ملفات خاصةأخبارالسياحة

دفاع الكوكب.. من يضغط زر الإنذار عندما يقترب الخطر من الأرض؟ تهديد من السماء

قصة أول إنذار حقيقي لكويكب يهدد الأرض.. سباق ضد الزمن في الفضاء.. “لحظة الحقيقة”

في عالم تتسارع فيه المخاطر العابرة للحدود، يبقى التهديد القادم من الفضاء واحدًا من أقل السيناريوهات حضورًا في الوعي العام، رغم كونه من أكثرها تدميرًا. خلف هذا الملف، تقف غرفة عمليات صغيرة في فيينا، تدير أحد أخطر احتمالات المستقبل: اصطدام كويكب بالأرض.

في قلب هذه المنظومة، تقود آرتي هولا-مايني، مديرة مكتب الأمم المتحدة لشؤون الفضاء الخارجي، آلية دولية دقيقة صُممت للتعامل مع سيناريو بالغ الحساسية: رصد جسم فضائي ضخم في مسار تصادمي محتمل مع كوكب الأرض. دورها لا يقتصر على المتابعة، بل يمتد إلى إطلاق الإنذار العالمي، عبر إبلاغ الأمين العام للأمم المتحدة، الذي ينقل التحذير إلى 193 دولة.

ورغم أن هذه اللحظة تبدو أقرب إلى الخيال العلمي، فإنها تحققت بالفعل. ففي أواخر ديسمبر 2024، رصد تلسكوب في تشيلي كويكبًا متوسط الحجم، أُطلق عليه اسم 2024 YR4، يتحرك بسرعة عبر الفضاء. لم يكن الاكتشاف في حد ذاته استثنائيًا، لكن ما أثار القلق هو تطور الحسابات اللاحقة.

آرتي هولا-مايني، مديرة مكتب الأمم المتحدة لشؤون الفضاء الخارجي
آرتي هولا-مايني، مديرة مكتب الأمم المتحدة لشؤون الفضاء الخارجي

خلال أسابيع قليلة، ارتفعت احتمالات اصطدام الكويكب بالأرض من نسبة ضئيلة للغاية إلى أكثر من 1%، وهي نسبة تبدو محدودة، لكنها في علم المخاطر الكونية كافية لتفعيل أعلى درجات الاستجابة الدولية، خاصة عندما يكون الجسم قادرًا على إطلاق طاقة تدميرية تعادل مئات القنابل النووية.

هنا، تحولت المحاكاة إلى واقع. تقول هولا-مايني: “لم يكن تدريبًا هذه المرة.. كان الأمر حقيقيًا”. في تلك اللحظة، دخلت منظومة الدفاع الكوكبي للأمم المتحدة مرحلة الاختبار الفعلي لأول مرة منذ تأسيسها عام 2013.

بدأ التنسيق فورًا مع الشبكة الدولية للتحذير من الكويكبات، التي تضم وكالات فضاء كبرى مثل “ناسا” ووكالة الفضاء الأوروبية، إضافة إلى مراكز متخصصة في حساب المدارات. الهدف كان واضحًا: تحسين دقة التوقعات، وتحديد مسار الكويكب، وتقييم سيناريوهات الاصطدام المحتملة.

وفي الوقت ذاته، جرى تفعيل مجموعة تخطيط المهمات الفضائية، وهي الجهة المعنية بدراسة خيارات التدخل، وعلى رأسها تقنية “الاصطدام الحركي”، التي تقوم على إرسال مركبة فضائية لتغيير مسار الكويكب، وهي تقنية أثبتت نجاحها في تجربة أمريكية عام 2022.

كويكب- ناسا

تكمن خطورة مثل هذه السيناريوهات في ضيق هامش الخطأ. فحتى كويكب بقطر عشرات الأمتار، كما حدث في انفجار تشيليابينسك عام 2013، يمكن أن يتسبب في أضرار واسعة النطاق، دون سابق إنذار. أما الأجسام الأكبر، فهي قادرة على تدمير مدن كاملة، وربما إحداث اضطرابات إقليمية واسعة.

تنظيم حركة آلاف الأقمار الصناعية

وعلى مقياس “تورينو” لتقييم مخاطر الكويكبات، وصل 2024 YR4 إلى المستوى الثالث، ما يعني أنه يستدعي انتباهًا دوليًا مكثفًا، دون أن يصل إلى مستوى التهديد المؤكد، ومع استمرار الرصد، بلغت احتمالات الاصطدام ذروتها عند أكثر من 3%، قبل أن تتراجع لاحقًا إلى مستويات شبه معدومة.

لكن ما كشفته هذه الواقعة يتجاوز الكويكب نفسه، فهي سلطت الضوء على بنية حوكمة فضائية معقدة، تعمل بموارد محدودة، لكنها تدير ملفات تمتد من الدفاع الكوكبي إلى تنظيم حركة آلاف الأقمار الصناعية التي باتت تجعل المدار الأرضي منطقة مزدحمة وخطرة.

 حركة آلاف الأقمار الصناعية التي باتت تجعل المدار الأرضي منطقة مزدحمة وخطرة

اليوم، يتجاوز عدد الأقمار الصناعية العاملة 10 آلاف، مع خطط لإطلاق عشرات الآلاف الأخرى، ما يزيد من احتمالات التصادم وسلسلة التفاعلات الخطرة، التي قد تعطل البنية التحتية العالمية للاتصالات والملاحة.

في هذا السياق، يلعب مكتب الأمم المتحدة لشؤون الفضاء الخارجي دور “وسيط صامت”، يتدخل أحيانًا بين دول لا تجمعها علاقات دبلوماسية.

ففي حادثة كادت تتطور إلى أزمة، اقترب قمران صناعيان تابعان لماليزيا وكوريا الشمالية إلى مسافة 75 مترًا فقط، قبل أن يتم تفادي التصادم في اللحظة الأخيرة.

التهديدات الواقعية

إن الخطر الذي تشكله الأجسام في الفضاء الخارجي ليس مجرد احتمال نظري. ففي عام 2013، انفجر نيزك فوق مدينة تشيليابينسك الروسية .

وقد أطلق هذا الحدث، الناجم عن صخرة يبلغ عرضها 20 متراً (60 قدماً)، طاقة تعادل 500 كيلوطن من مادة تي إن تي، مُولِّداً موجة صدمية حطمت نوافذ آلاف المباني السكنية.

وأصيب أكثر من 1200 شخص جراء تطاير الزجاج والحطام. وتوهجت كرة اللهب 30 ضعف سطوع الشمس، مما تسبب في حروق جلدية فورية، مُثبتاً أن حتى الصخور الفضائية الأصغر حجماً قادرة على إحداث خسائر بشرية جماعية دون سابق إنذار.

النيزك

لفترة وجيزة من العام الماضي، شكّل النيزك 2024 YR4 أخطر تهديد على المدى القريب منذ اكتشاف نيزك أبوفيس عام 2004، والذي تصدّر عناوين الأخبار بعد تصنيفه بدرجة 4 على مقياس تورينو لمخاطر الاصطدام، لكن تم تخفيض تصنيفه لاحقًا بعد أن أظهرت الملاحظات أنه لن يشكّل أي تهديد لمدة قرن على الأقل .

يتراوح مقياس تورينو من صفر، حيث لا يوجد خطر، إلى 10، حيث يكون الاصطدام مؤكدًا ويشكّل تهديدًا لمستقبل الحضارة كما نعرفها.

الذكاء الكوكبي..عقل رقمي يراقب الأرض ويتنبأ بالمخاطر العالمية

على هذا المقياس، وصل الكويكب 2024 YR4 إلى المستوى الثالث، وقد أدى اكتشافه إلى تفعيل هيئة أخرى معتمدة من الأمم المتحدة، وهي المجموعة الاستشارية لتخطيط مهمات الفضاء، المكلفة بالعمل على إيجاد سبل لإنقاذ الأرض.

أحد الخيارات هو تغيير مسار الكويكب عن طريق اصطدامه بمركبة فضائية اعتراضية، وهي تقنية تم اختبارها بنجاح على كويكب آخر في مهمة دارت التابعة لناسا عام 2022 .

ورغم أن خطر الكويكب 2024 YR4 تلاشى، فإن التجربة مثلت نقطة تحول في فهم العالم لتهديدات الفضاء. فقد أثبتت أن الخطر ليس افتراضيًا، وأن الاستعداد له لم يعد رفاهية علمية، بل ضرورة استراتيجية.

سواءً أكان الأمر يتعلق بإطلاق الإنذار بشأن كويكب قد يدمر مدينة، أو تسهيل الحصول على صور الإغاثة من الكوارث المتعلقة بالفيضانات في المغرب، أو منع اصطدام في مدار الأرض، فإن “الفريق الصغير” في فيينا يُنجز مهامًا تفوق حجمه بكثير، كما تقول هولا-مايني. وتضيف: “بسبب القيود المفروضة علينا من حيث نقص الموظفين والميزانية، اضطر المكتب إلى العمل بكفاءة عالية للغاية”.

شكّلت حالة الذعر من الكويكب YR4 عام 2024 اختبارًا مفيدًا لدور أونوسا الجديد نسبيًا في الدفاع الكوكبي. ويجري حاليًا رصد الكويكب. ورغم أن احتمالية اصطدامه بالأرض بلغت ذروتها بأكثر من 3% في فبراير من العام الماضي، إلا أنها انخفضت منذ ذلك الحين إلى مستوى ضئيل للغاية.

ازدحام مدارات الأرض بالحطام الفضائي يضاعف مخاطر الاصطدام

“الفضاء للجميع”

تدير الوكالة برنامجاً يُسمى “الفضاء للجميع”، يُساعد الدول غير المُتخصصة في الفضاء على الاستفادة من مزايا المدار. كما يُسهّل برنامجها للاستجابة للكوارث والطوارئ، “يو إن-سبايدر”، الوصول إلى صور الأقمار الصناعية للدول التي تواجه كوارث طبيعية.

لكن دور أونوسا كسجل رسمي للأقمار الصناعية التي تُطلق إلى مدار الأرض أصبح بالغ الأهمية. فمع ارتفاع عدد الأقمار الصناعية إلى ما يزيد عن 10,000 قمر، وتخطيط إطلاق أضعاف هذا العدد، يتحول الفضاء القريب من الأرض إلى منطقة مرور مزدحمة وخطيرة.

وجدت الوكالة نفسها تعمل كـ “خط ساخن” غير رسمي لحوادث تصادم الأقمار الصناعية المحتملة – وهو دور يصبح معقدًا بشكل مرعب عندما تنتمي الأقمار الصناعية المعنية إلى دول لا تربطها علاقات دبلوماسية.

في النهاية، قد لا يكون السؤال هو ما إذا كان كويكب سيهدد الأرض مجددًا، بل متى. وعندما تأتي تلك اللحظة، ستكون الاستجابة العالمية هي الفارق بين كارثة محتملة وسيناريو يمكن احتواؤه.


مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading