الكوارث لا تعرف الحدود.. التغير المناخي يضع شفافية الحكومات أمام اختبار جديد
إخفاء المعلومات وقت الكوارث.. خطر إضافي مع تصاعد الظواهر المناخية المتطرفة
مع تزايد الكوارث المرتبطة بالطقس بفعل تغير المناخ، تبرز قضية أخرى لا تقل أهمية عن حجم الكارثة نفسها: مدى استعداد الحكومات لتبادل المعلومات بسرعة مع الدول المجاورة عندما تتطور الأخطار.
وتشير المادة إلى أن بعض الأنظمة السلطوية لديها تاريخ في حجب أو تقليص المعلومات المتعلقة بالكوارث المتصاعدة، حتى عندما يمكن أن يؤثر ذلك في سلامة سكانها.
وتزداد أهمية هذه القضية مع توقع ارتفاع عدد الكوارث المرتبطة بالطقس والمناخ، وما يرافق ذلك من أخطار يمكن أن تتجاوز الحدود السياسية للدول.
فالفيضانات والأنهار الجليدية والحرائق والجفاف والأوبئة التي تعقب الكوارث لا تتوقف عند الحدود، ولذلك فإن تأخير المعلومات المتعلقة بها قد يحرم الدول المجاورة من الوقت اللازم لاتخاذ إجراءات وقائية.

فيضانات حدود نيبال والتبت
ظهرت هذه المخاوف مجددًا عقب الفيضانات الكبيرة التي ضربت منطقة الحدود بين نيبال والتبت.
ووفقًا للمادة، فرضت وسائل الإعلام الحكومية الصينية رقابة مشددة على التغطية، مع تركيز أكبر على عمليات الإنقاذ بدلًا من حجم الدمار، بينما خضعت الحسابات غير الرسمية لقيود واسعة.
كما اختفت، بحسب تقارير إعلامية، بعض المقاطع المصورة التي التقطها أشخاص باستخدام الهواتف أو كاميرات المراقبة، وكانت تظهر حجم الدمار في المناطق الحدودية، من منصات إعلامية صينية.
واتهمت نيبال الصين، في هذه الحادثة وفي مناسبات سابقة، بعدم مشاركة المعلومات المتعلقة بالأخطار المتصاعدة بالسرعة الكافية.
لكن بكين نفت وجود تضليل للمعلومات، وقالت إن البيانات المتعلقة بالحادث الأخير جرى نشرها في الوقت المناسب.
وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة في ظل تحذيرات حديثة من أن منطقة الهيمالايا تقترب من نقاط تحول في سرعة ذوبان الأنهار الجليدية ومستويات المراقبة، مع تعرض ملايين الأشخاص وسبل عيشهم لمخاطر متزايدة.

عندما يتحول إخفاء الكارثة إلى أزمة إنسانية
تظهر سوابق تاريخية مدى خطورة حجب المعلومات خلال الكوارث، ففي عام 1984، أخفى نظام منغستو هيلا مريام في إثيوبيا حجم الجفاف الكارثي الذي أدى إلى مجاعة واسعة، وقلل من شأن الأزمة في محاولة للحفاظ على صورة الحكومة.
وفرض النظام آنذاك قيودًا صارمة على وسائل الإعلام، كما رفض نشر بيانات توضح حجم الأزمة أو حتى الاعتراف بها بصورة كاملة.
وبدلًا من توجيه الموارد إلى مواجهة المجاعة، أنفق النظام أكثر من 100 مليون دولار على احتفالات الذكرى العاشرة للثورة الماركسية في البلاد، بحسب تقارير تاريخية أوردتها المادة.
كما تجاهل منغستو أزمة الجوع الجماعي في خطاباته، ومنع عمال الإغاثة الدوليين والصحفيين من الوصول إلى المناطق التي كانت تعاني من المجاعة.
وتشير تقديرات إلى وفاة نحو مليون شخص في تلك المجاعة، مع اختلاف التقديرات التاريخية بشأن حجم الوفيات والأسباب المباشرة وغير المباشرة لها.
المياه المشتركة.. خطر يتجاوز الحدود
يمكن أن تصبح مشكلة الشفافية أكثر تعقيدًا عندما ترتبط الكارثة بموارد طبيعية مشتركة بين دول متعددة.
ففي حالات الجفاف الممتد، يمكن أن يؤدي غياب البيانات أو تأخيرها إلى صعوبة معرفة حجم الضغوط على الموارد المائية المشتركة.
وتحذر المادة من أن إخفاء بعض الأنظمة لحجم الجفاف قد يسمح، في ظروف معينة، بزيادة استخراج الموارد المشتركة بصورة غير معلنة، بما قد يؤثر في توافر المياه في المناطق الواقعة في دول مجاورة.
وهنا تتحول أزمة المناخ من مشكلة داخلية إلى قضية يمكن أن تحمل أبعادًا إقليمية، خصوصًا في الأحواض المائية العابرة للحدود.
تشيرنوبل.. عندما تأخرت المعلومات عن كارثة نووية
تقدم كارثة محطة تشيرنوبل النووية عام 1986 واحدة من أشهر الأمثلة التاريخية على آثار التعتيم أثناء الكوارث الكبرى.
فبعد انفجار المفاعل في الاتحاد السوفيتي السابق، جرى حجب معلومات مصنفة سرية تتعلق بحجم التلوث والإشعاع، وفق وثائق وأرشيفات ظهرت لاحقًا.
ولم تصل معلومات مهمة بشأن حجم التلوث إلى السكان في أوكرانيا وأجزاء من أوروبا الغربية بصورة كاملة إلا بعد فترات زمنية متفاوتة، بحسب المصادر التي تناولت الحادث.
وقدرت منظمة «غرينبيس» أن عدد الوفيات الإضافية المحتملة المرتبطة بالتعرض للإشعاع في بيلاروس وأوكرانيا وروسيا قد تراوح بين 100 ألف و250 ألف وفاة، وهي تقديرات محل نقاش ولا تمثل إجماعًا علميًا حول حصيلة الوفيات الناجمة عن تشيرنوبل.
وتوضح الحالة، بغض النظر عن الخلاف حول تقديرات الوفيات، كيف يمكن لتأخير المعلومات المتعلقة بانتشار التلوث أن يحرم السكان والدول الأخرى من القدرة على اتخاذ إجراءات وقائية في الوقت المناسب.
ميانمار.. الكوارث وقيود وصول المساعدات

تقدم ميانمار مثالًا آخر على المشكلات التي يمكن أن تنتج عن تقييد المعلومات والوصول إلى المناطق المنكوبة.
وتشير تقارير إلى أن الحكومة ذات الطابع العسكري في البلاد فرضت مرارًا قيودًا على وصول الصحفيين وعمال الإغاثة والجهات الخارجية إلى المناطق المتضررة بعد الكوارث.
وفي أبريل 2025، ضرب زلزال بقوة 7.7 درجة وسط ميانمار، وأدى إلى مقتل آلاف الأشخاص.
وبحسب تقارير إعلامية، تعرضت جهود الإغاثة لقيود، كما اتُهمت السلطات العسكرية بمنع أو مصادرة بعض المساعدات والإمدادات.
ولا تقتصر آثار تأخير المساعدات على زيادة المعاناة داخل المناطق المنكوبة، إذ يمكن أن يدفع غياب الدعم الإنساني السكان إلى النزوح بحثًا عن الغذاء والماء والرعاية والأمان، بما قد يؤدي إلى زيادة الضغوط على الدول والمناطق المجاورة.
الرقابة وقمع المعلومات
تلفت المادة إلى أن الأنظمة السلطوية تكون، وفق عدد من الدراسات، أكثر ميلًا إلى الرقابة على وسائل الإعلام ومراقبة المنصات الإعلامية مقارنة بالأنظمة الديمقراطية.
وفي حالة الفيضانات التي شهدتها منطقة نيبال والتبت في أغسطس 2026، أشارت تقارير إلى فرض قيود على تداول المحتوى غير الرسمي المتعلق بالكارثة في الصين.
كما يمكن لبعض الأنظمة السلطوية أن تفرض قيودًا على وصول عمال الإغاثة الدوليين والعلماء المستقلين والمراقبين إلى المناطق المتضررة، وهو ما قد يحد من قدرة الجهات الخارجية على تقييم حجم الكارثة بصورة مستقلة.
وظهرت مشكلة مشابهة في زيمبابوي بعد إعصار «إيداي» عام 2019، عندما قيدت السلطات مشاركة بعض الجهات الدولية في عمليات الإغاثة، بحسب دراسات وتقارير تناولت الاستجابة للكارثة.
وتشير أبحاث أخرى إلى أن بعض الأنظمة السلطوية قد تزيد مستويات القمع ضد مواطنيها أثناء الكوارث، بدلًا من تخفيف القيود للسماح بتدفق المعلومات والمساعدات.
الكوارث الطبيعية قد تفتح الباب أمام أزمات صحية

لا تتوقف مخاطر التعتيم عند حدود الفيضانات أو الجفاف أو الزلازل، فالكوارث الطبيعية يمكن أن تؤدي إلى تفشي أمراض معدية نتيجة تلوث المياه، وتدهور ظروف الصرف الصحي، واكتظاظ مراكز الإيواء، واضطراب الخدمات الصحية.
وفي حال امتنعت حكومة ما عن الإبلاغ عن تفشٍ مرتبط بكارثة مناخية أو أخرت المعلومات المتعلقة به، فقد لا تتمكن الدول المجاورة من اتخاذ التدابير الوقائية اللازمة.
وتشير المادة أيضًا إلى أن بعض الأنظمة السلطوية قد تحجب أو تؤخر بيانات تتعلق بالظواهر الجوية المتطرفة، وذوبان الأنهار الجليدية أو الحوادث الصناعية، أحيانًا بهدف حماية صورة النظام.
لكن تأخير المعلومات قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ يمكن أن يعرقل الاستجابة المحلية والدولية ويزيد المخاطر التي تواجه السكان.
المناخ لا يعترف بالحدود السياسية
مع تصاعد آثار تغير المناخ، تصبح المعلومات في الوقت المناسب جزءًا أساسيًا من القدرة على الاستجابة للكوارث.
فالأنظمة البيئية والأنهار والأنهار الجليدية والظواهر الجوية لا تتوقف عند الحدود السياسية، وقد تمتد آثار كارثة واحدة إلى دول ومجتمعات بعيدة عن مركزها.
ولهذا، فإن الشفافية وتبادل البيانات والتحذير المبكر والتعاون عبر الحدود يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في تقليل المخاطر، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالأنهار العابرة للحدود، والموارد المائية المشتركة، والفيضانات الجليدية، والأوبئة التي قد تتبع الكوارث.
ومع استمرار تغير المناخ في زيادة الضغوط على بعض النظم البيئية ورفع احتمالات الظواهر المتطرفة، فإن حجب المعلومات أو تأخيرها لا يبقى بالضرورة مشكلة داخلية تخص الدولة التي تقع فيها الكارثة، بل قد يتحول إلى عامل يزيد تعرض السكان والمجتمعات والدول المجاورة للخطر.





