أهم الموضوعاتأخبارالاقتصاد الأخضر

رحلة قميص قطني حول العالم تكشف مفاجأة صادمة.. 44% من القطن يهدر قبل أن يصبح ملابس

إعادة تدوير الملابس ليست الحل وحدها.. دراسة تكشف أن المشكلة تبدأ داخل مصانع النسيج

44 % من القطن يهدر قبل وصول المنتج إلى المتجر.. ودراسة تتبع قميصًا من بنجلاديش إلى النرويج والهند وتكشف أن إعادة التدوير وحدها لن تحل أزمة صناعة الملابس

ماذا يحدث للقميص القطني منذ خروجه من المصنع وحتى التخلص منه؟ سؤال يبدو بسيطًا، لكن رحلة قميص واحد حول العالم كشفت أن الجزء الأكبر من المشكلة البيئية لصناعة الملابس يبدأ قبل أن يرتدي المستهلك القطعة أو يتخلص منها بسنوات.

وتوصل باحثون من الجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا (NTNU) ومؤسسة SINTEF إلى أن 44% من القطن المستخدم في تصنيع قميص قطني بسيط يهدر قبل أن يتحول إلى ملابس أصلًا، نتيجة الفاقد خلال عمليات الغزل والصباغة والقص والتجهيز.

وتتبعت الدراسة قميصًا أبيض واحدًا في نموذج يحاكي دورة حياته الكاملة، بدءًا من تصنيع الملابس في بنجلاديش، مرورًا بشحنها إلى النرويج وارتدائها، ثم التخلص منها وفرزها ونقلها إلى ليتوانيا، وإعادة تدويرها ميكانيكيًا في الهند، قبل عودة الألياف المستخرجة إلى بنجلاديش لإعادة استخدامها في إنتاج الخيوط.

وتكشف النتائج أن التركيز على جمع الملابس المستعملة وإعادة تدويرها، رغم أهميته، لا يعالج الجزء الأكبر من الهدر، لأن الخسارة الأساسية تحدث في وقت مبكر داخل مصانع المنسوجات.

كان القميص الذي درسه الباحثون من مقاس متوسط، يزن نحو 110 جرامات، وكان أبيض اللون ومن دون طبعات أو إضافات أو مكونات أخرى يمكن أن تعقد عملية إعادة تدويره.

وبدأت رحلة التصنيع في بنجلاديش، إحدى أكبر الدول المصدرة للقمصان والمنسوجات عالميًا، قبل شحن القميص بحرًا إلى النرويج.

إعادة التدوير للأزياء المستعملة
ماذا يحدث للقميص القطني منذ خروجه من المصنع وحتى التخلص منه؟

وفي النرويج، ارتُدي القميص 30 مرة، مع غسله بعد كل مرتين من الاستخدام، ثم جرى التخلص منه.

لكن نهاية عمر القميص لم تكن نهاية الرحلة.

وفق النموذج الذي أعده الباحثون، تخضع الملابس التي يجري جمعها في النرويج لعملية فرز أولي، قبل نقلها بالشاحنات والعبّارات إلى منشأة فرز في مدينة فيلنيوس بليتوانيا.

ومن هناك، تُرسل الملابس التي تُصنف باعتبارها قابلة لإعادة التدوير إلى مصنع لإعادة التدوير الميكانيكي في مدينة بانيبات الهندية، ثم تعود الألياف الناتجة إلى مصنع للغزل في بنجلاديش.

وربط الباحثون مسار القميص بتقييم لدورة حياته، شمل تأثيره على المناخ واستخدام المياه والأراضي وتلوث المياه العذبة.

وأظهرت الدراسة أن القميص الواحد تسبب في انبعاث نحو 3.5 كيلوجرام من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، وكانت مرحلة الصباغة والتجهيز أكبر مساهم منفرد في هذه البصمة المناخية.

لكن المفاجأة الأكبر ظهرت عند تتبع كمية القطن نفسها.

فالقميص النهائي الذي يزن 110 جرامات احتاج في بداية التصنيع إلى نحو 197 جرامًا من القطن الخام.

وخلال عملية الغزل، فقد المصنع نحو 49 جرامًا من القطن أثناء مرحلة التمشيط، التي يجري خلالها التخلص من الألياف القصيرة والشوائب وتجهيز القطن للغزل.

وفي مصانع الصباغة، فقد النموذج نحو 17 جرامًا إضافيًا نتيجة الأقمشة التي خرجت بعيوب أو لم تجتز اختبارات الجودة.

كما تسببت عمليات القص في خسارة نحو 17 جرامًا أخرى، بينما كانت خسائر مرحلة الحياكة محدودة، إذ بلغت نحو 3 جرامات.

وبذلك بلغ إجمالي القطن الذي لم يتحول إلى ملابس نحو 86 جرامًا، أي ما يعادل قرابة 44% من المادة الخام المستخدمة في البداية.

ويقول الباحثون إن هذه النسبة أعلى بكثير من تقدير سابق بلغ 12% في تقرير لمؤسسة Ellen MacArthur Foundation صدر عام 2017 حول اقتصاد المنسوجات.

ويرجع الفريق النرويجي جزءًا من هذا الفارق إلى أن الإحصاءات الوطنية التقليدية لا تكشف بالضرورة ما يحدث داخل المصانع، بينما اعتمدت الدراسة الجديدة على بيانات أحدث من مصانع في بنجلاديش.

ولا يقتصر الهدر على مراحل التصنيع وحدها، إذ تنتج المصانع أحيانًا كميات إضافية من القماش والملابس تحسبًا لرفض جزء من الإنتاج خلال عمليات فحص الجودة، حتى لا ينتهي الأمر بشحنة أقل من الكمية التي طلبتها العلامة التجارية.

وقد يتحول الإنتاج الزائد إلى مخزون فائض لا يجد طريقه إلى المستهلك.

رحلة قميص قطني حول العالم تكشف أين يضيع القطن قبل أن يصبح ملابس
رحلة قميص قطني حول العالم تكشف أين يضيع القطن قبل أن يصبح ملابس

وقال رفيب أحمد، الذي قاد الدراسة خلال دراسته للماجستير في NTNU ويعمل حاليًا باحثًا في SINTEF Industry، إن النقاش العام يركز عادةً على الملابس التي يتخلص منها المستهلكون، بينما تبدأ المشكلة البيئية في مرحلة أبكر بكثير.

وبعد وصول القميص إلى خزانة المستهلك، تستمر الخسائر أيضًا.

وتشير الدراسة إلى أن نحو 60% من المنسوجات المستعملة في النرويج تذهب مباشرة إلى النفايات المنزلية المختلطة، حيث تُحرق لاستعادة الطاقة، بينما تُجمع نسبة 40% بشكل منفصل عبر الجمعيات والجهات المتخصصة.

ولا يبقى داخل النرويج من الملابس التي تُجمع بشكل منفصل سوى نحو 1 إلى 3%، بينما يُصدّر الجزء الأكبر، خصوصًا إلى أوروبا الشرقية، لعمليات الفرز.

وفي نموذج الدراسة، تؤدي عمليات الفرز إلى استبعاد جزء من الملابس، بينما تتسبب عملية تمزيق الأقمشة في فقدان نحو خمس الكمية المتبقية.

وتواجه إعادة تدوير القطن ميكانيكيًا مشكلة أخرى، تتمثل في أن الألياف تصبح أقصر وأضعف في كل دورة إعادة تدوير.

وفي النهاية، تمكن النموذج من استعادة نحو 33 جرامًا من الألياف من القميص، لكنها لم تكن كافية لإنتاج قميص جديد بمفردها.

وكان لا بد من خلط القطن المعاد تدويره بقطن جديد بنسبة تقارب جزءًا واحدًا من القطن المعاد تدويره إلى خمسة أجزاء من القطن البكر قبل غزل الخيوط.

ويشير الباحثون إلى أن القميص الأبيض القطني البسيط يعد من أسهل أنواع الملابس نسبيًا لإعادة التدوير، لأنه لا يحتوي على سحابات أو طبعات أو ألياف بوليستر ممزوجة بالقطن.

ومع ذلك، لم يكن رفع معدلات جمع الملابس المستعملة هو الحل الأكثر تأثيرًا في النموذج.

فعندما رفع الباحثون نسبة الملابس التي يجري جمعها من 40% إلى 90%، ارتفع معدل استرداد الألياف إلى نحو 37%، لكن التأثير على البصمة المناخية لم يتجاوز نحو 2%.

في المقابل، أدى تقليل الهدر داخل المصانع إلى نتائج أكبر بكثير.

ففي سيناريو خفض خسائر الإنتاج إلى مستويات تسجلها بعض المصانع في بنجلاديش، انخفضت الحاجة إلى القطن الخام بنسبة 23%، بينما تراجع التأثير المناخي بنحو 10%، وانخفضت مؤشرات استخدام المياه والأراضي وتلوث المياه العذبة بنسب تراوحت بين 20 و25%.

وفي سيناريو آخر، أدى إعادة تدوير مخلفات المصانع نفسها إلى رفع معدل استرداد الألياف إلى نحو 44%.

وقال يوهان بيرج بيترسن، الأستاذ المشارك في برنامج علم البيئة الصناعية بجامعة NTNU والمؤلف المراسل للدراسة، إن تحسين كفاءة الإنتاج يمكن أن يحقق فوائد بيئية كبيرة.

أما كريستينا ميسكرز، الباحثة الرئيسية في SINTEF والمؤلفة المشاركة، فأكدت أن الإجراءات التي تبدأ بعد التخلص من الملابس لن تكون كافية لتحقيق أهداف إعادة تدوير المنسوجات في الاتحاد الأوروبي، مشيرة إلى ضرورة نقل جزء أكبر من الجهود إلى المراحل الأولى من سلسلة القيمة.

حقل قطن واسع مع عمال زراعة في خلفية تعكس تأثير ارتفاع تكاليف الإنتاج عالميًا
أن 44% من القطن المستخدم في تصنيع قميص قطني بسيط يهدر قبل أن يتحول إلى ملابس أصلًا

وتتزامن نتائج الدراسة مع تشديد السياسات الأوروبية المتعلقة بالمنسوجات، إذ أصبحت متطلبات الجمع المنفصل للمنسوجات مطبقة منذ يناير 2025، كما تتجه اللوائح الأوروبية إلى جعل المنسوجات المباعة في الأسواق الأوروبية قابلة لإعادة التدوير بدرجة كبيرة بحلول عام 2030.

لكن الدراسة تكشف فجوة مهمة في هذا المسار، وهي أن التركيز على الملابس بعد استخدامها لا يعالج بالضرورة الهدر الكبير الذي يحدث داخل المصنع قبل أن تصل الملابس إلى المستهلك.

كما أن نسبة 17% التي توصل إليها الباحثون باعتبارها سقفًا لاستعادة الألياف تمثل حدًا أعلى في النموذج، وليست معدلًا مضمونًا يمكن تحقيقه في جميع الحالات.

فالنموذج افترض أن كل قميص يتم جمعه ويمر من الفرز يذهب مباشرة إلى التقطيع وإعادة التدوير، بينما قد يُعاد بيع جزء من الملابس أو إصلاحه وإعادة استخدامه بدلًا من تحويله إلى ألياف.

كما افترضت الدراسة استبدال القطن المعاد تدويره بقطن جديد بنسبة واحد إلى واحد في بعض الحسابات، وهي تبسيطات أقر بها الباحثون، خصوصًا أن الألياف المعاد تدويرها ميكانيكيًا أقصر وأضعف، وأن مصانع الغزل لا تستطيع حاليًا تحمل سوى نسبة محدودة منها في بعض أنواع الخيوط.

وتبقى مخلفات مصانع الملابس في بنجلاديش مشكلة أخرى غير واضحة بالكامل، إذ تشير الدراسة إلى أن المصانع ليست ملزمة قانونيًا بفرز أو إعادة تدوير مخلفات القص، بينما تتحرك نسبة كبيرة من هذه المخلفات عبر سوق غير رسمي يصعب تتبع مصيرها.

وأظهرت اختبارات الحساسية التي أجراها الباحثون أن القميص الواحد قد يحتاج، وفق معدلات الهدر المستخدمة في الحسابات، إلى ما بين 158 و265 جرامًا من القطن الخام، بينما ظلت مخلفات الإنتاج أكبر مصدر منفرد لفقدان المادة في مختلف السيناريوهات.

وتوصلت الدراسة، المنشورة في Journal of Circular Economy، إلى نتيجة تتجاوز قضية إعادة تدوير قميص واحد: أكبر فرصة لتقليل الأثر البيئي لصناعة الملابس قد تكون في المصنع نفسه، وليس فقط في نهاية عمر المنتج.

فخفض الفاقد من القطن داخل مصانع الغزل والنسيج يعني تقليل الحاجة إلى زراعة ونقل ومعالجة كميات إضافية من القطن، وبالتالي تقليل استهلاك المياه والطاقة والأراضي والانبعاثات المرتبطة بها.

وتوضح رحلة القميص أن الاستدامة في صناعة الأزياء لا تبدأ من صندوق التبرعات، ولا تنتهي عند مصنع إعادة التدوير، وإنما تبدأ من السؤال الأول: كمية المادة الخام التي نحتاج إليها لصناعة قطعة الملابس، وكم منها سيضيع قبل أن يرتديها أحد؟

من خزانتك إلى مكبات بعيدة.. كيف تتحول تبرعات الملابس إلى نفايات؟
تتبعت الدراسة قميصًا أبيض واحدًا في نموذج يحاكي دورة حياته الكاملة، بدءًا من تصنيع الملابس في بنجلاديش، مرورًا بشحنها إلى النرويج وارتدائها

وبالنسبة لصناعة الأزياء، فإن تقليل الهدر من المنبع، وتحسين كفاءة المصانع، وإعادة استخدام مخلفات الإنتاج، وتصميم الملابس لتكون أكثر قابلية للإصلاح وإعادة الاستخدام والتدوير، قد يكون أكثر تأثيرًا من الاعتماد على إعادة التدوير في نهاية دورة حياة المنتج وحدها.

فالقميص الأبيض البسيط الذي يبدو قطعة ملابس عادية في خزانة المستهلك، قد يكون وراءه في الواقع رحلة عالمية طويلة من القطن والمياه والطاقة والنقل والانبعاثات والهدر، تبدأ قبل أن يصل إلى المتجر بوقت طويل.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة