146 دولة أمام فرصة تاريخية لتعزيز الاقتصاد ومكافحة تغير المناخ في آن واحد
دراسة عالمية: إدارة الأراضي بذكاء قد تحقق مكاسب ضخمة للمناخ والتنوع البيولوجي والاقتصاد
في وقت تتزايد فيه الضغوط على الحكومات لتحقيق النمو الاقتصادي دون الإضرار بالبيئة، توصلت دراسة دولية واسعة النطاق إلى أن هذا التوازن ليس ممكناً فحسب، بل يمكن أن يحقق مكاسب ضخمة ومتزامنة للمناخ والتنوع البيولوجي والتنمية الاقتصادية إذا أُديرت الأراضي والموارد الطبيعية بكفاءة أكبر.
وكشفت الدراسة، التي قادها باحثون من University of Minnesota ونشرت في دورية Science، أن 146 دولة حول العالم تمتلك فرصاً كبيرة لتحسين استخدام الأراضي الزراعية والغابات والموارد الطبيعية بطريقة تسمح بزيادة الإنتاج الاقتصادي، وتعزيز حماية النظم البيئية، وخفض الانبعاثات المسببة لتغير المناخ في الوقت نفسه.
وتُعد الدراسة من بين أكثر التحليلات العالمية شمولاً في هذا المجال، إذ اعتمدت على دمج بيانات بيئية واقتصادية وجغرافية متقدمة لرسم صورة دقيقة للعلاقات المعقدة بين الزراعة والغابات والتنوع البيولوجي والمناخ والتنمية الاقتصادية.
كسر معادلة “الاقتصاد أم البيئة”
لطالما ساد الاعتقاد بأن حماية البيئة تأتي على حساب النمو الاقتصادي، أو أن التوسع الزراعي والإنتاجي يتطلب التضحية بجزء من الموارد الطبيعية والنظم البيئية.
غير أن نتائج الدراسة تشير إلى أن هذا التصور قد يكون مضللاً في كثير من الحالات، فالباحثون وجدوا أن معظم الدول لا تستغل أراضيها حالياً بأعلى كفاءة ممكنة، وأن هناك مجالاً واسعاً لتحقيق مكاسب متزامنة في أكثر من هدف استراتيجي دون الحاجة إلى التضحية بأهداف أخرى.
ويعني ذلك أن تحسين توزيع الأنشطة الزراعية وإدارة الغابات واستعادة بعض المناطق الطبيعية يمكن أن يرفع العائد الاقتصادي وفي الوقت نفسه يعزز قدرة الأنظمة البيئية على امتصاص الكربون وحماية التنوع الحيوي.

كيف أُجريت الدراسة؟
اعتمد الفريق البحثي على تطوير ما أطلق عليه “حدود الكفاءة المستدامة للمناظر الطبيعية”، وهي أداة تحليلية تسمح بتحديد أفضل التوازنات الممكنة بين ثلاثة أهداف رئيسية:
حماية التنوع البيولوجي والأنظمة البيئية.
التخفيف من تغير المناخ عبر زيادة امتصاص الكربون وخفض الانبعاثات،تحقيق أعلى قيمة اقتصادية ممكنة من الزراعة والثروة الحيوانية وإنتاج الغابات.
وباستخدام بيانات مكانية وبيئية واقتصادية واسعة النطاق، تمكن الباحثون من رسم سيناريوهات الاستخدام الأمثل للأراضي في كل دولة على حدة.
وأظهرت النتائج، أن معظم الدول تعمل حالياً داخل مستويات أقل بكثير من إمكاناتها الفعلية، ما يعني أن تحسين الإدارة يمكن أن يحقق مكاسب كبيرة دون الحاجة إلى موارد إضافية ضخمة.

مكاسب مناخية تتجاوز 200 مليار طن
عند جمع النتائج الخاصة بالدول الـ146، توصل الباحثون إلى أن تحسين إدارة الأراضي عالمياً يمكن أن يزيد جهود التخفيف من تغير المناخ بأكثر من 200 مليار طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون.
ويمثل هذا الرقم زيادة تتجاوز 20% مقارنة بالمستويات الحالية، وهو ما قد يشكل مساهمة مهمة في الجهود الدولية الرامية إلى الحد من الاحترار العالمي وتحقيق أهداف اتفاقيات المناخ.
وتتحقق هذه المكاسب من خلال تعزيز قدرة الغابات والتربة على تخزين الكربون، وتقليل الانبعاثات الناتجة عن إزالة الغابات والاستخدامات غير المستدامة للأراضي، إضافة إلى خفض انبعاثات غاز الميثان المرتبطة ببعض الأنشطة الزراعية.
عائد اقتصادي يتجاوز 350 مليار دولار
ولم تقتصر النتائج على الجانب البيئي، إذ تشير الدراسة إلى إمكانية تحقيق زيادة في القيمة الاقتصادية الصافية تتجاوز 350 مليار دولار سنوياً، أي أكثر من 80% مقارنة ببعض أنماط الاستخدام الحالية للأراضي.
وتوضح الدراسة أن هذه المكاسب يمكن أن تتحقق دون الإضرار بالإنتاج الزراعي أو الأمن الغذائي، بل من خلال رفع كفاءة الإنتاج وتوجيه الأنشطة الزراعية إلى المواقع الأكثر ملاءمة وتحسين إدارة الموارد.
ويرى الباحثون أن هذه النتائج تمثل فرصة مهمة للدول النامية والمتوسطة الدخل التي تسعى إلى تحقيق النمو الاقتصادي مع الوفاء بالتزاماتها البيئية والمناخية.
الزراعة الذكية واستعادة الغابات
حددت الدراسة مسارين رئيسيين لتحقيق هذه المكاسب.
الأول يتمثل في إعادة تخصيص استخدامات الأراضي بشكل أكثر كفاءة، بما يشمل استعادة الغابات في بعض المناطق ذات الأهمية البيئية العالية أو الأراضي التي تحقق فوائد مناخية كبيرة عند إعادة تأهيلها.
أما المسار الثاني فيعتمد على تكثيف الإنتاج الزراعي بصورة مستدامة، خاصة في الدول منخفضة الدخل التي لا تزال إنتاجية الأراضي فيها أقل من إمكاناتها الحقيقية.
ويؤكد الباحثون أن زيادة الإنتاج الزراعي لا تتطلب بالضرورة التوسع في إزالة الغابات أو استغلال المزيد من الأراضي الطبيعية، بل يمكن تحقيقها عبر تحسين الممارسات الزراعية واستخدام التقنيات الحديثة ورفع كفاءة الإدارة.
فوائد للدول النامية
تكتسب النتائج أهمية خاصة بالنسبة للدول النامية التي تواجه تحدياً مزدوجاً يتمثل في الحاجة إلى تحقيق التنمية الاقتصادية ومواجهة آثار تغير المناخ في الوقت نفسه.
ففي العديد من هذه الدول، تشكل الزراعة مصدراً رئيسياً للدخل والتوظيف، كما تعتمد المجتمعات المحلية بصورة مباشرة على الخدمات البيئية التي توفرها الغابات والأنظمة الطبيعية.
وتشير الدراسة إلى أن الاستثمار في الإدارة المستدامة للأراضي يمكن أن يوفر فوائد اقتصادية مباشرة للمزارعين والمجتمعات الريفية، إلى جانب تعزيز الأمن الغذائي والقدرة على التكيف مع الظواهر المناخية المتطرفة.
خارطة طريق لصناع القرار
يرى الباحثون أن النتائج توفر أداة عملية للحكومات والمؤسسات المالية الدولية مثل World Bank وغيرها من الجهات المعنية بتمويل التنمية.
فمن خلال تحديد المجالات التي تحقق أعلى عائد بيئي واقتصادي، يمكن توجيه الاستثمارات والسياسات العامة بصورة أكثر فاعلية، بما يساعد الدول على تحقيق أهدافها الوطنية وفي الوقت نفسه الوفاء بالتزاماتها الدولية المتعلقة بالمناخ والتنوع البيولوجي.
كما يمكن أن تسهم هذه النتائج في دعم تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، خاصة تلك المرتبطة بالقضاء على الفقر، والأمن الغذائي، والعمل المناخي، وحماية النظم البيئية.
هل انتهى الصراع بين الاقتصاد والبيئة؟
تقدم الدراسة دليلاً علمياً قوياً على أن العلاقة بين النمو الاقتصادي وحماية الطبيعة ليست بالضرورة علاقة صراع أو تنافس.
ففي كثير من الحالات، يمكن للسياسات الذكية أن تحول حماية البيئة إلى محرك للتنمية الاقتصادية بدلاً من اعتبارها عبئاً عليها.
ومع تصاعد أزمات المناخ وفقدان التنوع البيولوجي وتدهور الأراضي الزراعية في العديد من مناطق العالم، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً إلى تبني نماذج جديدة لإدارة الموارد الطبيعية تقوم على الكفاءة والاستدامة وتحقيق المنافع المتبادلة.
وتخلص الدراسة إلى أن العالم يمتلك بالفعل الأدوات والفرص اللازمة لتحقيق تقدم متزامن في مجالات المناخ والطبيعة والاقتصاد، لكن نجاح ذلك سيعتمد على سرعة ترجمة هذه المعارف العلمية إلى سياسات واستثمارات عملية على أرض الواقع.





