ملفات خاصةأخبارتغير المناخ

من درنة إلى الإسكندرية.. عصام حجي يكشف الوجه الأخطر للتغير المناخي: مصر وإفريقيا تقفان على خط التماس الأول

سد النهضة والتغير المناخي.. قراءة علمية لعصام حجي بعيدًا عن السياسة

يؤكد عصام حجي أن مصر تُعد من أكثر دول العالم هشاشة أمام التغير المناخي، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي، بل لارتباط وجودها بنهر واحد وساحل طويل منخفض الارتفاع.

ويضرب مثالًا بمدينة الإسكندرية، التي تحولت خلال سنوات قليلة من تسجيل حالة انهيار عقاري واحدة سنويًا إلى عشرات الانهيارات، نتيجة تآكل الأساسات بفعل تسرب مياه البحر وارتفاع منسوب المياه الجوفية.

ويرفض حجي بشدة تفسير هذه الانهيارات بعوامل عمر المباني فقط، متسائلًا:  «كيف صمدت المباني التاريخية مئات السنين، بينما تنهار مبانٍ حديثة شُيّدت وفق أحدث المواصفات؟»
ليؤكد أن السبب الحقيقي هو التغيرات البيئية العميقة التي لم تُؤخذ في الحسبان عند التخطيط العمراني.

ويحذر من أن استمرار البناء في مناطق منخفضة، بما يشمل مدنًا جديدة ومحطات طاقة وتحلية، هو استثمار في مناطق محكوم عليها بالغرق خلال عقود قليلة.

لم يعد التغير المناخي تهديدًا مؤجلًا أو ملفًا للنقاش الأكاديمي، بل أصبح أحد أخطر العوامل التي تعيد رسم خريطة البقاء في مصر وإفريقيا، من دلتا النيل المهددة بالغرق، إلى مدن ساحلية تتآكل بصمت، وصولًا إلى دول تنهار بنيتها الأساسية في ليلة واحدة تحت وطأة سيول غير مسبوقة.

فيضانات تنزانيا -كوارث المناخ في إفريقيا

مصر في قلب العاصفة المناخية

في هذا الإطار، يطلق العالم المصري في وكالة الفضاء الأميركية «ناسا»، عصام حجي، تحذيرًا صريحًا: مصر وإفريقيا تقفان على خط التماس الأول مع التغير المناخي، لكن الخطر الأكبر لا يكمن في الظواهر الطبيعية ذاتها، بل في تجاهل العلم، وتسييس المعرفة، وبناء قرارات مصيرية على إنكار الواقع.

وفي مقابلة خاصة مع الجزيرة نت، يرسم حجي صورة قاتمة لكنها واقعية لمستقبل المنطقة، مؤكدًا أن ما تشهده مصر وليبيا والسواحل الإفريقية ليس استثناءً عابرًا، بل بداية نمط من الكوارث المتسارعة، إذا استمر التعامل معها بعقلية الإنكار أو الحلول المؤقتة.

تطوير المنطقة أمام قلعة قايتباي في الإسكندرية
تطوير المنطقة أمام قلعة قايتباي في الإسكندرية

درنة.. إنذار إفريقي دموي

ويستشهد حجي بكارثة فيضانات درنة في ليبيا عام 2023 بوصفها أخطر دليل على أن إفريقيا دخلت مرحلة جديدة من الكوارث المناخية، حيث قُتل أكثر من 11 ألف شخص في ليلة واحدة.

ويقول إن ما حدث في درنة يُعد سابقة تاريخية، إذ لم تضرب أكبر سيول إفريقيا دولًا غنية بالأنهار أو الأمطار، بل دولة صحراوية لا تمتلك أي نهر، وهو ما يؤكد أن التغير المناخي قلب القواعد الجغرافية رأسًا على عقب.

ويضيف أن عدد ضحايا هذه الكارثة فاق خسائر نزاعات مسلحة، ما يجعل التغير المناخي تهديدًا أمنيًا مباشرًا، لا يقل خطورة عن الحروب.

شواهد على الفاجعة في درنة
شواهد على الفاجعة في درنة ليبيا

البحر المتوسط يسخن.. والعواصف تتضاعف

يشير حجي إلى أن درجة حرارة مياه شرق البحر المتوسط ارتفعت بمقدار درجتين ونصف الدرجة بين عامي 1980 و2025، وهو ارتفاع غير مسبوق، أدى إلى زيادة معدلات التبخر وتكاثر العواصف العنيفة من حيث العدد والشدة.

ويؤكد أن ارتفاع منسوب سطح البحر، الذي يتراوح بين 3 و6 سنتيمترات سنويًا، قد يصل إلى متر كامل أو أكثر خلال عقدين، خاصة مع تزامنه مع هبوط الأرض في المناطق الساحلية بسبب سحب المياه الجوفية.

سد النهضة.. العلم الغائب عن الطاولة

في ملف سد النهضة، يطرح عصام حجي مقاربة علمية هادئة بعيدة عن الاستقطاب السياسي، معتبرًا أن الأزمة الحقيقية ليست في السد ذاته، بل في كيفية إدارته خلال فترات الجفاف.

ويوضح أن نهر النيل من أكثر الأنهار حساسية للتغير المناخي، لأنه يمر عبر أربع مناطق مناخية مختلفة، ما يجعل التنبؤ بتدفقه تحديًا علميًا بالغ التعقيد.

ويؤكد أن السدود، في أصلها، أدوات لتنظيم المياه وتوليد الطاقة، مستشهدًا بدور السد العالي في إنقاذ مصر خلال موجة الجفاف القاسية بين عامي 1978 و1987.

غير أن حجي ينتقد بشدة غياب الدراسات العلمية المشتركة، معتبرًا أن تسييس الملف أفسح المجال لدراسات متناقضة، بعضها يقلل من المخاطر، وأخرى تهوّلها، دون مرجعية علمية موحدة.

سد النهضة الإثيوبي الكبير

إفريقيا بين الاستقلال الحقيقي وإنكار العلم

يرى حجي أن الاختبار الحقيقي لاستقلال إفريقيا لا يُقاس بالشعارات السياسية، بل بقدرتها على حل أزماتها بالعلم والمعرفة، لا بالخطابات الشعبوية أو الضغوط الدولية.

ويربط بين تراجع مكانة العلم في العالم العربي والإفريقي، وانتشار الخرافة وإنكار الحقائق العلمية، معتبرًا أن هذه الظواهر تزدهر في البيئات التي تعاني من القهر وغياب العدالة، حيث يتحول الحظ والتنجيم إلى بديل للمعرفة.

حرائق إفريقيا

هجرة العقول.. نزيف صامت

يحمل عصام حجي الأنظمة التعليمية والإدارية مسؤولية نزيف العقول، مؤكدًا أن التركيز على التصنيفات الشكلية للجامعات دون أثر حقيقي في المجتمع هو خداع للنفس.

ويختتم برسالة مباشرة للعلماء العرب في الخارج، مؤكدًا أن نجاحهم الفردي لا يكتمل إلا بنجاح أوطانهم، وبقدرتهم على تحويل المعرفة إلى حماية حقيقية لحياة الناس ومستقبلهم.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading