من التسميد إلى “الحرق المائي”.. كيف تتغير طرق التعامل مع الموت لمواجهة تغير المناخ؟
البصمة الكربونية للجنازات.. دراسة تكشف العوامل الأكثر تأثيرًا في البيئة
يتزايد الاهتمام عالميًا بالبحث عن بدائل أكثر استدامة للدفن التقليدي، في ظل المخاوف المتصاعدة بشأن البصمة البيئية لصناعة الجنازات، ونقص المساحات المخصصة للمقابر في عدد من الدول، إلا أن دراسة حديثة تشير إلى أن تقييم الأثر البيئي لهذه البدائل يتطلب النظر إلى منظومة الجنازة بالكامل، وليس إلى طريقة التعامل مع الجثمان فقط.
وأوضحت الدراسة أن الدفن التقليدي يستهلك كميات كبيرة من الموارد الطبيعية. ففي الولايات المتحدة، تُقطع سنويًا غابات بمساحة تقارب مساحة ولاية هاواي لتصنيع التوابيت، كما يُستخدم نحو 1.6 مليون طن من الأسمنت في إنشاء القبور، في حين تعادل الانبعاثات الناتجة عن عملية حرق جثمان واحد الكربون المنبعث من قيادة سيارة لمسافة تزيد على 3300 كيلومتر.
بدائل جديدة للدفن
وتناولت الدراسة عددًا من البدائل الحديثة، أبرزها التحلل العضوي الطبيعي، المعروف أيضًا باسم تحويل الجثمان إلى تربة (Human Composting)، حيث يوضع الجثمان داخل حاوية مغلقة مع مواد عضوية مثل القش ونشارة الخشب، لتقوم الكائنات الدقيقة بتحليله وتحويله تدريجيًا إلى تربة خلال فترة زمنية محددة.
كما تناولت الحرق المائي (Alkaline Hydrolysis)، الذي يعتمد على معالجة الجثمان باستخدام الماء الساخن ومحلول قلوي عند درجات حرارة مرتفعة، قبل تجفيف البقايا وتحويلها إلى مسحوق يُسلَّم لذوي المتوفى داخل وعاء مخصص، وهي تقنية بدأت اسكتلندا تطبيقها عام 2026، بينما تناقش دول أخرى اعتمادها ضمن الخيارات القانونية.
أي الطرق أكثر استدامة؟
ورغم أن هذه التقنيات تُسوَّق باعتبارها أكثر صداقة للبيئة، تؤكد الدراسة أن المقارنة ليست بهذه البساطة، إذ يتوقف الأثر البيئي على مجموعة واسعة من العوامل، تشمل وسائل نقل الجثمان والمشيعين، ونوعية التابوت، واستخدام مواد التحنيط، والزهور، واستهلاك الطاقة، فضلًا عن ظروف تشغيل منشآت الدفن أو الحرق.
وأشارت الدراسة إلى أن عمليات النقل تمثل في كثير من الأحيان أكبر مصدر للانبعاثات الكربونية المرتبطة بالجنازات، وهو ما يعني أن تنظيم مراسم أقرب إلى مكان إقامة المتوفى أو أسرته قد يكون أكثر تأثيرًا في تقليل البصمة البيئية من تغيير طريقة الدفن نفسها.
نتائج مفاجئة
واستعرضت الدراسة نتائج بحث أجرته جامعة لينيوس في السويد عام 2023، قارن بين الدفن التقليدي، والحرق، والتحلل العضوي، وأظهرت النتائج أن الطرق الثلاث تحقق مستويات متقاربة نسبيًا من الأثر البيئي.
كما بينت النتائج أن حرق الجثامين قد يصبح الخيار الأكثر استدامة عندما تُستغل الحرارة الناتجة عن المحارق في تدفئة المباني عبر شبكات التدفئة المركزية، وهو نظام مطبق في عدد من الدول الأوروبية.
الثقافة والدين عاملان حاسمان
وأكد الباحثون أن أساليب التعامل مع الموتى لا تحددها الاعتبارات البيئية وحدها، بل تتأثر أيضًا بالمعتقدات الدينية والقيم الثقافية والاجتماعية، وهو ما يفسر اختلاف ممارسات الدفن بين المجتمعات.
وأشاروا إلى أن بعض الأساليب التي تُعد منخفضة الأثر البيئي، مثل الدفن السماوي المستخدم في مناطق من التبت، تبقى غير مقبولة في معظم المجتمعات الحديثة لأسباب دينية وثقافية وإنسانية.
كما استعرضت الدراسة تجربة سويدية سابقة حاولت تطبيق تقنية التجميد ثم التجفيف (Cryomation)، إلا أنها لم تُنفذ عمليًا، ما أدى إلى بقاء بعض الجثامين مجمدة لأكثر من عشر سنوات قبل دفنها بالطريقة التقليدية، وهو ما تسبب في استهلاك إضافي للطاقة وأضعف الجدوى البيئية للفكرة.
بين البيئة وكرامة الإنسان
وخلصت الدراسة إلى أن اختيار الطريقة الأكثر استدامة لا يتعلق بالتكنولوجيا وحدها، بل يتطلب تحقيق توازن بين حماية البيئة، واحترام المعتقدات الدينية والثقافية، وصون كرامة الإنسان بعد الوفاة، مؤكدة أن أي تحول نحو خيارات أكثر استدامة سيعتمد على الابتكار التقني، إلى جانب استعداد المجتمعات لإعادة التفكير في مفهوم مراسم الوداع بما يتوافق مع القيم الإنسانية والاعتبارات البيئية.





