محطات معالجة المياه تلتقط معظم البلاستيك الدقيق.. لكن المشكلة لا تنتهي
الذكاء الاصطناعي قد يحدث ثورة في رصد البلاستيك الدقيق داخل محطات معالجة المياه
رغم أن محطات معالجة مياه الصرف الصحي لم تُصمم في الأصل لإزالة جزيئات البلاستيك الدقيق (Microplastics)، فإنها تنجح في احتجاز نسبة كبيرة منها قبل وصولها إلى الأنهار والبحيرات والبحار.
إلا أن الباحثين يؤكدون أن هذه النسب المرتفعة لا تعني القضاء على المشكلة، إذ تبقى ملايين الجزيئات الدقيقة قادرة على التسرب إلى البيئة أو الانتقال إلى أماكن أخرى.
وكشفت مراجعة علمية حديثة أن تقنيات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تسهم في تحسين رصد البلاستيك الدقيق وتتبع حركته وإدارة مخاطره داخل محطات المعالجة، بما يوفر مراقبة أكثر دقة واستباقية لهذا النوع من التلوث.
وقاد الدراسة كونستانتينوس تساموتسوغلو من جامعة كريت التقنية في اليونان، واعتمدت على تحليل الدراسات المنشورة بين عامي 2019 و2026، والتي تناولت مصادر البلاستيك الدقيق، وطرق اكتشافه، وتقنيات معالجته، ودور الذكاء الاصطناعي في تطوير هذه المنظومة.
ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Artificial Intelligence & Environment.
من أين يأتي البلاستيك الدقيق؟

تصل جزيئات البلاستيك الدقيق إلى محطات المعالجة عبر مصادر متعددة، منها:
- مياه الصرف المنزلية.
- المخلفات الصناعية.
- الألياف البلاستيكية المنفصلة من الملابس أثناء الغسيل.
- مستحضرات العناية الشخصية.
- مياه الأمطار والجريان السطحي داخل المدن.
وأوضح الباحثون أن محطات الصرف صُممت أساسًا لإزالة المواد العضوية والملوثات التقليدية، وليس الجزيئات البلاستيكية متناهية الصغر، لذلك فإن احتجازها للبلاستيك الدقيق يحدث غالبًا بصورة غير مقصودة.
وقال تساموتسوجلو: “تمثل محطات معالجة مياه الصرف حاجزًا مهمًا أمام انتشار البلاستيك الدقيق، لكن إزالة هذه الجزيئات لا تعني التخلص منها نهائيًا، ويمكن أن يساعد دمج القياسات المخبرية الدقيقة مع الذكاء الاصطناعي في الانتقال من المراقبة المحدودة إلى إدارة أكثر سرعة ودقة.”

المحطات تزيل معظم البلاستيك… لكن ليس كله
أظهرت المراجعة أن كفاءة إزالة البلاستيك الدقيق تختلف بين المحطات بسبب اختلاف التصميم وطرق القياس، إلا أن الاتجاه العام متقارب.
فمراحل المعالجة الأولية تزيل نحو 72% من الجزيئات، بينما ترتفع النسبة إلى 88% بعد المعالجة الثانوية، وتصل إلى نحو 94% بعد المعالجة الثلاثية.
ورغم هذه النسب المرتفعة، فإن الكميات المتبقية لا تزال كبيرة بسبب الحجم الهائل لمياه الصرف التي تعالجها المحطات يوميًا، ما يعني أن ملايين الجزيئات البلاستيكية قد تصل في النهاية إلى الأنهار والبحيرات والمياه الساحلية.
وأشار الباحثون إلى أن الجزيئات الأصغر من 150 ميكرومترًا تُعد الأكثر صعوبة في الاحتجاز، لأنها تبقى معلقة في المياه ولا تترسب بسهولة داخل أنظمة المعالجة التقليدية.

إزالة البلاستيك لا تعني اختفاءه
لفتت الدراسة إلى أن محطات المعالجة لا تدمر البلاستيك الدقيق، بل تنقله في كثير من الأحيان إلى حمأة الصرف الصحي.
وتُستخدم هذه الحمأة في العديد من الدول كسماد أو مُحسن للتربة، وهو ما يسمح بانتقال جزيئات البلاستيك الدقيق إلى الأراضي الزراعية، حيث قد تبقى لفترات طويلة، وتتفاعل مع الكائنات الدقيقة وجذور النباتات، أو تنتقل لاحقًا عبر مياه الجريان السطحي إلى البيئة الطبيعية والسلسلة الغذائية.
ويرى الباحثون أن المشكلة لا تُحل بالكامل، وإنما تنتقل من البيئة المائية إلى البيئة البرية.
كيف يساعد الذكاء الاصطناعي؟
أوضحت الدراسة أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يدعم محطات المعالجة بعدة طرق، أبرزها:
• التعرف التلقائي على جزيئات البلاستيك في الصور المجهرية باستخدام تقنيات الرؤية الحاسوبية.
• تقليل الوقت والجهد اللازمين للتحليل اليدوي.
• الحد من الاختلافات الناتجة عن التقدير البشري.
• ربط بيانات البلاستيك الدقيق بمؤشرات تشغيل المحطات، مثل معدل التدفق، والعكارة، والمواد الصلبة العالقة، ودورة الحمأة.
• التنبؤ بكفاءة إزالة الجزيئات واكتشاف مصادر التلوث مبكرًا.
• دعم اتخاذ القرارات التشغيلية في الوقت الفعلي.
وأشارت المراجعة إلى أن بعض نماذج الذكاء الاصطناعي حققت دقة تراوحت بين 85% و95% في تصنيف جزيئات البلاستيك داخل المختبرات.

ثلاث خطوات لبناء نظام ذكي
واقترح الباحثون إطارًا عمليًا يعتمد على ثلاث مراحل رئيسية:
- جمع بيانات مخبرية وتشغيلية وصورية موحدة وعالية الجودة.
- تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على تصنيف الجزيئات والتنبؤ بأداء محطات المعالجة.
- دمج هذه النماذج في أنظمة إنذار مبكر وأدوات لدعم قرارات تشغيل المحطات.
الذكاء الاصطناعي ليس بديلًا للخبراء
ورغم الإمكانات الكبيرة، شددت الدراسة على أن الذكاء الاصطناعي لا يزال بحاجة إلى بيانات أكبر وتجارب ميدانية داخل محطات المعالجة الفعلية، كما يجب تطوير خوارزميات أكثر شفافية يمكن للعاملين الوثوق بها.
وأكد الباحثون أن الذكاء الاصطناعي لن يحل محل التحاليل الكيميائية أو خبرات المهندسين والفنيين، وإنما سيكون أداة مساعدة لتحسين دقة المراقبة وإدارة التلوث بالبلاستيك الدقيق بكفاءة أعلى.





