في أعماق غابات أوكيناوا اليابانية، يقع منتجع فاخر لا يشبه الفنادق التقليدية؛ إذ تتوزع وحداته بين الأشجار، في تجربة تسعى إلى تحقيق التوازن بين الرفاهية وحماية الطبيعة.
ويحمل المنتجع اسم Treeful، وقد بدأ قصته الياباني ساتورو كيكوجاوا، الذي حوّل حلمًا راوده منذ طفولته ببناء منزل فوق شجرة إلى مشروع سياحي يضع الاستدامة في صميم تصميمه وتشغيله.
نشأ كيكوجاوا في طوكيو، لكنه كان يزور منزل العائلة الصيفي في الريف باستمرار، وهناك تطورت علاقته بالطبيعة. كما ألهمه كتاب أطفال ياباني بعنوان «أريد شجرة كبيرة»، وزرع داخله حلم امتلاك منزل على شجرة يومًا ما.
لكن هذا الحلم اكتسب أهمية مختلفة بعد رحلة عائلية إلى جزيرة بورنيو، عندما شاهد من الطائرة مساحات واسعة من الغابات وقد أزيلت أشجارها وتحولت إلى مزارع لنخيل الزيت.
وقال كيكوجاوا إن قطع الأشجار وبيع الأخشاب قد يوفر دخلًا اقتصاديًا مستقرًا، لكنه في الوقت نفسه يؤثر في مستويات الكربون والتنوع البيولوجي والحياة البرية، وهو ما دفعه إلى التفكير في وسيلة يمكن من خلالها حماية البيئة مع توفير مصدر دخل للسكان المحليين.
ومن هنا بدأت فكرةTreeful، وهو منتجع راقٍ يقع في محافظة أوكيناوا اليابانية.
تعلم بناء بيوت الأشجار من الإنترنت
لم يكن كيكوجاوا يمتلك خبرة في بناء بيوت الأشجار عندما بدأ تنفيذ فكرته. ففي ذلك الوقت، كان يعمل رئيسًا لمجلس إدارة شركة «Gala»، المتخصصة في تطوير ألعاب تقمص الأدوار وغيرها من المشروعات.
ولتعويض نقص الخبرة، لجأ إلى موقع «يوتيوب» لمشاهدة مقاطع تعليمية حول بناء بيوت الأشجار واستخدام أدوات النجارة، واستغرق الأمر سنوات من التجارب والمحاولات والأخطاء حتى تمكن من تطوير مهاراته في البناء.
وبعد أن اشترى قطعة أرض في منطقة غابات بأوكيناوا، لم يختر موقع البناء أولًا ثم يبحث عن شجرة مناسبة، بل اتبع نهجًا مختلفًا؛ إذ تجول في المنطقة حتى وجد الشجرة التي اعتقد أنها مناسبة، ثم بدأ في بناء المنزل حولها بدلًا من قطعها.

مشروع عائلي لحماية الطبيعة
في البداية، لم تحظ فكرة كيكوجاوا بدعم كبير من المحيطين به، إذ رأى البعض أنه مجرد رجل ثري يبحث عن هواية جديدة.
لكن ابنته «ماها» كانت من أبرز الداعمين لفكرته، خاصة أنها نشأت على تقدير الطبيعة والحفاظ عليها.
ودرست ماها علوم النظم البيئية والسياسات البيئية في جامعة ميامي، ثم رافقت والدها في رحلات إلى كوستاريكا والولايات المتحدة للتعرف على مشروعات مماثلة لبيوت الأشجار.
وفي عام 2014، أكمل كيكوجاوا أولى منشآته، التي حملت اسم Spiral Treehouse، لتصبح لاحقًا جزءًا من مشروع Treeful.
وتقول ابنته إن والدها علّمها منذ سن مبكرة أهمية الطبيعة، وإنهما يعملان معًا من خلال المنتجع المستدام لحمايتها وإيصال رسالة حول قيمتها وأهمية الحفاظ عليها.
منتجع يحاول ترك أقل أثر ممكن
يضم المنتجع حاليًا أربعة بيوت للأشجار، صُممت جميعها بهدف تقليل التدخل في البيئة المحيطة إلى أدنى مستوى ممكن.
ومن بين هذه الوحدات AeroHouse، التي بُنيت على ارتفاع نحو 1.2 متر فوق سطح الأرض، بهدف حماية الموائل الطبيعية للحياة البرية المحلية.
كما استخدمت في بناء المنشآت أوتاد خشبية بدلًا من المسامير والمسامير المعدنية، بينما تحتوي الغرف على دورات مياه تعتمد على التسميد.
ويعتمد المنتجع أيضًا على مياه الآبار التي يجري تعقيمها باستخدام الأشعة فوق البنفسجية، بدلًا من استخدام الكلور.
أما الأرضيات والأسقف، فقد صُممت باستخدام أخشاب مجزأة بطريقة تسمح لأشعة الشمس بالوصول إلى النباتات الموجودة أسفل الوحدات، بما يقلل من تأثير المباني على النظام البيئي المحيط.
حتى عناصر الديكور داخل الغرف، مثل المصابيح وأرفف الكتب، صُنعت من الأحجار والأغصان التي سقطت طبيعيًا من الغابة، في محاولة للاستفادة من الموارد المتاحة دون إلحاق أضرار إضافية بالبيئة.
ولا تقتصر إدارة المساحات الخضراء على المعدات التقليدية؛ إذ تؤدي «دونا»، وهي عنزة تعيش في المنتجع، دورًا في الحفاظ على العشب.
من حلم شخصي إلى مشروع سياحي عالمي
بعد نحو سبع سنوات من بدء كيكوجاوا العمل على مشروعه، افتُتح المنتجع رسميًا في عام 2021.
ومنذ افتتاحه، حصل Treeful على عدد من جوائز التصميم، كما حظي باعتراف من موسوعة غينيس للأرقام القياسية، بعد تسجيله رقمًا قياسيًا يتعلق بأدنى منزل شجري، إذ يقع أحد منشآته على عمق 3.6 متر تحت قاعدة الشجرة الحاضنة له.
لكن طموح مؤسس المشروع لا يتوقف عند اليابان.
ويعمل كيكوجاوا مع الحكومة الكمبودية على مشروع لبناء بيوت أشجار داخل متنزه «بنوم كولين» الوطني بالقرب من مدينة سيام ريب، في إطار مبادرات تستهدف المساهمة في مواجهة قطع الأشجار غير القانوني.
وتشير البيانات الواردة في التقرير إلى أن كمبوديا فقدت، خلال الفترة من 2016 إلى 2021، أكثر من 38 ألف هكتار من الغابات، وهو ما يعادل نحو 9% من مساحتها الحرجية، الأمر الذي دفع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية إلى إنهاء برنامج لحماية الغابات بعد استثمارات تجاوزت 100 مليون دولار.
ويأمل كيكوجاوا في توسيع مشروعه وتحويله إلى نموذج دولي، بحيث لا تقتصر فكرة بيوت الأشجار المستدامة على اليابان، وإنما تمتد إلى مناطق أخرى يمكن أن تستفيد فيها المجتمعات المحلية من السياحة مع الحفاظ على الغابات والأنظمة البيئية.
الوصول إلى المنتجع
يتطلب الوصول إلى Treeful بعض التخطيط المسبق؛ إذ يقع المنتجع على مسافة نحو 90 دقيقة بالسيارة من مطار «ناها» في أوكيناوا.
كما يمكن الوصول إليه بالحافلة من بلدة «غينكاوا إيريغوتشي» في رحلة تستغرق نحو ثلاث ساعات وتتضمن عملية انتقال واحدة.
وينصح العاملون في المنتجع الزوار بالوصول قبل غروب الشمس، نظرًا إلى أن المكان لا يعتمد على الإضاءة الاصطناعية، وقد تصبح الغابة شديدة الظلام بعد حلول الليل.
وتقدم تجربة Treeful نموذجًا مختلفًا لمفهوم السياحة المستدامة، إذ لا تكتفي بإضافة بعض التقنيات الصديقة للبيئة إلى فندق تقليدي، بل تجعل الطبيعة نفسها جزءًا أساسيًا من التصميم وتجربة الإقامة، في محاولة للجمع بين السياحة وحماية النظم البيئية.





