أخبارالتنمية المستدامةالتنوع البيولوجي

بكتيريا لا تتجاوز 4% من التربة قد تكون مفتاح استقرار النظام الميكروبي

ليست الأكثر انتشارًا.. بكتيريا نادرة تحافظ على استقرار مجتمعات التربة

قد تبدو البكتيريا الأكثر انتشارًا في التربة هي الأهم، لكن دراسة جديدة تكشف مفارقة لافتة؛ إذ أظهرت أن أنواعًا نادرة من البكتيريا، لا تمثل سوى نحو 4% من إجمالي البكتيريا المكتشفة، كانت الأكثر ارتباطًا باستقرار المجتمع الميكروبي في التربة.

وفي المقابل، لعبت مجموعة صغيرة جدًا من البكتيريا واسعة الانتشار دورًا مختلفًا، تمثل في المساعدة على تنظيم شبكة العلاقات بين الكائنات الدقيقة داخل التربة.

وتشير النتائج إلى أن مدى انتشار الكائن الميكروبي أو وفرة وجوده لا يكفي وحده للحكم على أهميته بالنسبة إلى النظام البيئي.

بكتيريا نادرة تحافظ على استقرار مجتمعات التربة
بكتيريا نادرة تحافظ على استقرار مجتمعات التربة

دراسة على 117 عينة من تربة هضبة اللوس

أجرى الباحثون من جامعة نورث ويست للزراعة والغابات في مقاطعة شنشي الصينية تحليلًا لـ117 عينة من التربة، جُمعت من مناطق مختلفة شملت الغابات والأراضي الشجيرية والمراعي في هضبة اللوس الصينية.

ونُشرت الدراسة الكاملة في مجلة Agricultural Ecology and Environment.

وصنّف الفريق أنواع البكتيريا الموجودة في كل عينة وفقًا لمدى وفرتها وانتشارها بين المواقع المختلفة.

لكن الباحثين يؤكدون أن الدراسة تمثل لقطة زمنية لمنطقة جغرافية واحدة، وليست تجربة ميدانية تراقب كيفية تعافي التربة بعد تعرضها للجفاف أو اضطراب بيئي آخر.

كما أن استنتاجات الاستقرار اعتمدت على دراسة الأنماط التي ترتفع وتنخفض فيها أعداد البكتيريا معًا، وليس على اختبار قدرة التربة فعليًا على التعافي بعد حدوث اضطراب.

معظم الأنواع البكتيرية كانت نادرة للغاية

استخلص الباحثون الحمض النووي من كل عينة، ثم حللوا جينًا مشتركًا لدى البكتيريا لتحديد الأنواع الموجودة وقياس وفرتها النسبية.

وأظهرت النتائج أن نصف الأنواع البكتيرية المكتشفة تقريبًا كانت نادرة للغاية، بحيث شكل كل نوع منها أقل من بكتيريا واحدة لكل 100 ألف بكتيريا.

وعند جمع هذه الأنواع النادرة معًا، شكلت نحو 4% فقط من إجمالي البكتيريا المكتشفة.

في المقابل، كان أقل من نوع واحد من كل 100 نوع شائعًا بما يكفي لتجاوز نسبة بكتيريا واحدة لكل ألف بكتيريا، لكن هذه المجموعة الصغيرة كانت تمثل نحو 31% من إجمالي البكتيريا، أما المجموعة واسعة الانتشار، فكانت أصغر من ذلك بكثير.

فقد شكلت الأنواع التي ظهرت في 80% على الأقل من عينات التربة البالغ عددها 117 عينة نحو 0.34% فقط من إجمالي الأنواع، لكنها كانت تمثل في المتوسط نحو 21% من البكتيريا الموجودة في أي عينة منفردة.

وتتفق هذه الصورة مع نتائج مسح سابق نُشر عام 2018 وشمل تربًا من ست قارات، ووجد أن نحو 2% فقط من أنواع البكتيريا كانت تمثل قرابة نصف البكتيريا الموجودة في التربة عالميًا.

مجموعة صغيرة تنظم شبكة العلاقات الميكروبية

بعد تحديد الأنواع الموجودة، رسم الباحثون خريطة للعلاقات بينها عبر العينات المختلفة.

فإذا ارتفع وجود نوعين من البكتيريا وانخفض معًا عبر المواقع، اعتبر الباحثون بينهما ارتباطًا، كما سجلوا أيضًا العلاقات التي يرتفع فيها نوع عندما ينخفض الآخر، وضمت الشبكة النهائية 9990 نوعًا بكتيريًا و194 ألفًا و63 علاقة بينها.

وأظهرت النتائج أن الأنواع الشائعة وواسعة الانتشار امتلكت عددًا أكبر من الروابط مع الأنواع الأخرى، كما كانت مساراتها أقصر للوصول إلى بقية أجزاء الشبكة.

أما الأنواع النادرة، وعددها 3560 نوعًا، فكانت ترتبط بصورة أساسية ببعضها وبالأنواع متوسطة الوفرة، ولم تُسجل سوى 15 علاقة مباشرة بين نوع شائع ونوع نادر.

وعندما بحث الفريق في العوامل التي يمكن أن تتنبأ بدرجة تعقيد شبكة البكتيريا في كل تربة، وجد أن تركيب المجموعة البكتيرية واسعة الانتشار كان الأكثر ارتباطًا بهذا التعقيد.

وبصورة عامة، ارتبطت الشبكات الميكروبية الأكثر كثافة بمؤشرات أعلى للاستقرار، إلى درجة أن أحد المؤشرين فسر نحو نصف التباين في المؤشر الآخر.

بكتيريا نادرة تحافظ على استقرار مجتمعات التربة
بكتيريا نادرة تحافظ على استقرار مجتمعات التربة

البكتيريا النادرة ترتبط بقوة أكبر باستقرار التربة

استخدم الباحثون مفهومًا للاستقرار يعتمد على التوازن بين أزواج من البكتيريا التي تتحرك وفرتها في الاتجاه نفسه، وأزواج أخرى تتحرك في اتجاهين متعاكسين.

وفسر الباحثون ارتفاع نسبة العلاقات المتعاكسة باعتباره مؤشرًا على التوازن بين المنافسة والتعاون داخل المجتمع الميكروبي، وهو نمط يُعتقد أنه قد يساعد المجتمع على مقاومة الاضطرابات.

وبهذا المقياس، كانت البكتيريا النادرة المجموعة الأكثر ارتباطًا بالاستقرار.

أما المجموعة واسعة الانتشار، فكان تأثيرها على الاستقرار غير مباشر، من خلال الدور الذي تؤديه في تنظيم تعقيد الشبكة الميكروبية.

وأعطت طريقة تحليل أخرى، تهدف إلى تحديد العوامل الأكثر أهمية، النتيجة نفسها تقريبًا؛ إذ ارتبط الاستقرار بصورة أساسية بتركيب المجتمع البكتيري، وكانت البكتيريا النادرة هي الأكثر ارتباطًا بهذا المؤشر، بينما ارتبط تعقيد الشبكة بصورة أكبر بخصائص التربة والمناخ.

بكتيريا نادرة تحافظ على استقرار مجتمعات التربة
بكتيريا نادرة تحافظ على استقرار مجتمعات التربة

لماذا قد تكون البكتيريا النادرة مهمة؟

يطرح الباحثون تفسيرًا يعتمد على التنوع الوظيفي، فوجود عدد كبير من الأنواع البكتيرية النادرة يعني أن بعض الوظائف داخل النظام البيئي قد تكون قادرة على الاستمرار حتى إذا اختفى عدد من الأنواع.

وبمعنى آخر، قد تؤدي أنواع مختلفة وظائف متشابهة أو متداخلة، ما يمنح المجتمع الميكروبي قدرًا من القدرة على الاستمرار أمام فقدان بعض أفراده.

وتدعم تجربة سابقة نُشرت عام 2020 هذا الاتجاه من زاوية مختلفة؛ إذ وجدت أن البكتيريا النادرة في عينات التربة ظلت أكثر استقرارًا من الأنواع الشائعة عند نقل التربة بين ظروف مناخية مختلفة.

ويقول شينج وانج، أحد الباحثين المشاركين في إعداد الدراسة، إن البكتيريا الأساسية أو واسعة الانتشار تساعد في تنظيم تعقيد الشبكة الميكروبية، بينما تقدم البكتيريا النادرة مساهمة مهمة بصورة خاصة في استقرارها.

بكتيريا نادرة تحافظ على استقرار مجتمعات التربة

المناخ يحدد البكتيريا المنتشرة

لم يتوقف الباحثون عند دراسة الاستقرار، بل بحثوا أيضًا في مدى تأثير البيئة على توزيع المجموعات البكتيرية.

وكان التوقع الأولي أن البيئة ستفرض اختيارًا أكبر على الأنواع النادرة، لأنها غالبًا ما تكون ذات احتياجات بيئية أكثر تخصصًا، بينما ستكون الأنواع واسعة الانتشار أكثر ارتباطًا بالانتشار العشوائي.

لكن النتائج جاءت مختلفة، فقد بدا أن البيئة كانت أكثر تأثيرًا في تركيب المجموعة البكتيرية واسعة الانتشار، وكلما زاد الاختلاف بين موقعين في الظروف البيئية، أصبح هذا الاختيار البيئي أقوى.

في المقابل، بدا أن المجموعات النادرة والشائعة تأثرت بدرجة أكبر بالعوامل العشوائية، وازدادت أهمية هذه العشوائية مع زيادة المسافة والاختلاف بين المواقع.

المناخ والتربة يعملان بطرق مختلفة

أظهرت النتائج أن المناخ كان العامل الأكثر تأثيرًا في تنظيم المجموعات واسعة الانتشار والشائعة، وذلك عبر مواقع تراوح فيها متوسط هطول الأمطار السنوي بين نحو 365 و911 مليمترًا.

أما الأنواع النادرة، فكانت أكثر ارتباطًا بخصائص التربة نفسها، بما في ذلك درجة الحموضة وتوافر العناصر الغذائية.

وهذا يعني أن تغير الظروف المناخية، مثل ارتفاع درجات الحرارة أو تغير معدلات الجفاف، قد يؤثر في الأجزاء المختلفة من المجتمع الميكروبي بطرق مختلفة؛ فقد يصل تأثيره إلى الأنواع التي تنظم الشبكة من خلال الظروف المناخية، بينما تتأثر الأنواع الأكثر ندرة عبر تغير خصائص التربة.

ما الذي لا تستطيع الدراسة إثباته؟

رغم أهمية النتائج، فإن الدراسة لها حدود واضحة، فجميع العينات جُمعت من الطبقة العليا من التربة بعمق 10 سنتيمترات فقط، ومن هضبة واحدة، وخلال شهر يوليو عام 2016.

كما أن الدراسة لم تختبر بصورة مباشرة ما إذا كان المجتمع الميكروبي سيحافظ بالفعل على وظائفه بعد حدوث اضطراب مثل الجفاف أو موجة حر.

ولا يمكن من هذه النتائج وحدها معرفة ما إذا كانت العلاقة نفسها بين البكتيريا النادرة والاستقرار ستظهر في طبقات التربة الأعمق، أو في فصول مختلفة، أو بعد عام شديد الجفاف.

كما لم يتمكن الباحثون من تحديد ما إذا كانت الأنواع النادرة التي ارتبطت بالاستقرار ستظل مستقرة على مدار العام، أم أنها تتغير مع تغير الفصول.

بكتيريا نادرة تحافظ على استقرار مجتمعات التربة

الخطوة التالية: مراقبة التربة عبر الزمن

يرى الباحثون أن الخطوة التالية تتمثل في توسيع نطاق الدراسة ليشمل طبقات أعمق من التربة، وأخذ عينات متكررة عبر الفصول والسنوات.

وسيساعد ذلك في معرفة ما إذا كانت الأدوار التي رُصدت في عينة جُمعت خلال شهر يوليو تمثل نمطًا مستمرًا على مدار العام، أم أنها مجرد صورة مؤقتة لمجتمع ميكروبي يتغير باستمرار.

وتكشف الدراسة في النهاية أن عالم التربة أكثر تعقيدًا مما قد توحي به أعداد الكائنات الموجودة فيها؛ فالبكتيريا الأكثر عددًا ليست بالضرورة الأكثر ارتباطًا باستقرار المجتمع، بينما يمكن لأنواع نادرة للغاية أن ترتبط بدور مهم في الحفاظ على تماسك النظام الميكروبي.

لكن إثبات أن هذه البكتيريا تسبب الاستقرار، وليس مجرد ارتباطها به، يتطلب تجارب إضافية تراقب التربة فعليًا قبل الاضطرابات وبعدها.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة