دراسة تحذر: إنقاذ غابات عشب البحر لا يواكب الخسائر التي يفرضها الاحترار العالمي
62 مليون فدان مهددة بالاختفاء.. استعادة عشب البحر تصطدم بتسارع تغير المناخ
رغم سنوات من الجهود الرامية إلى استعادة غابات عشب البحر البحري «Kelp» حول العالم، تكشف تقديرات جديدة أن حجم ما تستعيده مشروعات الترميم لا يقترب من حجم الخسائر التي يتسبب فيها تغير المناخ.
ووفق تحليل أعده أربعة علماء بحريين بقيادة كارين فيلبي-ديكستر من جامعة أستراليا الغربية، فإن الكربون الذي يمكن استعادته من خلال مشروعات إصلاح غابات عشب البحر يتضاءل أمام الكميات التي قد تضيع نتيجة الاحترار المستمر للمحيطات.
ونُشرت الدراسة في دورية PLOS Biology، ويقدر الباحثون أن الخسائر المناخية للكربون المرتبط بغابات عشب البحر تتجاوز المكاسب الناتجة عن جهود الاستعادة بنحو 1000 إلى 10 آلاف مرة.
ولا يعني ذلك أن استعادة هذه الغابات غير مجدية، بل على العكس، إذ يرى الباحثون أنها ضرورية للتنوع البيولوجي وصحة النظم الساحلية، لكنهم يحذرون من التعامل معها باعتبارها حلًا قادرًا بمفرده على تعويض الخسائر الناتجة عن تغير المناخ.
60 % من غابات عشب البحر تراجعتيُعد عشب البحر من أكثر أنواع الطحالب البحرية انتشارًا وإنتاجية على كوكب الأرض، وتوفر غاباته موائل مهمة لعدد كبير من الكائنات البحرية، كما تسهم في تنظيم النظم البيئية الساحلية.
لكن نحو 60% من غابات عشب البحر حول العالم شهدت تراجعًا خلال العقود الأخيرة، في حين زادت مساحة نحو 5% منها.
وتشير أفضل التقديرات المتاحة إلى أن المساحة العالمية لغابات عشب البحر تتراجع بمعدل يقارب 1.8% سنويًا.
ومن إجمالي مساحة عالمية تقدر بنحو 247,600 ميل مربع، أي 641,224 كيلومترًا مربعًا، يعني ذلك فقدان نحو 4,460 ميلًا مربعًا، أو 11,542 كيلومترًا مربعًا، كل عام.
وتضع الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ IPCC غابات عشب البحر ضمن أكثر النظم البيئية البحرية تعرضًا للخطر، في مرتبة تأتي بعد الشعاب المرجانية.

ماذا استعادت مشروعات الترميم؟
قارن الباحثون حجم الخسائر العالمية بما تم استعادته فعليًا من خلال مشروعات إصلاح غابات عشب البحر المسجلة لدى Kelp Forest Alliance.
ومنذ عام 1958، أعادت مشروعات الاستعادة المسجلة نحو 10,400 فدان، أو 4,200 هكتار، من غابات عشب البحر البرية.
وتعادل هذه المساحة تقريبًا 7,800 ملعب كرة قدم، لكن الباحثين يصفون هذا الرقم نفسه بأنه تقدير متفائل.
وعند إسقاط معدلات الخسارة الحالية على المستقبل، يقدر الباحثون أن العالم قد يفقد نحو 62 مليون فدان، أو 25 مليون هكتار، من غابات عشب البحر بحلول عام 2050، وهي مساحة تقارب مساحة ولاية أوريغون الأمريكية.
وبحسب المقارنة التي أجراها الفريق، فإن المساحة التي يمكن أن تختفي بحلول 2050 تعادل نحو 6,108 أضعاف المساحة التي جرى استعادتها حتى الآن.
وتقول فيلبي-ديكستر، التي تعمل أيضًا على مشروعات لاستعادة عشب البحر في أستراليا والنرويج، إن اتساع الفجوة بين الخسائر والاستعادة لم يكن مفاجئًا بالنسبة لها، لكن حجم الخسارة المناخية لا يزال صادمًا.
عندما تموت غابات عشب البحر.. ماذا يحدث للكربون؟

لا تكمن أهمية غابات عشب البحر في التنوع البيولوجي وحده، فالطحالب البحرية تمتص نحو مليار طن من الكربون سنويًا أثناء نموها.
وجزء من هذه المادة العضوية لا يبقى في المياه الساحلية، إذ يمكن لقطع من الطحالب أن تنفصل وتتحرك بعيدًا عن الساحل، ثم تعبر الجرف القاري وتصل إلى أعماق المحيط، حيث يمكن أن يبقى الكربون معزولًا عن الغلاف الجوي لعقود أو حتى قرون.
كما تنتج الطحالب الحية والمتحللة كربونًا مذابًا، ويمكن لجزء منه أن يقاوم التحلل لفترات تصل إلى آلاف السنين.
لكن عندما تنهار الغابة البحرية، يتغير مسار الكربون، فغابات عشب البحر تنمو في مياه ضحلة جيدة الخلط، حيث يكون تبادل الغازات بين المحيط والغلاف الجوي سريعًا نسبيًا.
ويقدر الباحثون أن نحو نصف الكربون الموجود في أنسجة عشب البحر قد يصل إلى الغلاف الجوي بعد موت الغابة بدلًا من انتقاله إلى مخازن عميقة طويلة الأجل.
وفي الوقت نفسه، قد تحل محل الغابة مناطق من الطحالب القاعية القصيرة أو مناطق صخرية جرداء تسيطر عليها قنافذ البحر.
وهذه البيئات إما تخزن كميات أقل من الكربون أو يمكن أن ترتبط بإطلاق ثاني أكسيد الكربون.
الاحترار لا يحتاج إلى قتل الغابة بالكامل
ولا يشترط أن يؤدي ارتفاع درجة حرارة المياه إلى موت عشب البحر بالكامل حتى تبدأ خسائره المناخية.
فعندما يقترب عشب البحر من الحد الحراري الذي يستطيع تحمله، يمكن أن يتباطأ نموه، ما يعني انخفاض كمية الكربون التي يمتصها.
وفي الوقت نفسه، يؤدي ارتفاع الحرارة إلى تسريع بعض عمليات الرعي والتحلل، ما يقلل كمية الكربون التي يمكن أن تصل في النهاية إلى المياه العميقة.
وفي أستراليا الغربية، تشير التقديرات إلى أن ارتفاع درجة حرارة المياه بمقدار 5 درجات مئوية قد يؤدي إلى خفض تصدير الكربون المرتبط بعشب البحر بنسبة 37%.
ويعادل ذلك نحو 400 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، وهنا تظهر مشكلة أساسية: حتى إذا نجحت مشروعات استعادة الغابات المحلية، فإن استمرار ارتفاع حرارة المحيط قد يدفع هذه الغابات إلى الانهيار من جديد.
هل يمكن لمزارع الأعشاب البحرية تعويض الخسائر؟

يُطرح أحيانًا استزراع الأعشاب البحرية كوسيلة أخرى لإزالة الكربون، فزراعة الطحالب تمتص ثاني أكسيد الكربون المذاب من المياه أثناء نموها، ويمكن أن يصل جزء من الكربون الناتج إلى الرواسب الموجودة أسفل المزرعة.
لكن التحليل يشير إلى فجوة كبيرة بين الكربون الذي يُدفن والكربون الناتج عن عمليات الاستزراع نفسها.
فمتوسط الانبعاثات المرتبطة بالاستزراع يبلغ نحو 93 كيلوجرامًا من ثاني أكسيد الكربون لكل طن من الأعشاب البحرية المنتجة، مقابل متوسط دفن يبلغ نحو 7 كيلوجرامات فقط من الكربون لكل طن.
وفي تقييم شمل 11 مزرعة تتوفر عنها بيانات بشأن دفن الكربون، ألغت الانبعاثات المرتبطة بالإنتاج فوائد الكربون المدفون في 9 مزارع.
كما أن حجم القطاع العالمي لا يزال محدودًا مقارنة بحجم الخسارة المناخية، فإجمالي مساحة مزارع الأعشاب البحرية حول العالم يقدر بنحو 1,540 ميلًا مربعًا، أي نحو 4,000 كيلومتر مربع.
وهذه المساحة تعادل تقريبًا ربع مساحة الأعشاب البحرية التي يمكن أن يفقدها تغير المناخ في عام واحد وفق التقديرات المستخدمة في الدراسة.
ومع ذلك، لا يرى الباحثون أن استزراع الأعشاب البحرية بلا قيمة، فهو يمكن أن يوفر الغذاء والمواد الخام بتكلفة بيئية منخفضة نسبيًا، لكنهم يحذرون من احتسابه تلقائيًا كوسيلة لإزالة الكربون من الغلاف الجوي.
حماية الغابة أرخص بكثير من إصلاحها

تكشف تجارب الاستعادة أن إعادة غابات عشب البحر بعد انهيارها عملية طويلة ومكلفة، وفي واحدة من أكبر عمليات الاستعادة الموثقة في شمال النرويج، عمل فريق على القضاء على قنافذ البحر في مساحة بلغت 173 فدانًا، أو 70 هكتارًا، باستخدام الجير الحي على مدى أربع سنوات.
وفي خليج سانتا مونيكا بولاية كاليفورنيا، أمضى متطوعون 12 عامًا في إزالة نحو 6 ملايين قنفذ بحر من مساحة بلغت 79 فدانًا، أو 32 هكتارًا.
وتكشف مقارنة التكلفة فارقًا أكثر وضوحًا، فتكلفة استعادة هكتار واحد من غابات عشب البحر قد تتراوح بين 10 آلاف و707 آلاف دولار.
في المقابل، تتراوح تكلفة حماية المساحة نفسها داخل محمية بحرية مُدارة ومطبقة القواعد بين 650 و1,300 دولار فقط.
ومع ذلك، لا توجد سوى أقل من 2% من غابات عشب البحر العالمية داخل مناطق محمية بالكامل.
وهذا يجعل الوقاية، وفق الباحثين، أكثر كفاءة اقتصاديًا وبيئيًا من انتظار انهيار الغابة ثم محاولة إعادتها.
حماية الغابات الموجودة قد تكون أهم من إعادة المفقود

تظهر تجارب أخرى أهمية التعامل مع السبب الذي يؤدي إلى انهيار الغابات قبل أن يصبح من الصعب عكسه.
ففي تسمانيا، أغلقت فرق بحثية مناطق معينة أمام الصيد ونقلت إليها نحو 1000 جراد بحر كبير لكل منطقة للمساعدة في السيطرة على قنافذ البحر التي تتغذى على عشب البحر.
وبعد 12 عامًا، بقيت المناطق التي كان فيها الانهيار قد قطع شوطًا طويلًا خالية من عشب البحر تقريبًا، رغم الجهود المبذولة.
أما في المناطق التي كان الرعي المفرط فيها قد بدأ حديثًا، فقد نجحت الاستراتيجية نفسها في استعادة النظام البيئي.
وتوضح هذه النتيجة أهمية التدخل المبكر قبل أن يتحول النظام البحري إلى حالة يصعب معها استعادة الغابة.
لا ينبغي ترك الغابات السليمة تنتظر الكارثة
ترى فيلبي-ديكستر أن المجتمعات الساحلية التي تدرس تنفيذ مشروع لاستعادة عشب البحر يجب ألا تنظر فقط إلى الأماكن التي اختفت منها الغابات.
فالتركيز على المناطق المتدهورة مفهوم، لأن المجتمعات تريد استعادة ما فقدته بالفعل، لكن هذا قد يجعلها تتجاهل المساحات الكبيرة التي لا تزال سليمة وتوفر بالفعل فوائد مناخية وبيئية مهمة.
ولهذا يجب أن تبدأ الإدارة الساحلية أيضًا بسؤال مختلف: ما مدى تعرض غابات عشب البحر الموجودة حاليًا للخطر؟
فإذا كانت الغابة السليمة معرضة لارتفاع الحرارة أو الصيد الجائر أو الضغوط البيئية الأخرى، فإن حمايتها قد تكون أكثر فعالية وأقل تكلفة من انتظار انهيارها ثم محاولة إعادة بنائها.
أكبر سؤال لا يزال بلا إجابة

رغم كل هذه الأرقام، هناك جانب أساسي من دورة الكربون المرتبطة بعشب البحر لا يزال غير مفهوم بصورة كافية.
وهو الكربون المذاب، ففي بعض المناطق، قد يمثل هذا المسار أكثر من 95% من الكربون الذي تحتفظ به الأعشاب البحرية بعيدًا عن الغلاف الجوي.
لكن العلماء لا يعرفون بعد بصورة كافية ماذا يحدث لهذا المسار عندما تتعرض غابات عشب البحر للانهيار بسبب تغير المناخ.
وهل يتحول جزء كبير من الكربون المذاب إلى مصدر للانبعاثات؟
أم يبقى جزء منه معزولًا في المحيط لفترات طويلة؟
تحتاج الإجابة إلى قياسات طويلة الأمد في مناطق ساحلية لا تزال تعاني نقصًا في الرصد.
ولهذا يدعو الباحثون إلى تغيير السؤال من: كمية الكربون التي يمكننا إزالتها باستخدام الأعشاب البحرية؟
إلى: كمية الكربون التي يمكننا منع إطلاقها عندما نحمي هذه النظم البيئية من الانهيار؟
استعادة الطبيعة لا تعني أن الاستعادة وحدها تكفي
يحذر الباحثون أيضًا من التعامل مع تقديراتهم باعتبارها أرقامًا نهائية.
فمساحات واسعة من السواحل لم تُرسم خرائطها بحثًا عن غابات عشب البحر، كما أن برامج المراقبة طويلة الأمد لا تزال محدودة في كثير من المناطق.
وقد تكون تقديرات مساحة الغابات التي جرى استعادتها أعلى من الواقع، لأن الغابة المعاد تأهيلها تحتاج إلى سنوات قبل أن تصل إلى كامل قدرتها على امتصاص الكربون، بينما لا تستمر بعض مشروعات الاستعادة لفترة كافية تسمح بقياس استدامة النتائج.
لذلك فإن تحسين التقديرات يحتاج إلى مراقبة طويلة الأمد للسواحل، إلى جانب تتبع ما يحدث للكربون عندما تتراجع الغابات أو تنهار.
لكن الرسالة الأساسية للدراسة تظل واضحة: استعادة غابات عشب البحر مهمة، لكنها ليست بديلًا عن حماية الغابات الموجودة ولا عن خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.
فإذا استمر ارتفاع حرارة المحيطات بالمعدل الحالي، ستظل الخسائر المناخية أسرع بكثير من قدرة البشر على إعادة بناء هذه النظم البيئية.





