لغز عمره 4.5 مليار سنة.. أين اختفى رصاص الأرض المفقود؟
اكتشاف يغيّر فهم كوكب الأرض.. رصاص قديم مختبئ في الوشاح
كشفت دراسة علمية حديثة أن لغز “الرصاص المفقود” الذي حيّر علماء الجيولوجيا لعقود قد يكون مرتبطًا بعمليات عميقة داخل باطن الأرض، وتحديدًا في وشاح الكوكب، حيث يُحتمل أن يكون هذا العنصر مخزنًا منذ مليارات السنين.
وقاد فريق بحثي من جامعة نانيانج التكنولوجية في سنغافورة (NTU Singapore) دراسة جديدة نُشرت في مجلة Nature Communications، اعتمدت على محاكاة حاسوبية متقدمة لسلوك مركبات الرصاص تحت ظروف الضغط والحرارة الشديدة داخل الأرض.
ويعود هذا اللغز إلى التناقض بين نسب نظائر الرصاص في الصخور السطحية والنيازك القديمة التي ساهمت في تكوين الأرض، إذ تحتوي الصخور على كميات أعلى من “الرصاص الحديث” الناتج عن التحلل الإشعاعي لليورانيوم والثوريوم، مقارنة بما تتوقعه النماذج العلمية.

“الرصاص الأصلي”
وينتج عن ذلك انطباع بأن كمية “الرصاص الأصلي” الأقدم من عمر الأرض أقل بكثير من المتوقع، وهو ما دفع العلماء لافتراض أن جزءًا كبيرًا منه قد اختفى أو انتقل إلى أعماق غير مرئية داخل الكوكب.
وكانت الفرضية السائدة تشير إلى احتمال غرق هذا الرصاص في النواة الحديدية للأرض خلال مراحل التكوين الأولى، إلا أن هذه النظرية لم تستطع تفسير جميع الآليات التي تسمح ببقائه هناك حتى اليوم.

وفي الدراسة الجديدة، ركّز الباحثون على مركب كبريتيد الرصاص (PbS)، نظرًا لارتباط الرصاص القوي بعنصر الكبريت داخل البيئات الجيولوجية العميقة.
وأظهرت المحاكاة أن هذا المركب يصبح شديد الاستقرار تحت ضغوط هائلة موجودة في وشاح الأرض، ويمكنه البقاء صلبًا حتى عند درجات حرارة قد تصل إلى 5000 درجة مئوية، وهي أعلى بكثير من الظروف الفعلية داخل الوشاح.

خزانات خفية من الرصاص القديم
وتشير النتائج إلى احتمال وجود خزانات خفية من الرصاص القديم في أعماق الأرض منذ تشكّل الكوكب، حيث ظل محاصرًا بعيدًا عن العمليات الكيميائية في القشرة الأرضية، ما يفسر انخفاض نسبه في الصخور السطحية.
كما توقعت النماذج ظهور نوعين جديدين من مركبات الرصاص والكبريت، هما PbS₂ وPbS₃، تحت ظروف الضغط العالي داخل الوشاح، وقد تلعب هذه المركبات دورًا مهمًا في إعادة توزيع الرصاص داخل الأرض.

وأوضحت الدراسة أن أحد هذه المركبات قد يظل صلبًا في أعماق الوشاح، بينما يمكن للآخر أن ينصهر جزئيًا ويتحول إلى سائل يصعد تدريجيًا نحو السطح، ما يسمح بتسرب كميات صغيرة من الرصاص القديم إلى الصخور البركانية.
واعتمد الباحثون على برنامج محاكاة متقدم يُعرف باسم CALYPSO للتنبؤ ببنية المواد تحت الظروف القاسية، نظرًا لصعوبة الوصول المباشر إلى أعماق الأرض.

ويأمل الفريق البحثي في اختبار هذه النتائج عمليًا عبر محاكاة الظروف الجيولوجية داخل المختبر، إضافة إلى تحليل عينات صخرية بركانية قد تحتوي على آثار لهذه المركبات.
وتفتح هذه النتائج آفاقًا جديدة لفهم تطور كيمياء الأرض، بل وقد تساعد أيضًا في تفسير تطور الكواكب الصخرية الأخرى مثل المريخ.





