أخبارالاقتصاد الأخضر

أوروبا تطلق تحالفًا للتأمين ضد الكوارث المناخية.. 75% من الخسائر بلا تغطية

أوروبا الأسرع احترارًا تواجه صيفًا قاسيًا.. المناخ يهدد الاقتصاد الأوروبي

بعد صيف شهد موجات متتالية من الحر الشديد والجفاف وحرائق الغابات، أعلنت المفوضية الأوروبية إنشاء «تحالف للتأمين المناخي» بهدف توسيع نطاق الحماية المالية من الخسائر الناجمة عن الظواهر الجوية المتطرفة، في وقت لا يغطي فيه التأمين سوى نحو ربع الخسائر الاقتصادية المرتبطة بالمناخ داخل الاتحاد الأوروبي.

ويأتي التحرك في ظل تصاعد المخاطر المناخية التي تواجه القارة، التي ترتفع حرارتها بمعدل أسرع من أي قارة أخرى، بينما تكشف الكوارث المتكررة عن فجوة متزايدة بين حجم الأضرار وقدرة أنظمة التأمين على تغطيتها.

وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، في كلمة أمام البرلمان الأوروبي، إن الموازنات الوطنية تتحول في كثير من الأحيان إلى «شركة التأمين الأخيرة» عندما تضرب الكوارث المناخية، داعية إلى التحرك لسد هذه الفجوة.

75 % من الخسائر المناخية خارج التغطية التأمينية

وفق أرقام الاتحاد الأوروبي الواردة في الخطة، لا يغطي التأمين حاليًا سوى نحو 25% من الخسائر الاقتصادية المرتبطة بالمناخ داخل التكتل.

ويعني ذلك أن نحو ثلاثة أرباع الأضرار تقع خارج نطاق التغطية التأمينية، ما يترك الحكومات والأسر والشركات أمام فاتورة مالية ضخمة عند وقوع الكوارث.

ولا تتعلق المشكلة فقط بحجم التعويضات، بل بقدرة المجتمعات والاقتصادات المحلية على التعافي سريعًا بعد الكوارث، خصوصًا عندما تتكرر الأحداث المتطرفة خلال فترات زمنية قصيرة.

الجفاف يضرب قلب أوروبا.. أنهار كبرى تسجل أدنى مستوياتها التاريخية
الجفاف يضرب قلب أوروبا.. أنهار كبرى تسجل أدنى مستوياتها التاريخية

تحالف يجمع شركات التأمين والمستثمرين والحكومات

تسعى المفوضية الأوروبية من خلال التحالف الجديد إلى جمع شركات التأمين والمستثمرين ونماذج تقييم المخاطر والسلطات العامة والأطراف المستفيدة من التأمين، بهدف زيادة الإقبال على منتجات التأمين المرتبطة بالمخاطر المناخية.

وتركز المبادرة على تحديد أدوات يمكن أن تساعد في تقليل المخاطر وزيادة القدرة على تحمل الخسائر، بما في ذلك التأمين الجماعي والتأمين البارامتري.

وفي نموذج التأمين البارامتري، لا يرتبط دفع التعويض بتقييم كامل للأضرار بعد وقوع الكارثة، وإنما يُفعّل التعويض تلقائيًا عند تجاوز مؤشر محدد مسبقًا، مثل وصول درجات الحرارة إلى مستوى معين أو انخفاض الأمطار إلى حد محدد.

وقد يتيح هذا النموذج، في الحالات المناسبة، تسريع وصول الأموال إلى المتضررين مقارنة بالإجراءات التقليدية لتقييم الخسائر.

تحذير مناخي جديد.. أوروبا الغربية تسجل حرارة قياسية والبحار تحطم أرقام يوليو
تحذير مناخي جديد.. أوروبا الغربية تسجل حرارة قياسية

صيف أوروبي قاسٍ يضغط على الحكومات

جاء الإعلان بعد موسم صيفي شهد واحدًا من أسوأ مواسم حرائق الغابات في أوروبا، بالتزامن مع سلسلة من موجات الحر التي تسببت في وفيات وأثرت على قطاعات اقتصادية وخدمات أساسية.

وتسببت موجات الحر في اضطرابات بإمدادات الكهرباء، وخفض الإنتاجية، وإغلاق مدارس في بعض المناطق، بينما أدى الجفاف إلى زيادة الضغوط على موارد المياه والزراعة والاقتصادات المحلية.

وتكشف هذه الأحداث عن تحول مخاطر المناخ من قضية بيئية طويلة الأجل إلى مشكلة مالية مباشرة تواجه الحكومات وشركات التأمين والأسر والقطاعات الإنتاجية.

آلاف الهكتارات تحترق في أوروبا.. وحرائق اليونان خارج السيطرة
آلاف الهكتارات تحترق في أوروبا.. وحرائق اليونان خارج السيطرة

أوروبا تواجه معضلة التكيف مع المناخ

رغم امتلاك الاتحاد الأوروبي إطارًا واسعًا لخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، فإن الاستعداد للتأثيرات الحالية والمتزايدة للاحترار العالمي ظل أبطأ من وتيرة تغير المخاطر.

وكان مستشارو الاتحاد الأوروبي المستقلون في مجال المناخ قد حذروا في فبراير من نقص الاستثمار في التكيف المناخي، ودعوا إلى تحسين التخطيط العمراني، بما في ذلك تجنب إقامة مساكن جديدة في المناطق المعرضة للفيضانات وتصميم المدن بطريقة تساعد السكان على مواجهة موجات الحر.

وتعكس هذه التوصيات تحولًا في مفهوم السياسة المناخية الأوروبية: فخفض الانبعاثات لا يلغي الأضرار الناتجة عن الاحترار الذي أصبح واقعًا بالفعل، ما يجعل التكيف والاستعداد المالي جزءًا أساسيًا من حماية الاقتصاد والمجتمع.

خطة للمرونة المناخية في 100 منطقة معرضة للخطر

إلى جانب تحالف التأمين، أعلنت فون دير لاين مجموعة من الإجراءات الإضافية لتعزيز استعداد أوروبا لمخاطر الطقس المتطرف.

ومن المقرر أن تطرح المفوضية في أكتوبر استراتيجية لـ«المرونة المناخية» تتناول كيفية إدارة المخاطر المناخية في 100 منطقة أوروبية معرضة للخطر.

كما تتضمن الخطط وضع استراتيجية لموجات الحر لتحسين أنظمة الإنذار المبكر، إلى جانب خطة أوروبية للمياه تهدف إلى تعزيز إدارة مخاطر الجفاف.

وتكتسب أنظمة الإنذار المبكر أهمية خاصة لأنها قد تمنح السكان والسلطات وقتًا للاستعداد قبل وصول موجات الحر الشديدة أو العواصف أو الفيضانات أو غيرها من الظواهر المتطرفة.

أوروبا تواجه أخطر فوضى مناخية
أوروبا تواجه أخطر فوضى مناخية

هل تحتاج أوروبا إلى أسطول إطفاء خاص بها؟

وفي ملف حرائق الغابات، طلبت بروكسل من كبار مسؤولي أجهزة الإطفاء تقديم مقترحات لتحسين قدرة الاتحاد الأوروبي على التعامل مع الحرائق واسعة النطاق.

ومن بين الأفكار المطروحة إنشاء أسطول إطفاء تابع للاتحاد الأوروبي، بما يعزز قدرة الدول الأعضاء على الاستجابة للحرائق الكبرى عندما تتجاوز قدراتها الوطنية.

وتشير هذه الخطوة إلى أن الاستجابة للكوارث المناخية لم تعد قضية محلية بحتة، خصوصًا عندما تضرب الحرائق والجفاف والحرارة الشديدة عدة مناطق في الوقت نفسه.

من يتحمل فاتورة تغير المناخ؟

التحرك الأوروبي يطرح سؤالًا يتجاوز التأمين نفسه: من سيدفع فاتورة الكوارث المناخية المتزايدة؟

فمع بقاء الجزء الأكبر من الخسائر الاقتصادية خارج التغطية، تتحمل الحكومات جزءًا كبيرًا من العبء عندما تقع الكوارث، ما قد يضغط على الموازنات العامة ويحوّل الأموال من الإنفاق على الخدمات والتنمية إلى تمويل التعافي وإعادة الإعمار.

وفي المقابل، تواجه شركات التأمين تحديًا متزايدًا يتمثل في تسعير مخاطر أصبحت أكثر تكرارًا وشدة، بينما قد تواجه الأسر والشركات ارتفاعًا في تكلفة التأمين أو صعوبة أكبر في الحصول على تغطية في المناطق شديدة التعرض للمخاطر.

لهذا لا تبدو مبادرة الاتحاد الأوروبي مجرد مشروع لتوسيع سوق التأمين، وإنما محاولة لبناء نظام مالي أكثر قدرة على امتصاص صدمات تغير المناخ قبل أن تصبح الكوارث المتكررة عبئًا يصعب على الحكومات والأسواق والمجتمعات تحمله.

ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة وتزايد مخاطر الحرائق والجفاف وموجات الحر، يصبح التحدي الأوروبي مزدوجًا: خفض الانبعاثات التي تقود الاحترار، وفي الوقت نفسه بناء اقتصاد ومجتمعات قادرة على تحمل الأضرار التي باتت تحدث بالفعل.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة