أهم الموضوعاتأخبارتغير المناخ

الأرض تقترب من فقدان مخزونها الجليدي.. تقرير أممي يحذر من عواقب تجاوز 1.5 درجة

3 درجات مئوية قد تذيب معظم التربة الصقيعية.. العلماء يحذرون من نقاط تحول مناخية خطيرة

لم يعد تجاوز هدف الحد من الاحترار العالمي عند 1.5 درجة مئوية مجرد سيناريو تحذر منه المؤسسات العلمية، بل أصبح خطرًا متزايدًا قد يترك آثارًا دائمة على الأنظمة الجليدية للأرض، حتى إذا نجح العالم لاحقًا في خفض درجات الحرارة وإعادتها إلى المستويات المستهدفة بموجب اتفاق باريس للمناخ.

وكشف تقرير علمي مدعوم من الأمم المتحدة، أعده 80 عالمًا وخبيرًا بالتعاون بين المبادرة الدولية للمناخ والغلاف الجليدي (ICCI) وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، أن تجاوز الاحترار العالمي مستوى 1.5 درجة مئوية، ولو بصورة مؤقتة، قد يؤدي إلى خسائر واسعة ودائمة في الأنهار الجليدية والصفائح الجليدية القطبية والثلوج والتربة الصقيعية، بما يهدد ارتفاع مستويات البحار والأمن المائي واستقرار المحيطات والأنظمة البيئية.

وحذر التقرير من أن الاعتقاد بإمكانية تجاوز هدف 1.5 درجة مئوية إلى درجتين أو ثلاث درجات ثم العودة بسهولة إلى المسار المناخي الآمن يمثل تصورًا مضللًا، لأن بعض مكونات الغلاف الجليدي تستجيب بسرعة شديدة لارتفاع الحرارة، بينما قد تستغرق استعادتها قرونًا أو آلاف السنين، وقد تصبح بعض التغيرات غير قابلة للعكس على المقاييس الزمنية البشرية.

وتأتي هذه التحذيرات في وقت ارتفعت فيه حرارة الأرض بالفعل بنحو 1.3 درجة مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، وسط استمرار انبعاثات غازات الاحتباس الحراري وتراجع الجهود العالمية لحماية الطبيعة والحد من مسببات تغير المناخ.

وأكد العلماء أن تجاوز عتبة 1.5 درجة مئوية قد يكون من الصعب تجنبه، لكن المطلوب هو تقليص فترة التجاوز إلى أقصر مدة ممكنة، بالتوازي مع خفض الانبعاثات وإزالة كميات كافية من الكربون من الغلاف الجوي، لإعادة الاحترار العالمي إلى مستويات أقل بكثير على المدى الطويل، ويفضل أن تقل عن درجة مئوية واحدة بحلول عام 2150.

الغلاف الجليدي.. نظام طبيعي يهدد استقرار الكوكب

ويقصد بالغلاف الجليدي (Cryosphere) جميع المناطق التي توجد فيها المياه على الأرض في صورتها الصلبة، ويشمل الأنهار الجليدية، والصفائح الجليدية في غرينلاند والقارة القطبية الجنوبية، والجليد البحري، والغطاء الثلجي، والتربة الصقيعية، وهي الأراضي التي تظل متجمدة لفترات طويلة.

ويمثل هذا النظام أحد المكونات الأكثر حساسية للتغيرات المناخية، إذ لا تقتصر تأثيرات ذوبانه على المناطق القطبية والجبال المرتفعة، بل تمتد إلى المحيطات والمناخ العالمي ومستويات البحار ومصادر المياه العذبة.

وحذر جيمس كيركهام، عالم الجليد في المبادرة الدولية للمناخ والغلاف الجليدي والمؤلف الرئيسي للتقرير، من أن الغلاف الجليدي يعد أحد أكثر مكونات النظام المناخي حساسية، وأن تداعيات فقدانه لا تتوقف عند حدود المناطق المتجمدة، بل تؤثر على الكوكب بأكمله.

وأشار إلى أن العالم شهد بالفعل خلال العام الجاري أحد أكبر وأشد انهيارات الجليد والصخور فتكًا، على الحدود بين نيبال والصين، ما تسبب في سقوط آلاف الضحايا، وأضرار قُدرت بما يعادل 10% من الناتج المحلي الإجمالي لنيبال في حادث واحد، وفقًا لما أورده التقرير.

وأضاف أن سويسرا فقدت 20% من جليدها النهري خلال السنوات الخمس الماضية، بينما يُتوقع اختفاء آلاف الأنهار الجليدية حول العالم خلال العقد المقبل، بمعدلات سنوية متزايدة.

ذوبان الجليد أحد أخطر مؤشرات التغير المناخي
الغلاف الجليدي.. نظام طبيعي يهدد استقرار الكوكب

ذوبان جليد القطبين يتسارع 6 مرات مقارنة بالتسعينيات

ومن أخطر النتائج التي كشف عنها التقرير التسارع الكبير في ذوبان الصفائح الجليدية التي تغطي غرينلاند والقارة القطبية الجنوبية، إذ أصبحت تفقد جليدها بمعدل يزيد بنحو 6 مرات على المعدلات المسجلة خلال تسعينيات القرن الماضي.

