وجهات نظر

د.محمد الصوفي: من «حق المواطن في كوب مياه آمن» إلى «معركة الاستدامة»

خبير البصمة الكربونية والتنمية المستدامة- عضو بالاتحاد الدولي لمديري المرافق

لم تعد قضية المياه في مصر مجرد سؤال عن كمية المياه المتاحة، أو عدد محطات تنقية مياه الشرب ومحطات معالجة مياه الصرف الصحي التي تم إنشاؤها، بل أصبحت سؤالًا أكبر وأكثر إلحاحًا: هل تستطيع مصر أن تضمن لكل مواطن مياهًا آمنة، وصرفًا صحيًا لائقًا، وخدمة عادلة ومستدامة، في مواجهة ضغوط السكان والمناخ والتلوث وارتفاع تكلفة التشغيل؟

هذا هو السؤال الذي يضعه تقرير المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحق الإنسان في مياه الشرب المأمونة وخدمات الصرف الصحي في قلب النقاش حول مستقبل قطاع المياه في مصر، عقب زيارته للبلاد خلال الفترة من 8 إلى 17 فبراير 2026.

وبينما حققت مصر خلال السنوات الأخيرة توسعًا كبيرًا في مشروعات مياه الشرب والصرف الصحي، وفي مقدمتها مشروعات حياة كريمة ، فإن المرحلة المقبلة تبدو أكثر تعقيدًا: فالتحدي لم يعد فقط في بناء المحطة أو مد الشبكة، وإنما في ضمان أن تظل هذه الاستثمارات قادرة على العمل بكفاءة، وأن تصل الخدمة إلى الأكثر احتياجًا، وأن تكون المياه آمنة، والتشغيل اقتصاديًا، والبيئة محمية، والموارد المائية أكثر قدرة على الصمود أمام تغير المناخ.

مصر قطعت شوطًا كبيرًا… لكن المعركة لم تنتهِ

ان قراءة التقرير من منظور فني وتنموي تكشف عن رسالة أكبر من مجرد تقييم مستوى الخدمات؛ فالمطلوب في المرحلة المقبلة ليس فقط إيصال المياه إلى المواطن، وإنما ضمان أن تكون المياه آمنة، والخدمة مستدامة، والتكلفة ميسورة، والموارد محمية، والاستثمارات قادرة على الصمود أمام تغير المناخ.

إنها معركة لا تتعلق بالمياه وحدها؛ بل بالصحة، والاقتصاد، والعدالة الاجتماعية، والأمن المائي، وحماية البيئة، ومستقبل الأجيال القادمة.

ومن هنا، يفتح التقرير بابًا أوسع للنقاش: كيف ننتقل من إدارة المياه كخدمة إلى إدارة المياه باعتبارها حقًا من حقوق الإنسان وركيزة للتنمية المستدامة؟

ان واقع قطاع المياه والصرف الصحي في مصر شهد توسعًا كبيرًا في البنية الأساسية خلال السنوات الماضية، ولا سيما في المناطق الريفية التي كانت تعاني تاريخيًا من فجوات في خدمات الصرف الصحي.

وتأتي مبادرة حياة كريمة في مقدمة المشروعات التي أعادت وضع الريف المصري على خريطة الاستثمارات الكبرى في البنية الأساسية والخدمات ، لكن التحدي الجديد بعد إنشاء الشبكات والمحطات هو سؤال مختلف تمامًا:

هل تستطيع هذه الاستثمارات أن تعمل بكفاءة واستدامة لعقود مقبلة؟

فهناك فرق بين بناء محطة وبين ضمان كفاءة تشغيلها، وبين مد شبكة مياه وبين الحفاظ على جودتها، وبين افتتاح مشروع وبين ضمان قدرته على الاستمرار اقتصاديًا وفنيًا وبيئيًا ،وهنا تبدأ المرحلة الأصعب مرحلة الاستدامة ، إنها نقلة من قياس حجم البنية الأساسية إلى قياس قيمة الخدمة التي تقدمها.

كل قطرة لها قيمة

ربما يكون أحد أكبر التحولات المطلوبة في قطاع الصرف الصحي هو تغيير النظرة إلى مياه الصرف ومن تطبيق نظم الاقتصاد التقليدي الي تطبيق نظم الاقتصاد الدائري وهنا تصبح محطة معالجة مياه الصرف أكثر من مجرد محطة لإزالة الملوثات بل تصبح مركزًا لاسترداد الموارد.

فالمياه المعالجة يمكن أن تدخل في استخدامات مناسبة وفق الضوابط والمعايير، والحمأة يمكن إدارتها بصورة آمنة والاستفادة من إمكانات استرداد الطاقة منها، والغاز الحيوي يمكن أن يمثل مصدرًا للطاقة في بعض المنشآت.

وفي بلد يعاني من محدودية الموارد المائية، تصبح كفاءة استخدام كل متر مكعب قضية استراتيجية ، فكل كمية مياه يتم فقدها في الشبكات تعني في الوقت نفسه فقدًا للمياه والطاقة والمواد الكيميائية المستخدمة في المعالجة، إضافة إلى تكلفة الضخ والنقل.

ولهذا فإن خفض فاقد المياه يعد أحد أهم محاور الاستدامة في هذا القطاع.

فالاستثمار في خفض الفاقد من خلال استخدام أنظمة وادوات حديثة لكشف التسربات، وإدارة الضغوط، والعدادات الذكية، وتحليل بيانات الاستهلاك قد يكون في بعض الحالات مكافئًا للاستثمار في توفير مصدر جديد للمياه، ولكن بكفاءة مختلفة في استخدام الموارد.

ان القيمة الحقيقية لأي تقرير ليست في عدد صفحاته، وإنما في قدرته على تحويل الأفكار إلى إجراءات وامكانية قياس هذا التحول من خلال مؤشرات واضحة.

إن التقرير الأممي لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد وثيقة دولية تقدم ملاحظات وتوصيات، وإنما باعتباره فرصة للنظر إلى قطاع المياه والصرف الصحي من زاوية أكثر اتساعًا.

كم قيمة نستطيع أن نخلقها من كل متر مكعب من المياه؟

وهنا تلتقي حقوق الإنسان مع الاقتصاد الدائري، وتلتقي الاستدامة مع البنية التحتية، ويلتقي الأمن المائي مع العمل المناخي.

فالمياه ليست مجرد خدمة تقدمها الدولة للمواطن.

المياه هي أساس الصحة، والتنمية، والاقتصاد، والعدالة، والأمن القومي، وحق الأجيال القادمة.

ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام مصر خلال السنوات المقبلة ليس فقط أن تحافظ على كل قطرة، وإنما أن تجعل كل قطرة أكثر أمانًا، وأكثر كفاءة، وأكثر قيمة، وأكثر استدامة.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة