الحر الشديد يهدد الحوامل والمواليد.. الأمم المتحدة: تغير المناخ يهدد صحة الأمهات والأطفال.. ولادة مبكرة ووزن منخفض
73 % من المتخصصين يرصدون زيادة مضاعفات الحرارة خلال 5 سنوات.. مخاطر تهدد الأم والجنين
لم تعد موجات الحر الشديد تهدد كبار السن والعمال والأطفال فقط؛ إذ تكشف أدلة صحية متزايدة أن الحمل والولادة أصبحا من المجالات التي تتأثر بصورة مباشرة بتفاقم الحرارة الناتج عن تغير المناخ، مع ارتباط التعرض للحرارة الشديدة بزيادة مخاطر الولادة المبكرة، وانخفاض وزن المواليد، والإملاص، ومضاعفات صحية لدى الأمهات.
وحذر سيمون ستيل، الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، من تصاعد هذه المخاطر خلال فعالية عقدتها مؤسسة Wellcome على هامش الاجتماع الوزاري الرسمي التمهيدي لمؤتمر المناخ COP31 في فيجي، داعيًا إلى التعامل مع حماية الأمهات والمواليد باعتبارها جزءًا من الاستجابة العالمية لأزمة المناخ.
وقال ستيل إن «الحمل والولادة أصبحا خط صدع جديدًا في أزمة المناخ العالمية»، في إشارة إلى أن ارتفاع درجات الحرارة لم يعد قضية بيئية بعيدة عن الحياة اليومية، وإنما أصبح عاملًا يمكن أن ينعكس على أكثر المراحل حساسية في حياة الإنسان.
أرقام تكشف حجم المشكلة
تكشف نتائج مسح عالمي جديد أجرته مؤسسة Wellcome أن تأثير الحرارة الشديدة على صحة الأمهات والمواليد أصبح ملحوظًا داخل أنظمة الرعاية الصحية.
وشمل المسح 1000 من المتخصصين في صحة الحمل والولادة ورعاية ما بعد الولادة وحديثي الولادة في أستراليا والبرازيل والهند والمملكة المتحدة وزيمبابوي.
وأظهرت النتائج أن:
- 73 % من المتخصصين قالوا إنهم لاحظوا زيادة في الحالات المرتبطة بالحرارة خلال السنوات الخمس الماضية.
- 98 % قالوا إنهم قدموا الرعاية لامرأة أو طفل يعتقدون أن صحته تأثرت بالحرارة الشديدة.
- 81 % أعربوا عن قلقهم من أن الحرارة الشديدة ستشكل خطرًا متزايدًا على صحة الأمهات والأجنة والمواليد إذا لم يتم التحرك.
- 92 % طالبوا بمزيد من التدريب والإرشادات والموارد لحماية الحوامل من مخاطر الحرارة.
وهذه الأرقام لا تعني أن كل حالة من المضاعفات سببها الحرارة وحدها، لكنها تعكس تصاعد القلق والخبرة السريرية لدى العاملين في الرعاية الصحية بشأن تأثير التعرض للحرارة على الحمل والمواليد.

ما الذي يمكن أن تفعله الحرارة الشديدة بالحمل؟
توجد أدلة علمية متزايدة تربط التعرض للحرارة أثناء الحمل بعدد من النتائج الصحية السلبية.
وتشمل أبرز المخاطر التي يجري بحثها ورصدها:
الولادة المبكرة، انخفاض وزن المولود، تقييد نمو الجنين، الإملاص، وارتفاع مخاطر بعض مضاعفات الحمل لدى الأم.
وتفسر Wellcome هذه المخاطر في إطار التأثير الفسيولوجي للحرارة على جسم المرأة الحامل والجنين، إذ يتعين على الجسم تنظيم حرارته في الوقت الذي يمر فيه الحمل أصلًا بتغيرات كبيرة في الدورة الدموية والتمثيل الغذائي.
وتشير أبحاث ممولة من المؤسسة إلى أن التعرض للحرارة يمكن أن يؤثر أيضًا في وظيفة المشيمة وإمداد الجنين بالأكسجين والعناصر الغذائية.
وفي دراسة بحثية في غامبيا، وجد الباحثون أن الإجهاد الحراري الإضافي ارتبط بزيادة الضغط الفسيولوجي على الجنين؛ إذ أشارت نتائج الدراسة إلى ارتفاع إجهاد الجنين بنحو 17% لكل زيادة درجة مئوية واحدة في الإجهاد الحراري لدى الحوامل العاملات في ظروف شديدة الحرارة.

الحرارة لا تؤثر على الأم وحدها
من أخطر جوانب القضية أن الحمل ليس حالة صحية تخص المرأة وحدها.
فالحرارة الشديدة يمكن أن تؤثر في البيئة الفسيولوجية التي ينمو فيها الجنين، بينما قد يتعرض المولود بعد الولادة مباشرة لمخاطر أخرى مرتبطة بارتفاع الحرارة والجفاف وصعوبة تنظيم درجة حرارة الجسم.
وتشير Wellcome إلى أن الأطفال حديثي الولادة، إلى جانب الحوامل، من الفئات الأكثر عرضة لتأثيرات الحرارة بسبب محدودية قدرتهم على تنظيم حرارة أجسامهم.
ولهذا فإن حماية الأم من الحرارة لا تنفصل عن حماية الطفل.
الولادة المبكرة.. واحدة من أهم إشارات الخطر
تعد الولادة المبكرة من أكثر النتائج التي تستقطب اهتمام الباحثين في العلاقة بين الحرارة والحمل.
وتشير مراجعة منهجية أُجريت ضمن أبحاث Wellcome إلى وجود ارتباط بين تصاعد التعرض للحرارة وزيادة احتمالات الولادة المبكرة، مع تقدير ارتفاع احتمالات الولادة المبكرة بنحو 26% أثناء موجات الحر في الأدلة التي تناولتها المراجعة.
لكن هذه النسبة يجب قراءتها في سياقها البحثي، ولا تعني أن كل امرأة تتعرض لموجة حر ستتعرض للولادة المبكرة؛ فالخطر يتأثر بعوامل أخرى مثل مدة التعرض، شدة الحرارة، الرطوبة، الحالة الصحية، التغذية، العمل، السكن والقدرة على الوصول إلى التبريد والرعاية الصحية.
انخفاض وزن المواليد وتقييد النمو
من بين النتائج التي أبلغ عنها الأطباء والقابلات المشاركون في المسح ظهور حالات انخفاض وزن المواليد أو تقييد النمو مرتبطة في اعتقادهم بالتعرض للحرارة.
وأفاد نحو ثلث المشاركين بأنهم شاهدوا حالات من انخفاض الوزن أو تقييد النمو، إلى جانب صعوبات التغذية والجفاف أو الأمراض المرتبطة بالحرارة.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة في المناطق التي تتزامن فيها الحرارة المرتفعة مع الفقر أو العمل في الهواء الطلق أو ضعف الوصول إلى المياه والتبريد والرعاية الطبية.

من الأكثر تعرضًا للخطر؟
الخطر المناخي لا يتوزع بالتساوي.
فالمرأة الحامل التي تعمل لساعات طويلة في الحقول أو مواقع العمل المفتوحة، أو تعيش في منزل شديد الحرارة ولا تملك وسيلة فعالة للتبريد، قد تواجه تعرضًا أكبر من امرأة أخرى تستطيع البقاء في مكان بارد والوصول إلى المياه والرعاية الصحية.
وتؤكد Wellcome أن النساء اللواتي لا يستطعن تجنب التعرض للحرارة بسبب ظروف العمل أو المعيشة قد يواجهن مخاطر أكبر.
وهنا يتحول تغير المناخ إلى قضية عدالة صحية واجتماعية أيضًا؛ فالأكثر تعرضًا للخطر ليس بالضرورة من يعيش في أكثر البلدان حرارة فقط، وإنما من يملك أقل قدرة على التكيف.
المزارعات والنساء العاملات في الحر.. حلقة أكثر هشاشة
تكتسب القضية أهمية خاصة في الدول التي تعتمد نسبة كبيرة من النساء فيها على العمل الزراعي أو الأنشطة الاقتصادية المفتوحة.
وتعرض تجربة بحثية في زيمبابوي الصورة بوضوح؛ ففي منطقة جبل داروين يمكن أن تتجاوز درجات الحرارة 40 درجة مئوية، ويعمل باحثون ومجتمعات محلية على تطوير تدخلات سلوكية وبيئية وهيكلية لحماية النساء الحوامل والمواليد.
وتشمل الحلول البسيطة التي يجري اختبارها أدوات للتبريد والحماية من الشمس، وزيادة الوعي بمواعيد ارتفاع الخطر، وتحسين الوصول إلى المياه وتعديل ظروف العمل.
وهذه النقطة مهمة بالنسبة للدول الزراعية؛ لأن حماية الحوامل لا تعني بالضرورة حلولًا مكلفة، وإنما يمكن أن تبدأ أحيانًا من تنظيم ساعات العمل، توفير الظل والمياه وفترات الراحة، وإصدار تحذيرات صحية أثناء موجات الحر.
ماذا يحدث للجنين داخل الرحم؟
لا يزال الباحثون يدرسون الآليات الدقيقة التي تربط الحرارة الشديدة بمضاعفات الحمل.
لكن الأدلة المتاحة تشير إلى أن ارتفاع الحرارة والإجهاد الحراري يمكن أن يؤثرا في وظائف جسم الأم والدورة الدموية والمشيمة، وبالتالي في البيئة التي يحتاج إليها الجنين للنمو.
وتشير أبحاث Wellcome إلى وجود علاقة بين زيادة التعرض للحرارة وانخفاض قدرة المشيمة على توفير العناصر الغذائية والأكسجين للجنين في بعض ظروف الإجهاد الحراري.
كما تدرس أبحاث أخرى تأثير الحرارة خلال المراحل المبكرة جدًا من الحمل، بما في ذلك احتمال ارتباط فرط الحرارة ببعض عيوب الأنبوب العصبي، وهي من المجالات التي ما زالت تحتاج إلى مزيد من البحث.
الهند وباكستان وأفريقيا.. البحث ينتقل إلى الخطوط الأمامية
لا تقتصر الأبحاث على أوروبا وأستراليا.
ففي الهند، يعمل فريق بحثي بقيادة باحثين من جامعة أكسفورد ومؤسسات هندية على دراسة تأثير الحرارة في الأمهات والمشيمة والجنين والرضاعة، باستخدام بيانات تشمل 10 آلاف زوج من الأمهات والأطفال وقاعدة بيانات تضم 110 آلاف سجل لمتابعة نبض قلب الجنين، إلى جانب دراسة مستقبلية لنحو 600 امرأة معرضة للإجهاد الحراري.
وفي باكستان، يجري مشروع بحثي آخر دراسة العلاقة بين الحرارة وصحة الأمهات والأجنة والمواليد من خلال متابعة آلاف الحوامل في المناطق الحضرية وشبه الحضرية والريفية، مع التركيز أيضًا على تداخل الحرارة مع التغذية والعوامل الاجتماعية.
هذه الدراسات تكشف أن القضية لم تعد مجرد فرضية علمية، وإنما مجال بحث عالمي يتوسع بسرعة.
لماذا تتحول الحرارة إلى مشكلة صحية أكبر؟
السبب الأساسي هو أن تغير المناخ يدفع العالم نحو مزيد من موجات الحر شدة وتكرارًا وطولًا.
وتشير Wellcome إلى أن عام 2024 كان الأكثر حرارة على الإطلاق وفق بياناتها، بنحو 1.55 درجة مئوية فوق مستوى ما قبل الثورة الصناعية، مع تزايد أعداد الأشخاص المتأثرين بالحرارة الشديدة.
وبالتالي فإن السؤال لم يعد: هل ستتعرض النساء الحوامل لموجات حر؟
وإنما: كيف ستستعد أنظمة الصحة والعمل والإسكان لهذه الحرارة عندما تصبح أكثر تكرارًا؟
ماذا تحتاج المستشفيات؟
الاستجابة لا تتعلق بالمرأة وحدها.
فالمستشفيات ومراكز الولادة نفسها تحتاج إلى التكيف مع ارتفاع الحرارة.
وتوصي Wellcome، في إطار تقريرها عن الحرارة والحمل، بإدماج مخاطر الحرارة في سياسات رعاية الأمومة، ووضع نهج وطني واضح للتعامل مع مخاطر الحرارة على الحوامل، إلى جانب جعل خدمات الأمومة أكثر قدرة على مواجهة موجات الحر، بما في ذلك توفير بيئات أكثر برودة وإرشادات سريرية واضحة للأطباء والقابلات.
وهذا يعني أن التكيف المناخي يجب أن يدخل غرفة الولادة نفسها، لا أن يبقى ملفًا منفصلًا داخل وزارات البيئة.
حماية الحامل تبدأ من إجراءات بسيطة
رغم أن التعامل مع مخاطر الحرارة يجب أن يكون جزءًا من سياسات الصحة العامة، فإن هناك إجراءات عملية يمكن أن تساعد في خفض التعرض للحرارة، خصوصًا خلال موجات الحر.
ومن أبرزها:
- تجنب التعرض المباشر للحرارة في ساعات الذروة قدر الإمكان.
- الحصول على فترات راحة متكررة في أماكن باردة أو مظللة.
- شرب المياه بصورة منتظمة وفق الإرشادات الطبية، خصوصًا عند التعرق.
- تجنب المجهود البدني الشديد في أشد ساعات الحرارة.
- الانتباه إلى علامات الجفاف والإجهاد الحراري.
- طلب الرعاية الطبية عند ظهور أعراض مقلقة.
- توفير بيئة أكثر برودة للنساء في أواخر الحمل وبعد الولادة.
- حماية حديثي الولادة من الحرارة المرتفعة والجفاف.
وبالنسبة للنساء العاملات في الزراعة أو المهن المكشوفة، تصبح فترات الراحة والمياه والظل وتعديل ساعات العمل أثناء موجات الحر جزءًا أساسيًا من الوقاية.
الأمم المتحدة: لا تجعلوا أزمة المناخ أزمة أمومة وولادة
في كلمته خلال الاجتماع التمهيدي لـCOP31، شدد ستيل على أن تأثيرات تغير المناخ أصبحت محسوسة في المنازل والمزارع والمرافق الصحية، وليس فقط في مؤشرات درجات الحرارة.
وحذر من أن الحمل، الذي يفترض أن يكون فترة أمل، يتحول بالنسبة لملايين النساء إلى فترة قلق مع دخول التأثيرات المناخية إلى تفاصيل الحياة اليومية.
وتأتي هذه الرسالة في توقيت شديد الأهمية؛ إذ تستضيف فيجي وتوفالو وأستراليا فعاليات الاجتماع التمهيدي الرسمي لـCOP31 خلال الفترة من 5 إلى 8 أكتوبر 2026، تمهيدًا لمؤتمر المناخ المقرر عقده في أنطاليا بتركيا في نوفمبر.
الرسالة الأهم.. المناخ أصبح ملفًا طبيًا
تكشف قضية الحرارة والحمل عن تحول مهم في فهم أزمة المناخ.
فالتغير المناخي لم يعد مجرد قضية تخص الطاقة والانبعاثات وارتفاع مستوى البحر، وإنما أصبح يؤثر في من يولد، وكيف يولد، وصحة الطفل في أيامه الأولى.
والأهم أن الحل لا يبدأ فقط بخفض الانبعاثات، رغم أن ذلك يظل جوهر مواجهة تغير المناخ، وإنما يحتاج أيضًا إلى تكيّف سريع يحمي الفئات الأكثر هشاشة الآن.
فالمرأة الحامل التي تعمل في الحقل أثناء موجة حر، أو تعيش في منزل لا يستطيع الاحتفاظ ببرودته، لا تستطيع انتظار انخفاض الانبعاثات العالمية بعد عقود.
هي تحتاج إلى الماء والظل والراحة والرعاية الصحية والإرشادات والحماية اليوم.
ولهذا فإن حماية الأمهات والمواليد من الحرارة ليست قضية صحية هامشية في أجندة المناخ؛ بل أصبحت، كما وصفها رئيس الأمم المتحدة للمناخ، أحد خطوط المواجهة الجديدة في أزمة المناخ العالمية.