وحذر العلماء من أن هذه الصفائح ستواصل فقدان الجليد حتى في السيناريوهات التي يكون فيها تجاوز الاحترار العالمي لعتبة 1.5 درجة مئوية مؤقتًا، ثم تنخفض درجات الحرارة مجددًا إلى هذا المستوى.

وتشير النتائج إلى أن الحد الحراري الآمن على المدى الطويل للحفاظ على الصفائح الجليدية القطبية يقترب من درجة مئوية واحدة فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، وربما يكون أقل من ذلك.

وأكد كيركهام أن الثلوج والجليد يستجيبان بسرعة لكل جزء إضافي من درجة الاحترار، لكن معظم هذه الأنظمة تحتاج إلى قرون أو آلاف السنين للتعافي بعد تجاوز الحدود الحرارية الآمنة، خصوصًا إذا جرى تخطي نقاط التحول المناخي التي تجعل التغيرات شبه مستحيلة العكس.

سياسات المناخ الحالية تهدد بذوبان معظم التربة الصقيعية

ولا تتوقف المخاطر عند ذوبان الأنهار الجليدية والصفائح القطبية، إذ يحذر التقرير من أن استمرار السياسات المناخية الحالية، التي قد تقود إلى ارتفاع درجات الحرارة بنحو 2.8 درجة مئوية خلال هذا القرن، أو الاقتراب من 3 درجات في سيناريوهات الاحترار المرتفع، سيؤدي إلى ذوبان جميع طبقات التربة الصقيعية القريبة من سطح الأرض تقريبًا.

وتكمن خطورة ذوبان هذه الأراضي في أنها تخزن كميات ضخمة من الكربون والمواد العضوية المتجمدة منذ آلاف السنين، وعندما ترتفع درجات الحرارة وتبدأ هذه الطبقات في الذوبان، تتحلل المواد العضوية وتطلق غازات الاحتباس الحراري، بما فيها ثاني أكسيد الكربون والميثان.

ويؤدي ذلك إلى نشوء حلقة تغذية راجعة مناخية، إذ يتسبب الاحترار في ذوبان التربة الصقيعية، ثم يؤدي إطلاق الغازات إلى زيادة الاحترار، وهو ما يسرّع بدوره ذوبان مزيد من الجليد والتربة المتجمدة.

كما يرجح التقرير حدوث اضطرابات شديدة وربما مفاجئة في حركة دوران المحيطات، إلى جانب تسارع تحمّض المحيطات القطبية، فضلًا عن أن الأبحاث العلمية الحديثة تشير إلى أن الجليد البحري يستغرق وقتًا أطول للتعافي مما كان يُعتقد سابقًا.

سياسات المناخ الحالية تهدد بذوبان معظم التربة الصقيعية

الأنهار الجليدية قد تفقد أكثر من 90% من كتلتها

وتكشف المقارنات الواردة في التقرير عن فجوة كبيرة بين مستقبل الأنهار الجليدية في ظل السياسات المناخية الحالية، والسيناريو الذي ينجح فيه العالم في الحد من الاحترار عند 1.5 درجة مئوية.

ففي ظل السياسات الحالية، قد تنخفض الكتلة الجليدية إلى أقل من 10% من مستوياتها الحالية في مناطق جبال الروكي وجبال الألب وآيسلندا والدول الاسكندنافية، بما يعني فقدان أكثر من 90% من مخزونها الجليدي.

أما إذا نجح العالم في حصر الاحترار عند 1.5 درجة مئوية، فمن المتوقع أن تحتفظ هذه المناطق بنحو 20% إلى 35% من كتلتها الجليدية الحالية.

وتزداد خطورة هذه التوقعات في منطقة جبال هندوكوش والهيمالايا، التي تعتمد عليها مصادر المياه لنحو ربع سكان العالم، إذ يتوقع التقرير أن يؤدي استمرار السياسات الحالية إلى احتفاظ المنطقة بنحو 41% فقط من كتلتها الجليدية، مقابل 83% إذا جرى الحد من الاحترار العالمي عند 1.5 درجة مئوية.

وتعني هذه الخسائر تهديدًا مباشرًا للأمن المائي لمئات الملايين من البشر الذين يعتمدون على المياه الناتجة عن ذوبان الثلوج والأنهار الجليدية في الشرب والزراعة وتوليد الكهرباء، فضلًا عن زيادة مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية والجليدية.

الأنهار الجليدية قد تفقد أكثر من 90% من كتلتها
الأنهار الجليدية قد تفقد أكثر من 90% من كتلتها

حتى العودة إلى 1.5 درجة لن تعيد الجليد المفقود

ومن أبرز الرسائل التي يحملها التقرير أن خفض درجات الحرارة بعد تجاوز عتبة 1.5 درجة مئوية لن يكون كافيًا لإعادة الأنظمة الجليدية إلى حالتها السابقة.

وأوضح العلماء أن الأنهار الجليدية تستجيب أيضًا للاحترار المتراكم خلال العقود الماضية، ولذلك فإن العودة إلى مستويات أقل من الاحترار لن توقف جميع الخسائر، بل قد تستمر عملية فقدان الجليد حتى بعد تحسن الظروف المناخية.

ووفقًا للتقرير، لن تحتفظ الأنهار الجليدية سوى بنحو 70% من حجمها الحالي على مدى قرون، حتى في سيناريو نجاح العالم في خفض الاحترار طويل الأجل إلى 0.8 درجة مئوية.

ويعني ذلك أن نحو 30% من حجم الجليد الحالي قد يُفقد حتى في هذا السيناريو الأكثر طموحًا، وهو ما يؤكد أن بعض آثار تغير المناخ أصبحت طويلة الأمد، وأن منع مزيد من الخسائر يمثل أولوية لا يمكن تأجيلها.

وتشمل التداعيات المحتملة ارتفاع مستويات البحار، وتهديد المدن الساحلية والمناطق المنخفضة، وتراجع الموارد المائية، واضطراب الأنظمة البيئية البحرية، إلى جانب زيادة المخاطر المناخية التي تتجاوز قدرة المجتمعات على التكيف.

خفض الانبعاثات 18% بحلول 2030 و45% بحلول 2035

وتتزامن هذه التحذيرات مع تقرير فجوة الانبعاثات لعام 2026 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة، الذي أكد ضرورة خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية بنسبة 18% بحلول عام 2030، وبنسبة 45% بحلول عام 2035، مقارنة بمستويات عام 2025، ضمن المسار الذي يستهدف الحد من ذروة الاحترار وإعادته إلى 1.5 درجة مئوية بحلول نهاية القرن.

ويشير التقرير إلى أن السياسات الحالية قد تقود إلى ارتفاع درجات الحرارة بنحو 2.8 درجة مئوية خلال هذا القرن، وهو ما يجعل الفجوة بين التعهدات المناخية للدول ومتطلبات الحد من الاحترار العالمي أكبر من أن تسمح بتأجيل التحرك.

وفي تعليقه على نتائج تقرير الغلاف الجليدي، قال بيل هير، عالم المناخ والرئيس التنفيذي لمعهد Climate Analytics، الذي لم يشارك في إعداد التقرير، إن ذوبان الصفائح الجليدية بمعدل يزيد 6 مرات على مستويات التسعينيات، واختفاء الجليد البحري والأنهار الجليدية الجبلية بوتيرة قياسية، وارتفاع مستويات البحار، وتحمّض المحيطات القطبية، كلها تحولات تحمل تداعيات عالمية واسعة.

وأضاف أن هذه التطورات تدفع التأثيرات المناخية إلى ما يتجاوز حدود قدرة المجتمعات والأنظمة البيئية على التكيف، محذرًا من أن القرارات التي أدت إلى إضعاف العمل المناخي تركت بالفعل أضرارًا جوهرية في العالم.

أسرار المياه الدافئة والذوبان الجليدي
مؤتمر المناخ COP31 أمام اختبار جديد

مؤتمر المناخ COP31 أمام اختبار جديد

وتأتي هذه النتائج بالتزامن مع توجه قادة العالم والدبلوماسيين إلى تركيا للمشاركة في الدورة الحادية والثلاثين لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (COP31)، وسط تصاعد التحذيرات العلمية من أن تجاوز أهداف اتفاق باريس قد يترك خسائر بيئية ومناخية لا يمكن إصلاحها خلال حياة الأجيال الحالية.

وتضع هذه التحذيرات الحكومات أمام ضرورة تسريع التحول بعيدًا عن الوقود الأحفوري، والتوسع في الطاقة المتجددة وتخزين الكهرباء، ورفع طموح المساهمات المحددة وطنيًا لخفض الانبعاثات، إلى جانب تعزيز جهود استعادة النظم البيئية وإزالة الكربون من الغلاف الجوي.

فالرسالة الأساسية للتقرير لا تتمثل فقط في ضرورة العودة إلى هدف 1.5 درجة مئوية، بل في أن كل جزء إضافي من درجة الاحترار يحمل تكلفة متزايدة على الجليد والمحيطات ومصادر المياه والأمن الغذائي واستقرار المجتمعات البشرية.

وبينما قد يتمكن العالم من خفض درجات الحرارة مستقبلًا، فإن الجليد الذي يذوب اليوم قد لا يعود إلا بعد قرون أو آلاف السنين، وهو ما يجعل تقليص فترة تجاوز الأهداف المناخية ومنع المزيد من الخسائر ضرورة عاجلة لحماية مستقبل الكوكب.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى