ماذا يوجد داخل سيارتك؟ دراسة تفكك مكوناتها وتكشف أكثر من 50 معدنًا وراء تأثيرها البيئي
ليست فولاذًا وألومنيوم فقط.. 55 معدنًا وشبه معدن داخل سيارة واحدة تثير سؤال ندرة الموارد
قد تبدو السيارة للوهلة الأولى كتلة ضخمة من الفولاذ والألومنيوم، لكن دراسة تفصيلية لتركيب السيارات تكشف صورة أكثر تعقيدًا بكثير؛ إذ تحتوي المركبات الحديثة على عشرات المعادن والعناصر الأخرى، بعضها يوجد بكميات لا تتجاوز بضعة جرامات، ومع ذلك يمكن أن يكون له تأثير كبير عند تقييم ندرة الموارد على المدى الطويل.
وفي أطروحة دكتوراه أجراها الباحث فيليبي بي. أوليفيرا في جامعة تشالمرز للتكنولوجيا بالسويد، جرى رسم خريطة تفصيلية للمواد الموجودة في السيارات ودراسة مدى تأثير مستوى دقة بيانات المواد في نتائج تقييم دورة الحياة، وما يمكن أن تكشفه هذه التقييمات عن التأثيرات البيئية واستهلاك الموارد.
وأُجريت الدراسة بالتعاون بين جامعة تشالمرز للتكنولوجيا وشركة فولفو للسيارات، حيث عمل أوليفيرا باحث دكتوراه صناعيًا لدى فولفو وطالب دكتوراه في قسم تحليل النظم البيئية في تشالمرز.
ويرى بيورن ساندين، الأستاذ في قسم تحليل النظم البيئية في تشالمرز والمشرف على الأطروحة، أن البحث أتاح إجراء تقييمات لدورة حياة السيارات بدرجة من التفصيل لم تكن ممكنة سابقًا، ما يوفر فهمًا أوسع لتعقيد المركبات وأدائها البيئي، يتجاوز التركيز التقليدي على انبعاثات العادم والتحول إلى السيارات الكهربائية.
سيارة واحدة تكشف أكثر من 50 معدنًا
كشفت الدراسة أن أكثر السيارات تجهيزًا ضمن العينة احتوت على 55 معدنًا وشبه معدن مختلفًا.
وعلى الرغم من هذا التنوع الكبير، استحوذ الحديد والألومنيوم معًا على نحو 90% من إجمالي كتلة المعادن الموجودة في السيارة محل الدراسة.
لكن الكتلة ليست المؤشر الوحيد المهم عند تقييم تأثير المواد؛ إذ توجد عناصر أخرى بكميات صغيرة جدًا، إلا أن دورها الوظيفي أو تأثيرها المرتبط بندرة الموارد قد يجعلها ذات أهمية كبيرة.
ويصف أوليفيرا هذه العناصر بأنها أشبه بـ*«جدول دوري خفي»* داخل السيارة؛ فخلف الكميات الهائلة من الحديد والألومنيوم توجد عشرات العناصر الأخرى التي تدخل في مكونات ووظائف مختلفة.
ومن بين هذه العناصر النحاس، الذي يوجد في أكثر من 700 مكون داخل السيارة، ويستخدم بصورة أساسية في الأسلاك والتوصيلات الكهربائية.
كما يدخل الموليبدينوم والنيوبيوم والفاناديوم في صناعة أنواع من الفولاذ عالي القوة، بوصفها عناصر سبائكية تضيف خصائص محددة إلى المواد المستخدمة في المركبات.
أما الذهب، فعلى الرغم من إمكانية وجوده بكميات لا تتجاوز بضعة جرامات، فإن تأثيره قد يصبح ملحوظًا عند حساب مساهمة السيارة في ندرة الموارد على المدى الطويل.
وهنا تظهر إحدى النتائج الأساسية للدراسة: ليس بالضرورة أن يكون العنصر الأكثر استخدامًا من حيث الوزن هو الأكثر تأثيرًا في كل مؤشر بيئي أو متعلق بالموارد.
لماذا لا تكفي معرفة وزن المواد؟
يرى أوليفيرا أن نتائج تقييم دورة الحياة تعتمد بصورة مباشرة على مستوى التفاصيل الموجودة في البيانات المستخدمة.
فعندما تُجمع المواد المختلفة داخل فئات واسعة، يمكن للتحليل أن يقدم صورة معقولة عن بعض التأثيرات، مثل تغير المناخ، لكن هذه الطريقة قد تخفي كميات صغيرة من عناصر مثل الذهب والموليبدينوم والبلاديوم وغيرها، وهي عناصر قد تكون مهمة جدًا عند تقييم ندرة الموارد.
وبالتالي، فإن المشكلة لا تتعلق فقط بانخفاض دقة الأرقام، وإنما باتساع أو ضيق نطاق الأسئلة التي يستطيع التحليل الإجابة عنها.
فكلما زادت دقة البيانات المتعلقة بتركيب السيارة، أصبح من الممكن رصد تأثيرات المواد التي قد تختفي تمامًا داخل التصنيفات العامة.
وهذا الأمر يكتسب أهمية خاصة مع تطور السيارات وزيادة اعتمادها على مكونات ومواد متنوعة لتلبية متطلبات الأداء والسلامة والكفاءة والأنظمة الإلكترونية.
السيارات أصبحت أثقل.. والأثر المناخي للمواد ارتفع
لم تكتف الدراسة بتحليل سيارة واحدة، بل قارنت أيضًا الملفات البيئية والمتعلقة بالموارد لسيارات من موديلات أعوام 2012 و2016 و2020 و2024.
وخلال هذه الفترة، ارتفع وزن الأجزاء التي شملتها الدراسة بنحو 20%.
لكن الزيادة في التأثير المناخي الناتج عن إنتاج المواد كانت أكبر بكثير، إذ ارتفعت بنحو 42%.
وكانت إحدى أهم العوامل وراء هذه الزيادة ارتفاع استخدام الألومنيوم.
ولا يعني ذلك أن الألومنيوم هو العامل الوحيد في التأثير البيئي للسيارة، لكنه يوضح كيف يمكن لتغير اختيار المواد أن يغير البصمة البيئية للمركبة حتى عندما تبدو التغييرات محدودة عند النظر إلى السيارة ككل.
وفي المقابل، تغير مؤشر ندرة الموارد على المدى الطويل بدرجة أقل بكثير خلال الفترة نفسها، إلا أن المواد المسؤولة عن هذا التأثير تغيرت بصورة ملحوظة.
وهذه النتيجة تكشف أن المؤشرات البيئية المختلفة لا تتحرك بالضرورة في الاتجاه نفسه.
سيارة أكثر كفاءة لا تعني بالضرورة انخفاض كل التأثيرات
تسلط نتائج الدراسة الضوء على تحدٍ مهم أمام صناعة السيارات: الاستدامة ليست مؤشرًا واحدًا يمكن اختزاله في رقم واحد.
فقد يؤدي اختيار مادة معينة إلى تحسين خاصية في السيارة أو تقليل وزنها أو تعزيز كفاءتها، لكنه في الوقت نفسه قد يزيد التأثير المناخي المرتبط بإنتاجها أو يغير الاعتماد على مواد ذات أهمية من منظور ندرة الموارد.
ولهذا يرى أوليفيرا أن تقييم الخيارات المستقبلية للمواد يجب أن ينظر إلى الجوانب البيئية وجوانب الموارد في الوقت نفسه، بدل الاعتماد على مؤشر واحد للحكم على تأثير المواد.
وتصبح هذه القضية أكثر أهمية مع انتقال صناعة السيارات نحو المركبات الكهربائية وزيادة اعتمادها على الأنظمة الإلكترونية والبطاريات والمحركات والمكونات التي تتطلب مجموعة متنوعة من المواد والمعادن.
التعاون مع فولفو أتاح الوصول إلى سيارات حقيقية
أتاح الجمع بين البحث الأكاديمي والعمل الصناعي للباحث الوصول إلى بيانات تفصيلية عن المواد المستخدمة في مركبات حقيقية.
وفي جامعة تشالمرز، ركز العمل على تطوير المنهج وتحليله بصورة نقدية، بينما وفرت الشراكة الصناعية إمكانية الوصول إلى بيانات محددة عن المركبات الفعلية.
ويقول أوليفيرا إن هذه البيانات كانت حاسمة للانتقال من افتراضات عامة حول «سيارة نموذجية» إلى تحليل كيفية تغير اختيارات المواد وتأثيراتها البيئية والمتعلقة بالموارد بين أجيال السيارات المختلفة.
وتشير النتائج إلى إمكانية استخدام هذا النوع من البيانات في مساعدة صناعة السيارات على اتخاذ قرارات أكثر دقة بشأن تصميم المركبات، واختيار المواد، وإعادة التدوير، وسلاسل الإمداد.
كما يمكن أن تساعد خرائط المواد التفصيلية في تحديد العناصر التي تستحق اهتمامًا أكبر عند تصميم السيارات من أجل الاقتصاد الدائري، خصوصًا عندما تكون المادة موجودة بكميات صغيرة لكنها ذات قيمة أو أهمية استراتيجية مرتفعة.
الدرس الأوسع: وزن المادة لا يحكي القصة كاملة
تكشف الدراسة أن تقييم استدامة السيارة لا يمكن أن يعتمد فقط على كمية المادة المستخدمة فيها.
فـالحديد والألومنيوم يمثلان الجزء الأكبر من الكتلة المعدنية، لكن عشرات العناصر الأخرى تؤدي أدوارًا متخصصة وقد يكون لبعضها تأثير كبير في مؤشرات معينة، رغم وجودها بكميات ضئيلة للغاية.
وبالتالي، فإن فهم البصمة البيئية للسيارة يتطلب معرفة دقيقة بما يوجد داخلها، وليس فقط معرفة وزنها الإجمالي أو نسبة المعادن الرئيسية فيها.
ومع استمرار تطور صناعة السيارات، تشير هذه النتائج إلى أن اختيارات المواد ستصبح عنصرًا محوريًا في تصميم المركبات الأكثر توافقًا مع أهداف خفض الانبعاثات وكفاءة استخدام الموارد والاقتصاد الدائري.





