدوير كومة كاملة من الأحذية؟

يرى الباحثون أن الوصول من هذه التجربة المخبرية إلى معالجة كميات صناعية من الأحذية القديمة يتطلب تحقيق عدة شروط أساسية.

وأوضح بايفا أن الإنزيم يحتاج إلى أن يعمل بسرعة أكبر، وأن يحتفظ باستقراره ونشاطه لفترة أطول في الظروف الأكثر قسوة للعمليات الصناعية، إضافة إلى ضرورة إنتاجه بتكلفة منخفضة بما يكفي لاستخدامه على نطاق واسع.

وهناك تحدٍ آخر يتمثل في تنوع أنواع البولي يوريثان المستخدمة في المنتجات المختلفة.

فبعض أنواع البولي يوريثان أكثر مقاومة بكثير للتفكيك من المادة التي اختُبرت في الدراسة، وهي الأنواع التي توجد في بعض أكبر تيارات النفايات، بحسب الباحثين.

ولهذا يتوقع الفريق أن تعتمد الطريقة المستقبلية على الجمع بين المعالجة الكيميائية والإنزيمات، بحيث تهيئ الخطوة الكيميائية المادة، ثم تتولى الإنزيمات تفكيكها إلى وحدات يمكن استعادتها واستخدامها مجددًا.

هل يمكن تعميم التعديل الجيني؟

يريد الباحثون الآن معرفة ما إذا كان التعديل نفسه، الذي شمل الحمضين الأمينيين في الموقعين 308 و312، يمكن نقله إلى إنزيمات قريبة من هذا الإنزيم، بهدف تحسين قدرتها على تفكيك أنواع أخرى من البولي يوريثان.

ويأمل الفريق في أن يؤدي ذلك إلى تحويل النتيجة الحالية من إنجاز خاص بإنزيم واحد إلى استراتيجية يمكن تطبيقها على مجموعة أوسع من الإنزيمات والمواد.

وتظل النتيجة الحالية، رغم محدوديتها، دليلًا على إمكانية استخدام الهندسة الإنزيمية لمهاجمة رغوة البولي يوريثان دون معالجة كيميائية مسبقة، لكن الانتقال من تفكيك 1.4% من قطعة صغيرة في المختبر إلى إعادة تدوير كميات صناعية من الأحذية يتطلب تحسين سرعة الإنزيم واستقراره وتكلفة إنتاجه، إلى جانب تطوير حلول للتعامل مع الأنواع المختلفة من البولي يوريثان.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة